[the_ad_placement id="scine_before_content"]

الريبوسومات هي السر الذي قد يقود العلماء لتتبع شجرة الحياة حتى آخر سلف مشترك منذ 3.8 مليار سنة

منذ ما يقارب 4 مليار سنة، وفي مكان ما على سطح كوكب الأرض المليء بالجزيئات والمعادن الخاملة، حدث أهم تحول كيميائي على الإطلاق، وهو ظهور الحياة. هذا التحول يعتبر أساس وجود كل الكائنات الحية، إضافة إلى أنه أدى إلى تغيير في كيمياء المحيطات والأرض والغلاف الجوي. حدث التحول الكيميائي منذ فترة طويلة جدًا، لكنه قد يكون أقرب بكثير مما كنا نظن. أي مدفون داخل كل خلية من كل كائن حي على هذا الكوكب، من البكتيريا إلى محار البرنقيل إلى البشر، أي يُعتبر نسخة حية وعملية من الحياة المبكرة على الأرض، بل قد يكون بمثابة آلة الزمن التي ستسمح لنا بتقشير تلك الأربع مليارات سنة، لمعرفة جميع التفاصيل التي حدثت خلال هذه المدة.

كما أن معظم الجهود لفهم كيف بدأت الحياة تبدأ بتجارب تحاكي البداية ومن ثم تتقدم، إذ يبدأ الباحثون بحساء تجريبي من الجزيئات البدائية ويحاولون إما إعادة إنشاء اللبنات الأساسية للجينات أو جعلهم يطورون وظائف رئيسية، مثل التكاثر الذاتي.

توجد بعض النتائج الواعدة لبعض التجارب التي تحاكي البداية وتتقدم، وفي أحسن الأحوال، فإن هذه الطرق في البحث في قد تُظهر مسارًا معقولاً لنشأة الحياة. لكن لا يمكننا الكشف عما حدث بالفعل حينها. أما النهج الجديد للبحث، فيبدأ بالحياة الحديثة حاليًا ثم يعود تدريجيًا لنقطة بداية الحياة، أي عكس التجارب التي تتناول الحياة منذ البداية وتتقدم.

تتكون الريبوسومات من مجموعة متشابكة من البروتينات ومن أحد أقارب الحمض النووي، ويسمى rRNA. الريبوسومات عبارة عن آلات جزيئية موجودة داخل كل خلية حية. ووظيفة الريبوسوم هي قراءة الشفرة الجينية الموجودة في الحمض النووي ومن ثم استخدامها لبناء البروتينات. بالتالي فهي روبوتات خلوية تبني مكونات خلايانا.

وظيفة الريبوسومات محددة للغاية لدرجة أنها تعمل بنفس الطريقة في جميع الكائنات الحية، على سبيل المثال، تختلف الريبوسومات الخاصة بالإنسان عن تلك الخاصة بالبكتيريا فقط في الزخرفة الموجودة على السطح الخارجي. لذلك يشير هذا النوع من التوحيد بين ريبوسومات الكائنات الحية إلى أنها تعود إلى وقت بداية الحياة. ومع تقدم التطور، قامت الأنواع الجديدة بإدخال أجزاء إضافية من الحمض النووي الريبي RNA إلى ريبوسوماتها. بالتالي تركت الإضافات آثارًا يمكن تحديدها، تمامًا كما يترك فرع ينبت من شجرة علامة مرئية في الخشب. فحتى لو اختفى الفرع، يمكنك إلقاء نظرة على الخشب والقول إن شيئًا ما نما هنا. أيضًا لو قمت بتقطيع الفروع الخارجة من الشجرة، ستجد أن جميع الفروع تشترك في جذع واحد، أي نواة مشتركة لجميع الفروع، هذه النواة تمثل جزء الريبوسوم الذي كان يعمل في وقت آخر سلف مشترك عالمي LUCA، وهو السلف الذي انحدرت منه جميع أشكال الحياة. مع العلم أن هذا النظام ربما لم يكن حي بالصورة التي نفهمها الآن، لكن ما هو مفهوم أنه كان في طريق الحياة.

بهذه الطريقة أي بالعودة إلى الخلف، ومن خلال مقارنة الحمض النووي الريبي RNA للكائنات الحية، تمكن العلماء من العودة بالريبوسوم إلى زمن السلف المشترك LUCA وما قبل ذلك أيضًا. وبمجرد معرفة كيفية التعرف على بصمات الإدخال في الزخرفة الحديثة للريبوسوم، بحث العلماء في ما كان من الممكن أن يكون موجودًا لدى ريبوسوم LUCA. وبالفعل ووجدوا آثارًا مماثلة لعمليات الإدخال، وأشاروا أيضًا إلى الإضافات القديمة التي يجب أن تكون حدثت حتى قبل السلف LUCA. وفي كل مرة يجد فيها العلماء إضافة على الريبوسوم، يقومون بقصها، أي كما في عملية تقليم الفروع، فكلما قلّم العلماء أكثر فأكثر، فإننا نعود إلى الماضي، بالتالي فإن النهج المتبع يوفر طريقة مذهلة لإعادة بناء نسخ مبكرة أكثر من الريبوسوم، وصولًا إلى بدايات الريبوسوم.

