[the_ad_placement id="scine_before_content"]

هل تستطيع نظرية التطور تفسير كل سلوكيات الحيوانات المظلمة؟

هناك العديد من السلوكيات التي يمكن اعتبارها منبوذة عند البشر مثل أكل لحوم البشر، وأكل الأجنة، والتعذيب، والاغتصاب كل هذه الأفعال الشنيعة شائعة بين أفراد مملكة الحيوان. إذ يمكن تفسير معظم هذه السلوكيات الحيوانية بشكلٍ أساسي حسب مبادئ نظرية التطور.

كتب الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت ميل: «في الحقيقة، كل مظاهر العنف التي يشهدها المجتمع الإنساني من شنق وسجن للأشخاص فيما بينهم، هي من مظاهر الطبيعة اليومية». صحيحٌ إن الاغتصاب والتعذيب والقتل أكثر شيوعًا في مملكة الحيوان مما هو عليه في الحضارات البشرية، حيث يبدو أن الكائنات الحيوانية، دائمًا ما يكون لديها نوع من التبرير التطوري لأفعالهم وهذا ما بفتقر إليه الإنسان العاقل.

من المعروف أن القطط، على سبيل المثال، تلعب مع الطيور الصغيرة والقوارض تمهيدًا لافتراسهما في النهاية. على الرغم من سهولة استنتاج أن هذا السلوك يجعل الحيوان الأليف الشهير ساديًا.

فقد اقترح بعض الباحثين في مجال الحيوانات أن الفريسة المرهقة هي التي تكون مُتاحة لافتراس من قبل الحيوانات. فمن المثير وصف الطريقة التي تقتل بها الأُسود الأفريقية والدلافين (ثدييات اجتماعية كبيرة) صغارها، على الأرجح أنها مختلة عقليًا. ومن المثير للاهتمام أن الخبراء يشكّون في أن هذه المخلوقات في الواقع تقدم لنفسها معروفًا بقتل نسلها، حيث يجعل الذكر البالغ شريكته الأنثى متاحة للزاوج مرات عديدة.

هذه السلوكيات، التي قد تبدو في البداية من أعراض بعض الأمراض النفسية الشريرة، تبين أنها ليست إلا تراكمات مختلفة لنوع من الأنانية الناتجة عن التطور. إذ ساهمت الطبيعة الأم في بروز هذا النوع من الأنانية.

ماذا لو كان إيذاء الآخرين لا يفيد المعتدي؟

ينتشر الدمار الذي لا معنى له في العالم البشري عن طريق مشاهدة محتويات إخبارية مسائية. في عالم الحيوان، حيث لا تسمح قوانين الطبيعة بحدوث أزماتٍ أخلاقية، القصة مختلفة. بكل المقاييس، لا ينبغي أن يحدث مثل هذا السلوك المدمر. ومع ذلك، فإنه أمرٌ محيرٌ لعلماء الأحياء كوجود شخص مثل تيد بندي أو أدولف هتلر بالنسبة لمؤيدي الثيودوسيين أولئك الذين يتبعون فلسفة الدين التي تسأل السؤال التالي: لماذا يسمح الله بالشر؟

قابيل وهابيل

حسب نظرية التطور لتشارلز داروين Charles Darwin، فإن الجينات التي تزيد من قدرة الكائن الحي على البقاء تنتقل، عكس الجينات التي لا تزيد من قدرة الكائن الحي على البقاء فإنها تموت. على الرغم من أن داروين يظل نقطة مرجعية مهمة لكيفية تفسير البشر للعالم الطبيعي، إلا إنه ليس منزهٌ عن الخطأ. فخلال الستينيات من القرن الماضي، اقترح عالم الأحياء دبليو دي هاميلتون أن كتاب «أصل الأنواع» فشل في تفسير استمرارية السمات التي لا تفيد الحيوان المعني بشكلٍ مباشر.

