لماذا تنجذب النساء إلى المرضى نفسيا!

تُقدم نتائج هذا البحث معلومات مدهشة عن تطور الأمراض العقلية لدى البشر.

طلب الباحثون من قرابة 50 طالبًا جامعيًا المشاركة في مجموعة من المواعدات التمثيلية، واستنتجت التجربة أن الرجال ذوي صفات الاعتلال النفسي كانوا أكثر جاذبيةً على نحوٍ كبير بالنسبة للنساء الذين شاهدن فيديوهات للمواعدات سالفة الذكر.

كمحصلة، وُجد أن امتلاك صفات المرض النفسي تساعد الرجال على تقليد الميزات التي تريدها النساء في الشريك، ولكنها طريقة ذات نجاح قصير الأمد.

وللتوضيح: نقصد هنا بقولنا «الاعتلال/المرض النفسي» مصطلح “Psycopathy” الذي يعني تحديدًا الاضطرابات النفسية المصحوبة بضعف السيطرة على الذات أو إيقاع الأذى بالآخرين وانعدام التعاطف معهم.

يظهر أن الرجال ذوي الصفات المشابهة للمعتلين نفسيًا قادرون على جذب النساء بسهولة أكبر وذلك حسب هذه الدراسة الجديدة التي استعملت بروتوكولات علم النفس التطوري لتبحث في العلاقة بين التوجه الجنسي والاعتلال النفسي.

قد يظهر للوهلة الأولى أن المعتلين نفسيًا (الأشخاص الذين يصفهم أطباؤهم النفسيون بأنهم مؤذون لمن حولهم ولا يملكون هدفًا في الحياة، مع عجزهم عن الإحساس بالحب أو التعاطف) أقل قدرةً على ترك انطباع جيد لدى النساء، ولكن الأبحاث الجديدة أظهرت أن الرجال الذين تتشابه شخصياتهم مع المعتلين نفسيًا يحصلون على شركاء جنسيين أكثر خلال حياتهم، وبما أنهم يتصرفون باندفاع أكثر تبعًا لشهواتهم الجنسية فإنهم منفتحون أكثر على العلاقات الجنسية قصيرة المدى بالإضافة لكونهم يمارسون الجنس بدءًا من أعمار أصغر.

وبكلمات كاتب الدراسة كريستوفر برازيل Kristopher Brazil في Psypost: «على سبيل المثال فإنه من المعلوم للأطباء والمختصين النفسيين الذين يعملون في قطاع السجون أن المسجونين ذوي الشخصية المعتلة نفسيًا يحاولون أكثر وينجحون أكثر في إغراء موظفي السجن مما يدل على أنهم يظهرون ميزات «جذابةً» لهم حتى وإن كانت مزيفة، وتكمن المشكلة في أن ذلك يتضمن الموظفين الصحيين الذين من المفترض أن يكونوا متدربين على مقاومة الإغراء والتلاعب من أمثال ذلك المعتل نفسيًا».

فرضية الاستغلال الجنسي:

ما هو ذلك الشيء في الرجال المعتلين نفسيًا والذي يجعلهم لا يُقاومون أمام النساء؟ تقترح هذه الدراسة التي نشرت في مجلة علم النفس التطوري Evolutionary Psychology Science أن ميزات الشخصية المعتلة نفسيًا تساعد الرجال على تقليد الصفات المرغوبة لدى السيدات في شريكهن، و«فرضية الاستغلال الجنسي» هذه -كما يسميها البحث- قد تساعد الباحثين في الإجابة عن السؤال: لماذا تطور المرض النفسي أو “Psycopathy” عند البشر من الأساس؟

وكتب الباحثون تعقيبًا على ذلك: «نحن نتساءل عن إمكانية وجود “مقلدين” أو “متنكرين” في مجال البحث عن شريك عاطفي أو جنسي، أي بكلمات أخرى أولئك الذين لا يُظهرون أنهم أصحاء عقليًا وحسب بل يرتدون قناعًا من الميزات يعرض بشكل خادع الصفات الجذابة في عالم العلاقات».

لإجراء الدراسة طلب الباحثون من 46 طالبًا جامعيًا في كندا المشاركة في تمثيلية مسجلة بالفيديو يقومون فيها بدور حبيبٍ في موعد غرامي وذلك بالتعاون مع باحثة مساعِدة ستبدأ السيناريو بطرح أسئلة مثل: «ماذا تود أن تفعل في موعدك الغرامي الأول؟» وكذلك «ما هو الأهم لديك في العلاقة؟»

خضع الطلاب الجامعيون بعد ذلك لفحص يقيس صحتهم العقلية (وبالتالي يقيِّم صفات المرض النفسي) وذكاءهم الاجتماعي بالإضافة لتفحُّص الجوانب الاجتماعية لميولهم الجنسية، بعد ذلك طلب الباحثون من 108 سيدات أن يشاهدن فيديوهات المواعيد الغرامية التمثيلية وأن يذكرن تقييمهن للرجال فيها في ثلاث محاور هي الجاذبية عمومًا والجاذبية الجنسية والثقة بالنفس، ثم أُخذت التقييمات الثلاثة بالاعتبار لتقدير مدى جاذبية كل من المشتركين.

