ربما وجد العلماء الآلية الرئيسية المسببة لمتلازمة القولون العصبي

يمكن أن تبدأ الأعراض بالإحساس بزيادة الضغط داخل البطن نتيجة لانتفاخها، ويمكن أن تتصاعد لتسبب الألم والمغص والغثيان، أو الحاجة الطارئة للذهاب إلى الحمّام.

وتكون هذه الأعراض غير المريحة والمزعجة، والمحرجة في بعض الأحيان، مألوفة جدًا بالنسبة لشخص من بين كل خمسة أشخاص من الذين يعانون من مشاكل في الجهاز الهضمي.

وتُعد متلازمة الأمعاء الهيوجة (Irritable bowel syndrome) أكثر شيوعًا بين النساء، وتشمل العوامل المحفزة لهذه المتلازمة قلة النوم أو الإجهاد أو مجرد تناول الأطعمة الخاطئة التي قد تبدو غير مؤذية بالنسبة إليك، حيث أنك قد تتناول ما يبدو كوجبة صحية للغاية بكل المقاييس، ثم تشعر وكأنك قد تعرضت للتو لتسمم غذائي.

ما كنت لأظن أبدًا قبل تشخيصي بهذه المتلازمة أن شيئًا غير ضار مثل التفاحة قد يتسبب في رد فعل جسدي مبالغ به ويؤدي إلى الإسهال الحاد، ومع إن الحفاظ بعناية على حمية الفودماب (FODMAP Diet) قد زودني أنا وكثيرين آخرين ببعض الراحة والتحكم بالأعراض إلى حد ما، إلا إن الآلية الفسيولوجية الكامنة خلف معاناتنا مع هذا المرض ظلت غامضة، مما يجعل من تلقي التشخيص الواضح في الوقت المناسب أمرًا صعباً.

وقال جاي بوككستين Guy Boeckxstaens، أخصائي أمراض الجهاز الهضمي في جامعة Katholieke Universiteit Leuven، الذي قام مع فريقه المؤلف من أكثر من 40 باحثًا وبقيادة عالم المناعة العصبية خافيير أغيليرا-ليزاراجا Javier Aguilera-Lizarraga بتحديد آلية بيولوجية لمتلازمة الأمعاء الهيوجة: «لا يؤخذ هؤلاء المرضى على محمل الجد من قبل الأطباء في كثير من الأحيان، ويستخدم الأطباء عدم وجود استجابة لاختبار الحساسية كحجة مفادها أن هذا المرض في أذهان المرضى فقط وليس مرضًا حقيقيًا، وأنهم لا يملكون مشكلة في وظائف أمعائهم».

وأضافت: «لكن مع هذه الرؤية الجديدة، نستطيع تقديم المزيد من الأدلة على أننا نعالج مرضًا حقيقيًا».

وأشارت الدراسات السريرية إلى أن الإصابة بالعدوى ببكتيريا الإشريكية القولونية (Escherichia Coli) أو داء السلمونيلات (Salmonella) قد تزيد من احتمالية الإصابة بمتلازمة الأمعاء الهيوجة، وكثيرًا ما يصف المرضى أن أعراضهم تبدأ بعد إصابتهم بالتسمم الغذائي. الأمر الذي ولّد حدسًا لدى الباحثين، وحثهم هذا على إصابة الفئران المختبرية ببكتيريا الليمونية (Citrobacter Rodentium) التي تسبب التسمم الغذائي، بنفس الوقت الذي يطعمون الفئران فيه زلال البيض (ألبومين البيض)، ووجدوا أن بمجرد تعافي الفئران من العدوى، فإن إطعامها زلال البيض وحده ينشط الخلايا المناعية في الأمعاء، في حين أن هذه الخلايا لم تتنشط في مجموعة الفئران التي تم إعطائها زلال البيض فقط بدون إصابتها بالبكتيريا، ويتعرف جهاز مناعة الفئران التي أصيبت بالعدوى البكتيرية على زلال البيض كمولد الضد أو المُستضدّ (وهو مادة خارجية مخترقة للجسم).