دمج هذين النموذجين الإيثار في نظرية التطور لداروين عندما كشف الباحثون عن عن فوائدها التطورية. قد يظن المرء أن المخلوقات مجبرة على تجنب التضحية بالنفس، لكن ليس هذا هو الحال. يتقاسم الخفاش مصاص الدماء العادي طعامه مع رفاقه الذين انتهت مطاردتهم بالفشل.

في الآونة الأخيرة، عُثر على أسماك نهب في القطب الجنوبي لحماية أعشاش الآخرين إذا تركت دون حماية. في كلتا الحالتين، يُعرض السلوك الإيثاري عندما تفوق الفوائد غير المباشرة لأقارب الحيوان المعني التكلفة المباشرة التي يتكبدها هذا الحيوان.

بحثًا عن النكاية

يعتبر حقد السلوك الحيواني الثاني، حيث لا يزال هذا السلوك صعب الفهم. بالنسبة للبشر، هو سلوكٌ مألوف ولكنه بعيد المنال، وربما يكون مفهومًا بشكلٍ أفضل من خلال القصة التوراتية لقابيل وهابيل أو كتابات فيودور دوستويفسكي. على الرغم من أن عددًا من علماء الأحياء التطوريين الكبار من فرانس دي وال إلى أعضاء مجموعة ويست في قسم علم الحيوان بجامعة أكسفورد Oxford University قد أكدوا خلال مسارهم المهني بعدم التداخل بين السلوك الحيواني والإنساني في البحث، حتى أنهم حذروا من التعنت والميل إلى تجسيد الموضوعات غير البشرية.

كما قال إدوارد ويلسون في دراسته، «مجتمعات الحشرات»، يعتبر الحقد: «أي السلوك الذي لا يُكسِب شيئًا أو قد يقلل من لياقة الفرد الذي يقوم به، ولكنه بالتأكيد مضرٌ بسلامة شخصٍ آخر». يسمح تعريف ويلسون، المقبول عمومًا بين أوساط علماء الأحياء، للباحثين بدراسة حدوثه بطريقة موضوعية وحيادية. لفت الانتباه الأكاديمي في البداية إلى أنواع الأسماك والطيور التي دمرت بيوض وأعشاش طيور منافِسة لها (فقس أو لم يفقس)، وكل ذلك دون فائدة واضحة لهم.

التركيز على الظاهر

على الرغم من ذلك كما أوضحت تلك الأسود والدلافين في وقتٍ سابق، بعض الأفعال والعواقب ليست دائمةً كما نعتقد. حيث أكد عالم الأحياء آندي غاردنر وستيوارت ويست في بحثهما أن العديد من سلوكيات الحيوانات التي كان يُعتقد في السابق إنها حاقدة أصبحت اليوم تُفهم على أنها أنانية. ليس بالمعنى المباشر للكلمة (غالبًا ما يؤدي الاقتراب من عشٍ آخر إلى اشتباكات وحشية بين الحيوانات)، ولكن غير مباشر مع وجود عددٍ أقل من المنافسين من الأجيال، بالتالي من المرجح أن يزدهر نسل القاتل نفسه.

لكي يُعتبر إجراء معين حقدًا حقيقيًا، يجب استيفاء عدد قليل من الشروط. كتب غاردنر وويست في Current Biology: «إن التكلفة التي يتكبدها الطرف الذي يتصرف بالسلوك يجب أن تكون أصغر من نتاج المنفعة السلبية للمتلقي والعلاقة السلبية للمتلقي بالممثل». بمعنى آخر، يمكن اعتبار المخلوق حاقدًا إذا كان إيذاء مخلوقات أخرى أكثر ضررًا من نفعه. حتى الآن، نادرًا ما لوحظت النكاية الحقيقية في مملكة الحيوانات، وتحدث غالبًا بين المخلوقات الصغيرة.

