وداعا للبطاريات؟ اشحن هاتفك بقطعة قماش أو بمرشد لاسلكي يعمل بالصوت

تحوّل هذه المواد الكهروضغطية الحركة إلى كهرباء.

تخيل ألا تقلق أبدًا من بطارية هاتفك عندما تكون بعيدًا عن مصادر الشحن. ربما تتيح تقنية جديدة يومًا ما شحن هاتفك بواسطة قماش ملابسك.

تخيل لو استطاع احتكاك القماش داخل جيب بنطالك أن يشحن هاتفك الخلوي. بل تخيل حساسات لا تحتاج للمدخرات لأنها تنتج بنفسها الطاقة اللازمة لعملها. ربما يبصر هذان التصوران والمزيد منهما النور قريبًا، شكرًا للأدوات والمواد الكهروضغطية الجديدة.

إن ضغط، أو دعس، أو طي هذه المواد من شأنه أن ينتج شحنة كهربائية. أضف دائرة كهربائية لالتقاط وتخزين تلك الشحنة، ستكون عندها قادرًا على تحويل الحركة إلى كهرباء.

إن المواد الكهروضغطية على اختلاف أنواعها ليست أمرًا حديثًا. لكن الجديد هو استثمارها لصنع طاقة كهربائية كافية لإنجاز أعمال مفيدة. في وقتنا الراهن، تنتج معظم المواد المشابهة لتلك مقدارًا ضئيلًا فقط من ميكروواطات الطاقة. على سبيل المقارنة، نحتاج لما يقرب الـ8 ملايين ميكروواط لتشغيل مصباح ضوء نموذجي من نوع LED. معظم المواد الكهروضغطية هذه الأيام هي أيضًا خزفية أي قاسية لكنها بالمقابل سهلة الكسر، إذًا ربما لن تدوم طويلًا.

لكن يقترح مشروعان جديدان طريقة للآلية المحتملة التي تخول هذه المواد شحن الأجهزة بحيث تستطيع العمل في بيئات غير مألوفة. أحد هذين المشروعين يحول النسيج القماش أما المشروع الثاني يعمل كمرشد مشابه لمنارة الباخرة للمساعدة في الملاحة عبر الروبوتات تحت المائية والأجهزة الأخرى.

تمكين النسيج

تساءل كمال أسدي عن كيفية اختراع جيب بنطال بإمكانه شحن الهاتف الخلوي. أسدي هو فيزيائي في جامعة باث في إنجلترا. بغية تحقيق ذلك يحتاج إلى مواد كهروضغطية طرية وقابلة للتمدد. الأمر الذي يُقصي المواد الخزفية لكن النايلون قد يفي بالغرض.

ترجمة الصورة: أنتج فريق أسدي خيوطًا رفيعة جدًا من النايلون تولد الكهرباء عند شدها أو ضغطها.

يوجد هذا البلاستك المتين القابل للمتدد وخفيف الوزن في كل شيء انطلاقًا من ملابس السباحة والرياضة وليس انتهاءً بحبال صيد السمك وأوتار الغيتار. معظم أنواع النايلون ليست كهروضغطية لكن بعضها يحصل على تلك الخاصية إذا عولجت لتشكل بنية بلورية معينة. إنّ تصيير النايلون ذي بنية خاصة كخيوط رفيعة طويلة هو أمر كما يصفه أسدي: «صعب ويشكل تحديًا». لكن فريقه اكتشف مؤخرًا طريقة لفعل ذلك.

بدايةً، أذاب الباحثون حبيبات النايلون بحمض شديد الحموضة. ثم استخدموا تقنية تسمّى الغزل الكهربائي وذلك لإطلاق خيط رفيع جدًا من السائل عبر فتحة دقيقة.حيث يجف الخيط فور ملامسته لأحد الأطباق.

لكن في محاولة الفريق الأولى لفعل ذلك لم يكن الخيط الجاف الناتج مادة كهروضغطية. يفسر أسدي المعضلة على النحو التالي: «تحبذ جزيئات الحمض البقاء داخل النايلون».

