ماهي الفيزياء؟ وكيف نعرفها؟

الفيزياء هي دراسة خصائص المادة سواء أكانت ساكنة أم متحركة، وهي أيضًا دراسة صور الطاقة المختلفة. وهناك أمور قد أحطنا بها فهمًا كالخصائص المرتبطة بالحركة مثل السرعة والعجلة وكمية الحركة والطاقة الحركية والطاقة الكامنة. على أن هناك أمورًا لا تزال مجهولة مثل طبيعة الكتلة.

وتعد الكتلة إحدى الخصائص المميزة لمعظم صور المادة. وفي الحقيقة، يمثل أصل الكتلة أكبر المشكلات المستعصية على علم الفيزياء حاليًّا.

إن حقيقة وجود الكتلة من الأمور التي نألفها جميعًا، فالكتلة أمر واضح وبديهي، وكلنا يلمسها على نحو متفاوت فبعضنا كتلته كبيرة للغاية والبعض الآخر كتلته صغيرة للغاية.

فالكتلة هي التي تجعل سحب سيارة معطلة أصعب من سحب عربة أطفال، وتشدّ الجاذبية الكتلة نحو الأرض بقوة، ولولا ذلك لما ثبتنا على كوكب الأرض. ومع كل ذلك يبقى أمر “أصل” الكتلة محيرًا، ولكن ليس كل الجسميات الأساسية في الكون لها كتلة.

إذن؛ لماذا نجد بعض الجسيمات لها كتلة في حين أن جسيمات أخرى ليست لها كتلة؟ وما الذي “يمنح” الكتلة لبعض الجسيمات ولا يمنحها للبعض الآخر؟ وهناك تباين حتى في الجسيمات ذات الكتلة، فإننا نجد جسيمات كتلها أكبر من كتلة جسيمات أخرى، فما السبب؟ فهل الجسيمات عديمة الكتلة ينقصها شيء آخر غير الكتلة؟ ربما تكمن إجابة جميع هذه الأسئلة في شيء يطلق عليه مجال هيغز “Higgs Field” على أننا نحتاج أن نتزود ببعض المعلومات الأساسية قبل أن يصبح بإمكاننا فهم واستيعاب مجال هيغز.

نحن نعلم جميعًا أن كتلة الجسم مرتبطة بمقدار المادة التي تحتوي عليها، ونحن نمتلك في الوقت نفسه معرفة كبيرة بمكونات المادة: فهي تتكون من مجموعات من الذرات.

ولكن ترى مما تتكون الذرة؟ إنها تتكون من إلكترونات وبروتونات ونيوترونات. ولكن ترى مما تتكون الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات؟ الإجابة على هذا السؤال هي أن الإلكترون هو أصغر صورة ممكنة (أي أنه لا يتكون من أي شيء آخر) غير أن البروتونات والنيترونات ليستا كذلك، فكلاهما يتركب من الكواركات “quarks”، ومن هنا نستطيع الْقَوْل إنّ الإلكترونات والكواركات هي ما يمكن أن نطلق عليها وحدات أولية أساسية.

من أين تأتي الكواركات؟

لمعرفة المزيد عن الكواركات، يجب علينا أولًا أن نلقي نظرة على الذرة. ففي بداية القرن العشرين أدّى اكتشاف إرنست رذرفورد لجسيم ألفا إلى اكتشاف النواة، ولكن لم يكن هذا إلا البداية فقط.

فقد كشفت أبحاث علماء الفيزياء سواء التجريبية أو النظرية تفاصيل أكثر وأدق بشأن وحدات البناء الأساسية للكون. في عام ١٩٢٠، اكتشفت بنية الذرة واتضح أنها تحتوي على نواة وهذه النواة تحتوي على بروتونات موجبة الشحنة، ونيوترونات متعادلة (مع أنه آنذاك لم يكن هناك دليل تجريبي على وجود النيوترونات)، وإلكترونات تدور حول النواة. ولكن سرعان ما تهاوى هذا التصور، (نتيجةً لنظرية الكوانتم).

عام ١٩٠٠، عندما كان عالم الفيزياء الألماني ماكس بلانك يحاول تفسير انبعاث الضوء من الأجسام الساخنة، أدرك أن الطاقة الطاقة الضوئية تنبعث على هيئة حزم أسماها الكمات “quantum” ولا ينبعث بأي كمية مثلما كان يظن من قبل.

وقتها أيقن بلانك أن علم الرياضيات هو الذي سيحل هذه المشكلة. وبعد خمسة أعوام فقط أي عام ١٩٠٥ أعاد ألبرت آينشتاين النظر في فكرة الكم التي وضعها بلانك، وأوضح أنه إذا كان الضوء فعلاً ذا طبيعة جسيمية فإن شرح غموض مسألة التأثير الكهروضوئي سيكون أمرًا سهلًا.

