كيف تؤدي مهامك على نحو أفضل؟ دراسة جديدة تجيب عن هذا السؤال

سلط فريق من الباحثين في جامعة براون الضوء على العمليات الإدراكية التي ترافق الإنسان عندما يقرر بذل جهدٍ عقلي.

وحسب ما افترض الباحثون ومدمنو مسلسلات شبكة نيتفليكس على حد سواء، فإن مقدار الجهد العقلي الذي يضعه الشخص في مهمة ما يتأثر بالمكافأة المترقبة لتلك المهمة، فإنه يُتوَقع حصولك على راتب نتيجة الجهد الذي بذلته، ومن المتوقع أن تقود الجهود الناجحة إلى مديح وثناء من المشرف، أو علاوة أو ترقية أو حتى أحيانًا وظيفة جديدة براتب أعلى.

ولكن ما الذي سيحصل لو اعتقد الفرد أن جهوده لا تصنع فارقًا؟ وأن المكافأة ستكون نفسها مهما حاول جاهدًا؟ كيف سيقرر ذلك الفرد مقدار ما قد يبذله من جهد؟ -ذلك إن حاول الاجتهاد أصلًا-

في دراسة جديدة نشرها فريق من باحثي جامعة براون في الخامس عشر من شباط/فبراير في دورية Nature Communications العلمية أظهرت أن كمية الجهود الذهنية المبذولة من قبل الفرد لا تعتمد فقط على المكافأة المترقبة لجهودهم ولكن بمدى ارتباط النتيجة بأدائهم أيضًا.

أظهر الباحثون في ثلاث تجارب متعلقة بالبحث أن أداء المشاركين كان أفضل في المهام التي امتلكت جوائز محتملة أكبر وعندما شعروا أن جهودهم صنعت فارقًا في كسب تلك الجائزة.

والأمر الأكثر أهمية من هذا كله، هو أن هذه الدراسة قد حددت النشاط العصبي المرتبط بعملية اتخاذ القرار من هذا النوع. يقول الباحثون أن هذه النتائج من الممكن أن تفسر كلًّا من الدافع وما الذي سيحدث لو افتقر الفرد لهذا الدافع.

يقول إميتاي شينهاف Amitai Shenhav مؤلف الدراسة وأستاذ مساعد في العلوم المعرفية واللغوية والنفسية في جامعة براون: «تسلط هذه الدراسة الضوء على الدوائر العصبية التي تحرك الدافع، والتي بدورها تساعدنا على فهم سبب وجود أشخاص لا يتحفزون بسهولة سواء كانت هذه الصعوبة ظرفية أو مزمنة ناتجة من اكتئاب أو اضطرابات أخرى».

ويضيف: «يساعدنا هذا العمل في إجابة الأسئلة الكبرى في الصورة مثل: كيف يدرك الناس الحوافز الموجودة في بيئتهم وكيف يقررون فيما إذا كانت جهودهم تستحق العناء».

أظهر بحث سابق أن الأشخاص عادةً ما يبذلون جهودًا أكبر حينما يوعدون بمكافأة أعظم، مع ذلك إن اعتقد الفرد مسبقًا أنه سينجح أو سيفشل بغض النظر عن جهوده فربما سيقرر عدم أداء أي جهد أصلًا. اختبر الباحثون هذه النظرية بتطبيقها على مجموعة من المشاركين من طلبة الجامعات أجريت عليهم سلسلة من الاختبارات تابعة لتجربة نفسية معروفة تدعى اختبار ستروب والذي يتضمن النظر إلى كلمة تشير إلى لون معين مكتوبة بلون يختلف عن اللون المعني ويجب في هذا الاختبار النطق بلون الكلمة نفسها وليس ما تشير إليه، على سبيل المثال كلمة (أحمر) مكتوبة باللون الأخضر.

استخدم الباحثون في هذا الاختبار درجات مختلفة من الصعوبة وكذلك الفعالية والجوائز. ففي الاختبارات ذات الفعالية العالية بُلِّغ المشاركون أنهم سيكافئون حتمًا على الإجابات السريعة والدقيقة، في حين بُلغ نظراءهم في الاختبارات ذات الفعالية المنخفضة أن أدائهم لا يرتبط بحصولهم على جائزة من عدمه (شرط أن يقدموا استجابة ما).

وقبل بدء الاختبار طُرح على المشاركين سؤال فيما لو كانوا على استعداد لاستلام مكافأة منخفضة (10 دولارات) أو مرتفعة (100 دولار)، وقد قيس النشاط العصبي للمشاركين باستخدام التخطيط الكهربائي للدماغ أثناء تأديتهم للاختبارات.

صممت هذه الاختبارات لمحاكاة اتخاذ القرارات في الحياة الواقعية: على الرغم من سهولة الربط بين كمية الجهد الذي تضعه في عمل ما والمكافأة التي تنالها لقاء هذا الجهد (كما في الامتحان – دراستك أكثر له تزيد من فرص نجاحك)، إلا أنه يوجد العديد من الحالات التي لا تنطبق عليها هذه القاعدة.

يقول رومي فرومر Romy Frömer الباحث ما بعد الدكتوراه في مختبر شينهاف في معهد كارني لعلوم الدماغ في براون، وهو المؤلف الرئيسي لهذه الدراسة: «يوجد الكثير من العوامل الواقعة خارج سيطرة الفرد عند تقديمه على جامعة أو وظيفة جديدة مثلًا، عند مواجهة كل هذه المتغيرات تساءلنا: كيف سيقرر الناس مقدار ما سيستثمرونه من جهد؟».

أكدت الدراسة توقعات الباحثين، حيث وجدت أن المشاركين المتوقع منهم الأداء بفعالية عالية مع وجود جوائز قد استثمروا جهودًا ذهنية أعلى وقدموا الأداء الأفضل في مهامهم.

لقد حاكت النتائج أيضًا ما يحصل في دماغ المشاركين عند تقريرهم لمقدار الجهد الذي سيبذلونه. إذ حدد الباحثون النشاط العصبي المرتبط بكيفية تقييم المشاركين للعنصرين اللذين بنوا دوافعهم عليها (الفعالية والجائزة)، ثم مقدار الجهد الذي قرروا استثماره.

يقول فرومر أيضًا: «لقد رأينا أن المشاركين استخدموا هذين المتغيرين لاتخاذ قرار حول مقدار ما سيبذلونه من جهد في الاختبار، أظهر عملنا أن كل هذا يحدث قبل أن يبدأ الحدث الفعلي وقبل أن يستهلك الفرد أي جهد معرفي».

تابع هذا العمل كل من فرومر وايفان غراهيك Ivan Grahek وهو أيضًا باحث ما بعد الدكتوراه مشارك في العلوم المعرفية واللغوية والنفسية، ووضحوا باستخدام بيانات التخطيط الكهربائي للدماغ كيف يقرر الناس فيما لو كانت جهودهم مهمة. ساهمت هذه المجموعة من الأبحاث في فهم أفضل لكيفية دمج الناس لافتراضاتهم حول الفعالية في قراراتهم بشأن مقدار الجهد المستثمر.

شارك في قيادة هذا البحث المنشور في دورية Nature Communications العلمية طالب الدكتوراه هيوز لين Hause Lin من جامعة تورنتو. وقد كان مدعومًا بمنحة من المعهد الوطني للعلوم الطبية العامة، وزمالة أبحاث مؤسسة ألفريد ب. سلون Alfred P. Sloan في علم الأعصاب ومنحة من مجلس أبحاث العلوم الطبيعية والهندسة في كندا.

المصادر: 1