تتطور يرقات الدبابير الطفيلية متعددة الأغشية، والتي تفقس من البيض الذي يظهر فوق بيض الدعسوقة. فأحيانًا البالغين ليسوا فقط عقيمين ولكن لديهم عادة أكل يرقات أخرى. من منظور تطوري، يُعد ظهور هذا الشكل من العقم ليس خطوة ذكية للدبور لأنه لا يستطيع نقل جيناته إلى الجيل التالي.

كما إنه لا يساعد جيله على البقاء على قيد الحياة، حيث يتعرضون لخطر الأكل.

هذا لا يعني أن النكاية هبطت إلى عالم الحشرات. فهي تظهر أيضًا بين القرود، وتميل إلى الظهور في أشكالٍ أكثر وضوحًا. في الدراسة التي أجريت عام 2016، قام باحثون في علم النفس من جامعة هارفارد Harvard University، كريستين ليمجروبر وألكسندرا روساتي، بفصل الشمبانزي والكبوشي عن بقية المجموعة خلال وجبات التغذية وجعل طعام الجميع متاحًا للجميع. في حين أن الشمبانزي لم يحرم من تناول الطعام إلا الفئة التي انتهكت الأعراف الاجتماعية لمجموعتهم. فغالبًا يتصرف الكبوشي ببساطة بدافع النكاية. كما يوضح Leimgruber: «تقدم دراستنا الدليل الأول على اختيار الرئيسيات غير البشرية لمعاقبة الآخرين لمجرد أن لديهم المزيد. هذا النوع من الاستجابة إذا لم أتمكن من الحصول عليها، لا أحد يستطيع» يتوافق مع الحقد النفسي، وهو سلوك كان يعتقد سابقًا إنه سلوك بشري فقط.

ترداد وراء الظلام

بالطبع، الحقد ليس هو النوع الوحيد الخاص بالسلوك البشري المعقد والمثير للفضول والذي لم تنتج عنه مبادئ التطور إجابة سهلة الاكتشاف أو قابلة للفهم. ومما يثير الارتباك أيضًا المكونات الأربعة لـ Dark Tetrad نموذج لتصنيف السلوكيات الخبيثة، جُمع بواسطة عالم النفس الشخصي ديلروي بولهوس Delroy Paulhus. تشمل سمات الإطار النرجسية والميكافيلية والاعتلال النفسي والسادية اليومية.

عُثر على آثار الأربعة داخل مملكة الحيوانات. الحرب القبلية بين الشمبانزي هي، أولاً وقبل كل شيء، وسيلة للسيطرة على الموارد. وفي الوقت نفسه، يبدو أن الكثيرين يستمتعون بنشاط المشاركة في معارك عنيفة جدًا. في مكانٍ آخر، يشير باحثو الرئيسيات الذين حققوا تقدمًا في تقييم علم نفس القرد العظيم إلى وجود أنواع شخصية ذهانية. أما بالنسبة للمكيافيلية، فقد لوحظ الاستعداد لإيذاء الأقارب من أجل حماية النفس في كل فصيل من قرود المكاك الريسوسية والبلطي النيلي.

على الرغم من أن أسباب أنواع معينة من السلوك الحيواني لا تزال موضعًا للنقاش، فإن طبيعة هذه المناقشات تميل إلى أن تكون مختلفةً بشكلٍ ملحوظ عن الخطاب حول دوافع القتلة المتسلسلين، على سبيل المثال. وغالبًا ما يكون لدى الباحثين فهم قوي لدوافع ومشاعر موضوعات الدراسة الخاصة بهم ولكن ليس تلك التي تقع خارج نطاق اختصاصهم. بغض النظر عما إذا كان المجتمع الأكاديمي يتحدث عن البشر أو الحيوان، فإن القناعة الأساسية التي توجه المحادثة هي أن كل سلوك، مهما كان مزعجًا أو عنيدًا، يجب أن يكون له تفسير منطقي.

المصادر: 1