وفي الحالات الطبيعية، يغض جهازنا المناعي النظر عن الاجزاء الصغيرة من البروتينات التي نتناولها (والتي يتعرف عليها جهازنا المناعي كمستضدات) في عملية تعرف بعملية التحمل الفموي (Oral tolerance)، ولكن عندما ينشط جهاز المناعة في أثناء استجابته لعدوى ما، فإنه يرى أن هذه البروتينات تشكل تهديدًا أيضًا مما يجعل الجسم ينتج أجسامًا مضادة للتعرف على هذه المستضدات وتذكرها.

وعندما تلتقي الأجسام المضادة بالمستضدات لاحقًا (المستضد في هذه الحالة هو زلال البيض)، فإنها تمسك بها وترتبط أيضًا بالخلايا الصارية (mast cells) مما يحفز هذه الخلايا المناعية على إفراز مادة الهستامين وما ينتج عنها من ردود فعل التهابية.

ومن المعروف أن الهستامين يجعل الخلايا العصبية أكثر تحسسًا مما يفسر ألم البطن بالرغم من تمدد النسيج المعوي ضمن الحدود الطبيعية في أثناء هضم الطعام.

وفي حين أن الفئران تفتقر ببنيتها إلى الخلايا الصارية، لذا لم تظهر عليها نفس الاستجابة للألم، مما يؤكد دور هذه الخلايا.

ثم فحص أغيليرا-ليزاراجا وزملاؤه، 12 مريضًا من المصابين بمتلازمة الأمعاء الهيوجة، مع 8 أشخاص أصحاء لمعرفة ما إذا كانت أمعاءهم ستستجيب بنفس طريقة استجابة أمعاء الفئران. ومما لاشك فيه أن حقن محفزات غذائية معروفة مثل حليب الصويا وحليب الأبقار في الجدار المعوي للمرضى المصابين بمتلازمة الأمعاء الهيوجة سبب استجابة مناعية مماثلة، بينما لم يحصل ذلك لدى المتطوعين الأصحاء.

واقتصرت الاستجابة المناعية في كل من الفئران والبشر على الأمعاء فقط -وتحديدًا في قولون الفئران الذي حدثت فيه العدوى البكتيرية- وهو ما يميز بوضوح عدم تحمل الطعام من حساسية الطعام مثل حساسية الغلوتين التي تسبب في تنشيط مناعي للجسم على نطاق واسع.

وأخبر أحد أخصائيي الجهاز الهضمي في جامعة نوتنغهام (الذي لم يشارك في الدراسة) مجلة Science: «إن فكرة أنه يمكن أن تكون لديك استجابة خاصة للحساسية في أمعاءك هي مفهوم جديد حقًا».

وبالرغم من أن هذه الدراسة صغيرة، إلا إن التجارب السريرية السابقة أظهرت أن العلاج باستعمال مضادات الهستامين يمكن أن يحسن من أعراض متلازمة الأمعاء الهيوجة، مما يدعم الفكرة القائلة أن تنشيط الخلايا الصارية هو المسبب الرئيسي لهذه الأعراض. وهناك أيضًا حالات هضمية أخرى مماثلة تشترك في كون البكتيريا أحد مسبباتها.

وشرح بوككستين: «تُفرز الخلايا الصارية الكثير من المركبات الأخرى بالإضافة إلى الهستامين».

وأضاف: «لذا إذا استطعنا منع تنشيط هذه الخلايا، أعتقد أننا سنحصل على علاج أكثر كفاءة بكثير».

ويبحث الباحثون الآن فيما إذا كانت متلازمة الأمعاء الهيوجة التي يسببها الإجهاد تنطوي على نفس الآليات الأساسية، ويجري حالياً القيام بمزيد من البحث بشأن استخدام مضادات الهستامين لمعالجة هذه المتلازمة.

وعلى الرغم من أن معرفة السبب الذي يجعل أمعائي مضطربة أمر آسر، إلا أنني أبحث عن العلاجات التي ستجعلني لا أحتاج أن أذهب مسرعة إلى الحمام لمجرد أنني تناولت الطعام الذي يحتوي على البصل أو الثوم.

نُشرت هذه الدراسة في مجلة Nature.

المصادر: 1