وُجد أن أقدم جزء من الريبوسوم هو امتداد من الحمض النووي الريبي RNA، وهي منطقة مشابهة للمنطقة التي تربط الأحماض الأمينية لتشكيل سلاسل شبيهة بالبروتين. على الجانب الآخر، استخدمت فرق بحثية أخرى طرقًا مختلفة لتحديد الأجزاء الأولى من الريبوسوم، مثل تقشير الطبقات، ببساطة مثل تقشير البصل، للكشف عن اللب. والنتائج كانت متشابهة أي أن أقدم جزء هو المنطقة المشابهة للمنطقة التي تقوم بربط الأحماض الأمينية. وبحسب عدد من الباحثين فإن نموذج تفكيك الريبوسوم المذكور ربما هو أفضل نموذج موجود يوضح تاريخ الريبوسوم.

بعد تجريد الريبوسوم من جميع التحسينات والإضافات اللاحقة، حصل العلماء على الريبوسوم البدائي الخاص بزمن السلف المشترك LUCA، ولكن من الواضح أنه يفتقر للعديد من الامتيازات والدقة الموجودة في الريبوسوم الحديث. أي يفتقر إلى المناطق التي تقرأ الشفرة الجينية، لذلك لا يمكن للريبوسوم البدائي أن ينتج بروتينات معينة. بدلاً من ذلك، يجب أن يمتلك قدرة على ربط الأحماض الأمينية في سلاسل قصيرة عشوائية من خلال تفاعل كيميائي بسيط يشير إلى أصل أرضي للحياة. نتيجة لذلك، صنعت الريبوسومات المبكرة مزيجًا من جزيئات مختلفة. أطلق العلماء على الريبوسومات البدائية التي تصنع مزيج من الجزيئات مصطلح صانعي النقانق الجزيئية. وبالفعل وجد باحثون آخرون أدلة داعمة على هذا الأمر، أي يمكن خداع حتى الريبوسومات الحديثة لربط جزيئات أخرى غير الأحماض الأمينية معًا.

بالتالي يمكن لهذه الأجزاء القديمة من الريبوسوم أن تخبرنا عن كيفية بدء الحياة. فعلى الأرض البدائية، وعندما تشكلت شظايا عشوائية من الريبوسومات البدائية المسماة بمصانع النقانق الجزيئية، واتخذ القليل منها شكلاً يساعدهم على الالتصاق بالحمض النووي الرايبوسومي rRNA. هذا الالتصاق يؤدي إلى استقرار الريبوسومات. فتلك التسلسلات التي تُشكل هياكل أكثر استقرارًا ستستمر لفترة أطول. وبشكل تدريجي وتراكمي، تشكّل الريبوسوم في هيكل أكبر وأكبر مع مرور الزمن. وهو أحد أشكال التطور الكيميائي. يعتبر بعض العلماء أن هذه الفوضى من جزيئات الرنا RNA والبروتين المتطور المشتركة أقل من مستوى الحياة الحقيقية.

حتى أن جزيئات الرنا RNA أو البروتينات ربما لم يُتعرف عليها. ببساطة ما كان موجود هو مجموعة من الجزيئات الأولية المتماثلة، والتي تُجمّع ذاتيًا بسهولة. لكن النظام بأكمله كان يسير في طريق تشكّل الحياة التي سنعهدها لاحقًا، يحيث دُعم التطور الكيميائي من خلال العشوائية واختيار المكونات الأكثر ارتباطًا ببعضها البعض.

على الرغم من أن بعض التفاصيل ما زالت غامضة، إلا أن سمة المرحلة المبكرة هي عدم وجود كود جيني ولا تضاعف دقيق للجينوم قبل أن تتطور الحياة الحقيقية. ففي الخلايا الحديثة، تُرسَل التعليمات من مكتبة الحمض النووي المركزية في النواة إلى الريبوسومات عبر الرنا المرسال mRNA. ثم يربط الريبوسوم نُسخ الرنا المرسال ويقرأها ثلاثة أحرف في كل مرة، أي كودونات، ومع كل ثلاثة أحرف، يُشفّر حمض أميني واحد. ثم يُنقل الحمض الأميني المحدد إلى الريبوسوم عن طريق الحمض النووي الريبي الناقل tRNA، وهو الذي يحتوي على تسلسل مطابق للثلاثي.