في النهاية أظهرت النتائج أن الرجال الذي حصلوا على تقييم عالٍ في اختبار المرض النفسي (أي الذين كانوا أكثر ميلًا للاعتلال النفسي) كانوا مرغوبين أكثر بالنسبة للسيدات حتى عندما كان الاختبار موجهًا فقط تجاه الجاذبية الجسدية، والأغرب من ذلك حصل عندما طُلب من النساء المقارنة بين رجلين متماثلين بتقييم الجاذبية، عندها اختارت السيدات الرجل ذا صفات الاعتلال النفسي على أنه المرغوب أكثر عندها؛ ومن ثمّ نرى أن الرجال ذوي خصائص الشخصية المعتلة نفسيًا أقدر على أن يجسدوا تلك السمات الجذابة للنساء خلال هذه اللقاءات الاجتماعية الوجيزة.

علق برازيل على ما سبق متحدثًا لـ Psypost: «يملك الرجال المعتلون نفسيًا نمط شخصيةٍ يجعلهم جذابين في أعين النساء في اللقاءات الاجتماعية على غرار المواعيد الغرامية، وهذا قد يُعزى لكونهم واثقين من أنفسهم أو لأنهم يعرفون ما يقولون لجذب انتباه النساء أو ربما لأنهم لا يشعرون بنفس الضغوط الاجتماعية التي يشعر بها الأشخاص العاديون».

كانت التقييمات لمدى رغبة النساء بالرجال شديدة الارتباط بالميزات الخاصة بنمط حياة المعتلين نفسيًا التي تتضمن غياب الإحساس بالخطأ وانعدام المسؤولية بالإضافة لما يبدونه من السعي لإشباع ملذاتهم وهذا يضع الباحثين في حيرةٍ حول سبب ظهور هذا الارتباط القوي ولكنهم يقترحون: «إحدى الاحتمالات هي أن هذه الصفات تجعل الرجال يبدون أكثر متعة وتشويقًا مما يجعل فرصة الحديث معهم أكثر إغراءً؛ بمعنى أن هؤلاء الرجال يبرزون ميزات ترسل إشارات للسيدات أنهم ببساطة شركاء ممتعون ويَظهر أن النساء يستجبن بتفضيل هذا النوع من الشركاء للعلاقات قصيرة الأمد».

على الجانب الآخر ومن وجهة نظر تطورية، فإن القدرة على جذب النساء لفترة كافية لتؤدي لممارسة الجنس هي ميزة تعطي حامليها أفضلية تطورية (أي أنهم هم الأقدر على التكاثر وتمرير جيناتهم إلى الأجيال القادمة)، ونتائج كهذه تدفع للتساؤل عما إذا كان الاعتلال النفسي «اضطرابًا» بالفعل، وعلى هذا يعلق الباحثون بقولهم: «بالطبع هناك حاجة لإجراء المزيد من الدراسات حول الموضوع ولكن بغض النظر عن السبب فإن بحثنا يظهر بوضوح أن صفات الشخصية المعتلة نفسيًا لا تبدو “مَرَضيةً” كما تفترض المقاربات السريرية المهيمنة على الأدب الطبي، ويبدو أن هناك شيئًا ما في نمط شخصية كهذا يعطي فوائد فردية (ليس أنه لا يتطلب ثمنًا في المقابل) تجعلنا نعتقد بعدم كونه اضطرابًا».

الاعتلال النفسي واستحالة الوصول للحميمية الجنسية:

إحدى النقاط الأساسية التي تُفهم من هذا البحث هي أن صفات الشخصية المعتلة نفسيًا على الأرجح تعطي حاملها أفضليةً فقط في نطاق العلاقات قصيرة الأمد، وبالطبع فسيبدو بعض المعتلين نفسيًا مهتمين بالوصول لعلاقة ملتزمة في بداية العلاقة وذلك غالبًا حسب “تكتيك” يسمى «الإغراق بالحب» او “Love bombing” وفيه يغدق المعتل نفسيًا على شريكه بالإطراءات والأحاديث المعسولة ويبقى على تواصل مستمر معه ولكن في النهاية وعندما يحنث بوعود الارتباط وتتوضح استحالة استمرار الحميمية يسقط قناع المحبة والالتزام ذاك.

في الختام أخبر برازيل متحدثًا مع Psypost: «كون الشخص معتلًا نفسيًا يجعل من المستحيل عليه التأقلم مع سياق العلاقات الاجتماعية طويلة الأمد، فالارتباط مع الآخر هش ومن النادر أن تجد شخصًا بجانبك عندما تكون بأمس الحاجة إليه» وأضاف أيضًا أن المعتلين نفسيًا لا يكونون أكثر احتمالًا لأن يخونوا شركائهم فحسب بل إنهم أكثر عرضةً للتعرض للخيانة أيضًا وقال كذلك: «يوضح الثمن الذي يدفعه الشخص المعتل نفسيًا أن فوائد “الاستثمار” في امتلاك صفات الشخصية المعتلة نفسيًا كشخص يافع سيأتي مع بعض العواقب السلبية كذلك».

على الرغم من ان بحثهم اقترح أن الشخصيات «المشوقة» و «الممتعة» كانت أكثر جاذبيةً لدى النساء فقد بيَّن الباحثون في النهاية أن نتائج دراستهم لا تبرر التصرفات المعتلة نفسيًا من ضرر عام وأذًى للآخرين وختموا بالقول: «يمكن استعمال البحث للترويج لفكرة العلاقات الصحية عن طريق جعل الأولوية لفهم الجوانب الجذابة في الاعتلال النفسي عند تكوين العلاقات ويمكن أيضًا الاستعانة به لتوجيه الانتباه إلى حاجتنا إلى شرح أكثر تفصيلًا لأصول الطرق التطورية التي أدت إلى ظهور الاعتلال النفسي من البداية».

المصادر: 1