تحيزات عقلك الفطرية تعزل اعتقاداتك عن الحقائق المخالفة

بدأت شائعة أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما لم يولد في الولايات المتحدة الأمريكية بالتداول في عام 2008. في ذلك الوقت تحقق مدير الصحة ونائبه -المعيّنين من قبل حاكم جمهوري في ولاية هاواي- من شهادة ميلاد الرئيس أوباما في سجلات الولاية وأثبتوا بالفعل أنها حقيقية معتقدين أنها دليل سيدحض الشائعات، لكنها لم تفعل! حيث اعتقد العديد من الناس أنها وثائق مزورة.

وما زال الكثيرون يعتقدون أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما لم يولد في الولايات المتحدة الأمريكية حتى يومنا هذا.

اتصلت امرأة ببرنامج «ساينس فرايدي» مؤخرًا، وهو يناقش الحركة الشعبية المناهضة للقاحات فيروس كورونا المستجد، لتقول إنها لا تؤمن بأمان اللقاح بغض النظر عن الحقائق والإثباتات العلمية الكثيرة بخصوص فاعليته وأمانه. وعندما سألها المحاور عن كم تريد من معلومات وإثباتات لتثق بهذا اللقاح، ردت باستحالة وجود كمية كافية لإقناعها.

علّق طبيب نفسي كان يستمع لتلك النشرة بأنه لم يكن مصدومًا من هذا الحوار، بل منزعجًا. لأنه يعلم بوجود العديد من الآليات المعروفة في علم النفس البشري، والتي تمكن الناس من المضي قدمًا متمسكين باعتقادات معيَّنة بالرغم من مواجهتهم لمعلومات مناقضة لاعتقاداتهم.

الاختصارات المعرفية ترافق بالتحيزات

افترض علماء النفس الأوائل أن الناس يتخذون قرارات مبنية على أساس منطقي ومن خلال تفكير عميق. ولكن بات واضحًا بمرور الوقت أن العديد من القرارات -من عاطفية ومالية وصحية- لا تتخذ على أساس عقلاني ومنطقي. بل إن للعقول البشرية نزعة لبعض التحيزات المعرفية. وهذه أخطاء منهجية في طريقة إدراكنا؛ إذ يهمل الدماغ بعض الزوايا من صورة عالمنا المعقد ليعالج معلوماته أسرع.

مثال على ذلك، فإن تحيز التوفّر availability bias يشير لميل الإنسان لاستخدام المعلومات التي يمكنه استذكارها بسرعة، هذا التحيز يمكن أن يكون مفيدًا عند تواجدك في محل بيع مثلجات فيه قرابة الـ50 نكهة، إذ لا يتوجب عليك التفكير في كل النكهات بل يمكنك اختيار نكهة واحدة جربتها مؤخرًا وأعجبتك.

لكن -وللأسف- هذا النوع من الاختصارات المعرفية يمكنه أن يقودك إلى قرارات غير عقلانية.

ويسمى أحد أشكال التحيز المعرفي بالتنافر المعرفي، الذي يمكن أن يعرَّف بأنه شعور بعدم الارتياح يشعر به الفرد عندما لا تتطابق اعتقاداته مع سلوكياته أو المعلومات الجديدة؛ يخفف الناس في هذه الحالة من التنافر بإحدى الطريقتين: إما بتغيير معتقداتهم لتطابق المعلومات الجديدة، أو بتأويل المعلومات الجديدة بطريقة تبرر لهم معتقداتهم الأصلية. ويختار الناس الخيار الثاني في غالبية الحالات، سواء بوعي منهم أو جهل.

مثال على ذلك، اعتقادك أنك شخص نشيط بالرغم من تمضيتك أغلب أيام عطلتك مستلقيًا على الأريكة، مقابلًا التلفاز، ملتهمًا كميات كبيرة من الطعام. فإما أنك ستفكر بنفسك بطريقة أخرى (أي أنك كسول)، أو ستبرر فعلك هذا بقولك إنك عملت بجدّ طوال الأسبوع وعليك أن تستريح، أو بقولك إنك ستمارس الرياضة غدًا.

وهناك شكل آخر من أشكال التحيز المعرفي يسمى بتأكيد التحيز، وهو طريقة أخرى تساعدك في تبرير أفعالك، عبر إلقاء الضوء على المعطيات الي تدعم رأيك وقراراتك وتهميش أو تجاهل المعلومات التي تدعم الرأي المخالف لرأيك. يسمي بعض الباحثين هذه الحالة بـالعمى التحيّزي، وأفضل وصف لها قول الشاعر:

أرى كل إِنْسَان يرى عيبَ غَيره

ويعمى عَن الْعَيْب الَّذِي هُوَ فِيهِ

ومثال عليها مشجعي فريق كرة يحاجون بقوة فريقهم رغم خسارته، ويتصيدون زلات جميع الفرق سواه! ومع انخفاض حدّة متابعة الصحافة وارتفاع متابعة الإعلام المتخصص ووسائل التواصل الاجتماعي في العقود الأخيرة، أصبح من السهل أن تحيط نفسك برسائل أنت مؤمن بها مسبقًا وتقلل تعاطيك مع الرسائل التي تعارض مبادئك، وبينما يقلل هذا من التنافر المعرفي لكنه يزيد من صعوبة تغيير رأيك إذا كنت مخطئًا.

قد يكون من الصعب عليك أكثر تغيير معتقدات متمحورة حول «مفهومك الذاتي» أو رأيك بنفسك. مثلاً إذا كنت تظن أنك شخص لطيف وتجاوزت سيارة شخص في الزحمة، فإن من الأسهل الاعتقاد أن هذا الشخص يقود بطيش عوضًا عن التفكير بأنك ربما لست بذلك اللطف.

ويمكن أن تعزز هذه العلاقة بين المعتقدات والمفهوم الذاتي بالانتماء إلى مجموعات مثل الأحزاب السياسية أو الطوائف الدينية أو أي مجموعة تحتوي على أغلبية تملك آراءً مماثلة لآرائك، فتكون أشبه بـ«فقاعات اعتقادية» تعزز ثقتك بالفكرة والمعلومات الي تصدقها.

وجد الباحثون أن الناس عمومًا يعتقدون أنهم أعلم مما هم عليه في الواقع، وهذا تبين بعدة دراسات بحثت في اللقاحات، والغزو الروسي لأوكرانيا وحتى آلية عمل المرحاض. تنقل هكذا أفكار من شخص لآخر لاحقًا دون أن تستند إلى أي حقيقية. على سبيل المثال، لا يصدق 70% من الجمهوريين أن الانتخابات الرئاسية لعام 2020 كانت حرة وعادلة، رغم عدم وجود أي دليل على حدوث تزوير أصوات واسع النطاق.

من الصعب بمكان هدم الفقاعات الاعتقادية والدفاعات ضد التنافر المعرفي. التي قد تكون مصاحبة بآثار سلبية ومميتة في بعض الأحيان، مثل حال الأشخاص الذين قرروا تجاهل التعليمات الصحية التي أصدرت مؤخرًا كارتداء الكمامة والحفاظ على التباعد الاجتماعي.

تغيير رأي الآخرين أمر صعب بغض النظر عن كمية الاثباتات المطروحة. وأفضل طريقة هي أن تبدأ بنفسك. ابدأ من نفسك وبأكبر قدر من رحابة الصدر لتلقي ومعالجة المعلومات الجديدة. فكر بالأمور التي تؤمن بها، لماذا أنت مؤمن بها؟ هل أنت حقاً مستوعب للمشكلة؟ هل يمكنك التفكير فيها من وجهة نظر مختلفة؟

المصادر: 1