يعتبر الحمض النووي الريبي الناقل tRNA والحمض النووي المرسال منفذين أساسيين للكود الجيني. ومع ذلك، في جميع عمليات إعادة البناء لريبوسوم ما قبل السلف المشترك LUCA، تَظهر أجزاء الريبوسوم المسؤولة عن الارتباط بالرنا المرسال والرنا الناقل في وقت متأخر نسبيًا. حتى ذلك الحين، من غير المرجح أن تكون الوظيفة الأولية لـ mRNA وtRNA معقدة للقيام بالترميز الثلاثي. بدلاً من ذلك، فهي نشأت على شكل قصاصات صغيرة من الحمض النووي الريبي RNA، والتي تشكلت للمساعدة في وضع الأحماض الأمينية العشوائية في الإتجاه الصحيح لتلتصق بجزيء البروتين المتنامي.

حاليًا، يسمح المخطط الموجود في الشفرة الجينية للريبوسوم بعمل نُسخ دقيقة من نفس البروتين مرارًا وتكرارًا. ولكن في عصور ما قبل التاريخ، لم يكن للريبوسوم البدائي أي طريقة لقراءة الجينوم، بالتالي لم يكن له أي فائدة. فبدلاً من النُسخ الدقيقة، كان لديه القدرة على صنع مجموعة من الجزيئات الجديدة، مع تلك التي ساعدت على استقرار النظام.

تدريجيًا، انتقت هذه العملية للرنا المرسال والرنا الناقل، إذ كانا أفضل وأكثر دقة في وظائفهما، مما أدى في النهاية إلى تشكيل جزيئات تتعرف وتُدخل أحماض أمينية محددة في أوقات محددة، وهي الشفرة الجينية الموجودة اليوم في جميع الكائنات الحية. أخيرًا، وصلنا إلى مرحلة التطور الدارويني، أي وصل النظام أخيرًا إلى النقطة التي يمكن عندها حقًا تسميته على قيد الحياة. ويتفق معظم علماء الأحياء التطورية على أن الحمض النووي الريبي RNA حمل الشفرة الجينية أولاً. ثم جاء الحمض النووي DNA لاحقًا، وهو جزيء أكثر استقرارًا بالطبع.

عملية التحاضن الجزيئي

واحدة من العمليات الرئيسية التي كان على الحمض النووي الريبي RNA والبروتينات أن تتطور لفعلها عندما أصبحت أكثر دقة هي عملية الطي، فجميع البروتينات الحديثة تلتوي وتطوى في أشكال معقدة ثلاثية الأبعاد، وبدون هذه الأشكال الثلاثية المعقدة فإن البروتينات لن تعمل، أي لن تكون وظيفية. بالتالي كيف نشأت هذه الخاصية؟ الطي خاصية نادرة للغاية، وتوجد احتمالات لسلاسل بروتينية أكثر من عدد الذرات الموجودة في الكون. لذا، من غير المعقول أن يكون التطور قد اختبر جميع احتمالات البروتينات الممكنة للعثور على جزء قليل منها.

يُقدم التطور الكيميائي حلاً لهذه المشكلة. لكي ينثني البروتين جيدًا، يجب أن يحتضن جزء منه بإحكام مقابل الآخر دون تدخل جزيئات الماء. هذه هي الميزة التي سوف تساعد أجزاء من البروتين الأولي في الارتباط وتثبيت الحمض النووي الريبي الأولي. ومع تطور هذه الجزيئات بشكل مشترك، انتُخبت شظايا بروتينية مهيأة للانطواء جيدًا.

لا يزال الريبوسوم يحتفظ بأدلة توضح حدوث هذه العملية. إذ تُظهر البروتينات المرتبطة بالجزء الأقدم من الريبوسوم القليل من أشكال الطي المعقدة أو لا تُظهر أي شكل من الطي على الإطلاق. وبالانتقال إلى الأجزاء الأكثر حداثة من الريبوسوم، لاحظ الباحثون أن البروتينات تنطوي أولاً إلى أشكال بسيطة ثم إلى أشكال أكثر دقة وأكثر تعقيدًا. وفي الوقت ذاته، كانت أجزاء الحمض النووي الريبي RNA من الريبوسوم تتطور أيضًا إلى طي أكثر إحكامًا واستقرارًا. بالتالي فهذه أدلة على الفكرة القائلة بأن البروتين والحمض النووي الريبي تطورا معًا في الوقت ذاته. وهي أدلة تلغي مفارقة الدجاجة والبيضة في الحياة المبكرة. كما أنها تمثل خروجًا كبيرًا عن فرضية عالم الحمض النووي الريبي RNA السائدة. وهي مراجعة جذرية لكيفية نظر العلماء للحياة المبكرة. فحتى لو لم يوافق الباحثون على كل التفاصيل، إلا أن النموذج الجديد يساعد العلماء في إعادة التفكير في نماذج جديدة لكيفية بدء الحياة، وهذه مساهمة قيمة.