ما الحموض والأسس؟

أضاف مركب آخر يسمى أسيتون، وهو ذاته الموجود في معظم مزيلات طلاء الأظافر. أبعد هذا المركب الحمض عن خيط النايلون عندما جف. يقول أسدي: «إن ذلك كما لو أنه يقول للحمض، حسنًا عمل رائع أذبت النايلون والآن حان وقت الوداع».

ليبرهنوا أن أنسجتهم الجديدة هي مواد كهروضغطية، صنع أسدي منها حصيرة دائرية. ثم وضع أحد الطلاب الحصيرة على راحة يده. كان كل ما يتطلبه الأمر لتوليد طاقة كهربائية هو أن يفتح الطالب يده ويغلقها.

لم تكن الكهرباء الناتجة كافية إلى الحد المطلوب لشحن هاتف خلوي. يقول أسدي: «ليتها كانت كافية». ويضيف: «لكن بمزيد من العمل الدؤوب، لابد لمثل هذا العمل الفذ أن يغدو ممكنًا». عرض فريق أسدي اكتشافاته في ال23 من شهر تشرين الأول/أكتوبر في دورية Advanced Functional Materials.

كان هذا أحد الأختبارات الأولية لإيضاح قدرة خيوط النايلون على تحويل حركة جسم الإنسان إلى كهرباء. حيث يشكل ذلك أمرًا مثيرًا بالقدر الكافي لمعظم الباحثين.

ترجمة الصورة: أحد طلاب كمال أسدي وهو يضع سجادة مصنوعة من أنسجة كهروضغطية على راحة يده موصولة بأداة لقياس الشحنة الكهربائية. عند فتح يده واغلاقها يظهر مقدار الشحنة على الشاشة.

يقول زيكون دانييل دينج وهو مهندس وعالم محيطات لم يشارك في فريق البحث ويعمل حاليًا في المختبر الوطني لشمال غرب المحيط الهادئ في ريتشلاند واشنطن: «إنه بالفعل قابل للتمدد».

ويضيف دينج: «تستطيع أنسجة النايلون إنتاج طاقة كهربائية كافية لتشغيل حسّاس يعمل بطاقة منخفضة». لكن بدايةً ينبغي على فريق أسدي إضافة دارة كهربائية للتحكم بتلك الكهرباء.

تستطيع الحساسات الكهروضغطية العاملة بطاقة منخفضة المساهمة في بناء إنترنت الأشياء. هو نظام الحساسات الذي يشارك المعلومات عن الناس والأماكن والأشياء في وقتها الراهن.

تستطيع الحساسات الكهروضغطية الموجودة في الطرق مثلًا استبيان حركة المركبات لتوجه حركة المرور، أو لتضيء إشارات الطرق الفرعية، أو لإنارة أضواء الشوارع عند الحاجة. كذلك تستطيع الحساسات الموجودة على جسم الإنسان أو ملابسه مراقبة صحته أو توجيه لياقته، حيث تكتسب طاقتها عندما يمشي حاملها. تستطيع الحساسات التي تراقب المحيط شحن نفسها من خلال حركة الماء.

إيجاد المسار تحت الماء

يعمل المهندسان فاضل أديب ورضا غفاري فاردافاغ من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج على نظام مماثل لذلك العامل تحت سطح البحار. استخدما في البداية موادًا كهروضغطية لقياس درجات حرارة البحر أو لحساب ضغط الماء. هما الآن في صدد تعديل الحساس ليصبح نوعًا ما مشابهًا في عمله للمنارات العاملة تحت الماء. سترسل بدلًا من الضوء إشارات يمكن سماعها لتساهم في ملاحة الآلات العاملة تحت الماء.