وبالفعل بدأت بعض الفرق البحثية في محاولة إعادة إنشاء مراحل تطور الريبوسومات في المختبر. حتى الآن، بنى الباحثون أول قلب ريبوسومي أولي وبدأوا في وضع قالب الريبوسوم في خطوات تحاكي تطوره. بالتالي فإن الريبوسوم هو هدية الطبيعة للعلماء، فهو كبسولة زمنية صغيرة تعيدنا إلى الماضي السحيق، وقد فُتحت وبدأ العلماء بالنظر إلى التفاصيل في الداخل.

بركة صغيرة جافة

ناقش الباحثون منذ فترة طويلة ما إذا كانت الحياة قد نشأت في بركة صغيرة دافئة، كما توقع داروين، أو في بعض الموائل الأخرى مثل الثقوب الحرارية المائية، والينابيع الساخنة الأرضية، أو حتى الرواسب الطينية.

والجدير بالذكر أن الريبوسوم قد يقدم دليلاً على هذا اللغز. إذ يقوم الجزء الأقدم من الريبوسوم بمهمة صعبة تتمثل في ربط الجزيئات الصغيرة بسلاسل أطول. بالتالي يُحقق ذلك من خلال تفاعل نزع الماء، إذ تُحكم الروابط بين الجزيئات من خلال إطلاق جزيء الماء. ونظرًا لأن هذه العملية تحدث بسهولة أكبر في ظل الظروف الجافة، فإنها تشير إلى أن الريبوسوم المبكر لم يتشكل ولم يعمل في المحيطات المائية.

بالتالي فإن البقعة الأكثر احتمالاً لهذه العملية هي حول أطراف بركة مؤقتة، حيث تتناوب الظروف بين الرطوبة وهي بيئة مفضلة لخلط المكونات، والجفاف وهي بيئة مفضلة لتشكل وربط الجزيئات في سلاسل أطول.

مفارقة الدجاجة والبيضة

تشكل الحياة كما نعرفها اليوم مشكلة الدجاجة والبيضة، فلا يمكن للحمض النووي أن يتضاعف بدون البروتينات للقيام بالعمل، ولا يمكن للبروتينات أن توجد بدون الحمض النووي لتوضيح بنيتها.

تُعد هذه المعضلة سببًا كبيرًا وراء تفضيل الباحثين لفكرة أن الحياة لم تبدأ بالحمض النووي DNA، ولكنها بدأت بالـ RNA، إذ يستطيع جزيء الـ RNA تخزين المعلومات، ويمكن أيضًا أن يتحول إلى أشكال معقدة تساعده على العمل كمحفز. فجزيء الحمض النووي الريبي الذي يمكنه تحفيز التكاثر الذاتي الخاص به من شأنه أن يحل معضلة الدجاجة والبيضة بدقة، من خلال الجمع بين كل من المعلومات والحفز في جزيء واحد. ففي سيناريو عالم الرنا، يستعين الحمض النووي الريبي المتكاثر ذاتيًا في وقت لاحق بدوره التحفيزي للبروتينات الأكثر تنوعًا، بالتالي يقوم بنقل مهمة تخزين المعلومات إلى الحمض النووي DNA، وهو جزيء أكثر استقرارًا.

بالتالي فإن البحث الجديد يقدم حلاً مختلفًا. بحيث ينهي معضلة الدجاجة والبيضة، أي لم تأتِ البروتينات ولا الأحماض النووية أولاً. فبدلاً من ذلك، تطور كلاهما معًا منذ البداية.

لذلك فإن الفكرة الكاملة لعالم الحمض النووي الريبي RNA تبدو خاطئة بالنسبة لبعض الباحثين لأنها تتطلب من الحياة التخلي عن نظام قائم على الحمض النووي الريبي RNA، وإعادة اختراع نفسها في الحمض النووي DNA والبروتينات، بدلاً من الاصلاحات لتحسين العمليات الموجودة. فهذا يعني أن التطور ليس عامل إصلاح، إنه مهندس وهو أمر غير معقول إذ أن التطور لا يقوم بمثل هذه الاشياء. لذلك فإن البديل المعقول هو أن الحمض النووي الريبي RNA والبروتينات تطورا معًا في الوقت ذاته. والمثير في الوقت الراهن أن هناك زيادة في عدد العلماء المؤيدين للنموذج الجديد لنشأة الحياة.

المصادر: 1