ينوه غفاري إلى أن الإشارات اللاسلكية ترتد بسهولة بين الأقمار الصناعية والهواتف الخلوية والأجهزة الأخرى. تساعدنا هذه الإشارات على إيجاد مسارنا عبر الـGPS. لكن عند اصطدام الإشارات اللاسلكية بالماء وفق تعبير غفاري: «تخمد بسرعة كبيرة للغاية». بالمقابل فإن الموجات الصوتية تنتقل بشكلٍ جيد في الماء. تستخدم الدلافين وبعض الحيتان تقنية تسمى بـ( التحديد بالصدى) لإيجاد مساراتهم. فهم يرسلون صوتًا وينتظرون سماع صداه المرتد عن أي جسم مجاور. يزود ذلك الصدى الحيوان بتفاصيل عن المنطقة المحيطة به.

تستخدم الروبوتات العاملة تحت الماء، والغواصات، والأجهزة التي تتعقب الأسماك والحيوانات البحرية الأخرى تقنية مشابهة لتلك التقنية. لتحديد موقع دقيق، تبقى تلك الآلات بحاجة إلى شبكة من المرشدات اللاسلكية الثابتة التي تستقبل أصواتها لتخبرها بموقعها الدقيق.

ترجمة الصورة: في تجربة إيضاحية، زود فريق غفاري حساساتهم بضوءٍ أخضر لتبيان أن الحساس يستطيع توليد الطاقة عندما تصدمه الموجات الصوتية.

بغية مراقبة الحيوانات المائية وعوالمها تحت الماء، يستخدم دينج غالبًا شبكات مماثلة للمرشدات اللاسلكية تلك. لكن يستوجب استبدالها عندما تخمد بطارياتها، الأمر الذي ربما يشكل تحديًا هائلًا. يقول دينج في هذا الصدد: «في بعض الأحيان، ننشر الحساسات لمدة سنة ثم نستعيدها لنكتشف أن أحدها كان خارج الخدمة، ذلك هو أسوأ كابوس لنا كباحثين».

بخلاف ذلك، فإن حساسات فريق معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لن تحتاج إلى مدخرات إطلاقًا. فهي تشحن نفسها ذاتيًا باستخدام موجات الصوت والاهتزاز المرتطم بها. حيث يحول الخزف الكهروضغطي هذه الذبذبات إلى كهرباء.

ترجمة الصورة: طالبا معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا سيد سعد أفضل وأوسفي رودريغز يلقيان الحساسات في نهر تشارليز في بوسطن. عندما تصدم الموجات الصوتية هذه الحساسات تهتز الأخيرة لتتولى المواد الكهروضغطية تحويل تلك الحركة إلى كهرباء. يمكن لمثل هذه الحساسات أن تُستخدم لضبط المحيط أو للملاحة.

تستخدم دارة كهربائية تلك الكهرباء لتوقظ الحساس. لترتد الأمواج الصوتية عنه ثانيةً إلى الماء. بالمقابل لا تستطيع كل أنواع الموجات الصوتية تنبيه الحساس. فهو يستقبل ترددات صادرة فقط عن الآلات البشرية أو أجهزة التعقب.

خلال يوم بارد من شتاء بوسطن في بدايات 2020، شق فريق غفاري طريقه فوق الثلج لاختبار حساساتهم في نهر تشارليز. دفعت الموجات الصوتية هذه الحساسات للتنبه وبدء العمل. وصف الباحثون تقنيتهم الجديدة تلك في تشرين الثاني/نوفمبر ضمن ورشة العمل التاسعة عشرة لجمعية المكننة الحاسوبية حول المواضيع الساخنة عن الشبكات.

لم ترسل الحساسات بعد إشاراتها إلى المدى البعيد لاستخدامات دينج وعلماء المحيط الآخرين. ويمكن كذلك تحسين دقتها. لكن إذا تمكنت مجموعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا من تطوير تقنيتها، يأمل دينج حينها أن يأتي يوم تُستخدم فيه لتتبع الحيوانات والأسماك البحرية سيما أنواع السلمون والإنقليس والصابوغة.

يقول غفاري فاردافاغ: «معلوماتنا عن القمر تفوق معلوماتنا عن العالم تحت الماء».ويضيف: «لعل ذلك في المستقبل لن يبقى صحيحًا، نختص بالشكر للمواد الكهروضغطية».

المصادر: 1