مالتأثير الكهروضوئي؟

التأثير الكهروضوئي هو ظاهرة انبعاث إلكترونات من سطح فلز عند تعرضه للضوء، ولكنإذا كان تردد الضوء منخفضًا فلن تنبعث أي إلكترونات بصرف النظر عن كثافة مصدر الضوء. وقد أوضح آينشتاين أن الضوء يعمل كجسيمات (فوتونات) تمنح كل منها كل طاقته لأحد الإلكترونات مما يحرر ذلك الإلكترون.

وهكذا فسرت العلاقة التي أوجدها بلانك بين الطاقة والتردد أنه عند انخفاض التردد الضوئي لن تنبعث إلكترونات، أي أن فوتونات الضوء لا تحتوي على الطاقة الكافية لتحرير الإلكترونات وهنا يظهر سلوك الضوء كجسيم أكثر منه كموجة. في العشرينيات من القرن الماضي، اتسع نطاق فكرة الكم لتشمل الذرات، ونتيجة لذلك ظهر النموذج الميكانيكي الكمي للذرة “Quantum Mechanical Model Of The Atom”.

قد عكست هذه النظرية موقف الضوء عن طريق معاملة إلكترونات الذرة ذات الخصائص الشبيهة بالجسيمات كما لو أن لها خصائص موجية.

أما تنبؤات هذه النظرية بشأن ألوان الضوء المنبعث من الذرات المثارة فقد توافقت مع الدليل الذي حصل عليه عن طريق منظار التحليل الطيفي، وهكذا نجحت هذه النظرية تجريبيًّا، ومن ثم أصبح التناظر مكتملًا، بمعنى أن الضوء يمكن أن يظهر كموجات أو جسيمات، وكذلك الإلكترون (والبروتون أو النيوترون) يمكن أن يظهر كجسيم أو موجة، ويعتمد كل هذا على نوع التجربة التي نقوم بها.

كان مبدأ عدم اليقين لهايزنبرج “Heisenberg” إحدى النتائج التي ترتبت عليها نظرية الكم، ويقول هذا المبدأ، إن هناك نهاية رياضية لحاصل ضرب دالتين إحداهما تعبر عن عدم اليقين في موضع الجسيم وتعبر الأخرى عن عدم اليقين في كمية تحركه، ونهاية رياضية تعادل حاصل ضرب لدالتين إحداهما تعبر عن عدم اليقين في الطاقة وتعبر الأخرى عن عدم اليقين في الزمن.

يعني هذا المبدأ أنه كلما حددنا موضع الإلكترون على نحو أكثر دقة ترتب على ذلك أن تحديدنا لكمية تحركه سيكون أقل دقة، والعكس الصحيح. وهذا المبدأ الذي ينطبق على الجسيمات دون الذرية لا يكون له تأثير ملحوظ في الأشياء ذات الحجم الكبير على إن النتائج الفلسفية المترتبة على هذا المبدا كثيرة جدًا: فهو يعني أن هناك حدودًا لمعرفتنا، وهو أمر وجد كثير من العلماء بما فيهم آينشتاين صعوبة في تقبله ومع ذلك فلا بد أن نتقبل هذا المبدأ لأنه قائم على فرضية صحيحة.

بعد ذلك كان يجب أن يحدث تكامل بين ميكانيكا الكم والفكرة الثورية الأخرى التي ظهرت في بداية القرن العشرين ألا وهي نظرية النسبية الخاصة لآينشتاين.

عام ١٩٢٨ تمكن عالم فيزيائي البريطاني بول أندريان موريس دايرك “P. A. M. Dirac” من التوفيق بين هاتين النظريتين في المعادلة التي تعرف باسم معادلة ديراك.

لم تكن هذه المعادلة الجديدة شاملة فحسب بل تسببت في الوقت نفسه وعلى نحو غير مقصود في التوصل إلى معلومات جديدة أُضيفت إلى علم الفيزياء، فقد تنبأت بوجود جسيم جديد مماثل للإلكترون ولكن الفرق هو أن هذا الجسيم شحنته هي 1+ في حين إن الإلكترون شحنته هي -1 وأُطلق على هذا الجسيم اسم مضاد الإلكترون أو البوزيترون positron (أي الإلكترون الموجب).

هل الأشعة الكونية تنقذ الموقف؟

تعد التنبؤات التي تفترض وجود جسيمات جديدة هي مجرد مرحلة ويجب أن تكتمل عن طريق الدليل التجريبي. ونظرًا لغياب الدليل على وجود البوزيترون، فقد كان هناك شك في وجوده. على أنه في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي بدأ عالم الفيزياء الامريكي كارل د. أندرسون “Carl D. Anderson” في استخدام طريقة جديدة لدراسة المادة، وهي الجسيمات المعروفة باسم الأشعة الكونية. المتكونة بمعضمها من البروتونات، كما تشكل جسيمات ألفا نسبة في تكوينها (وجسيمات ألفا هي نواة ذرة الهيليوم وتتكون من ٢ بروتون و ٢ نيوترون متحدين). وهذه الاشعة الكونية يمكن النظر اليها باعتبارها ضوءًا ذا ترددات متبانية.

تمثل هذه الجسيمات نطاقًا واسعًا من الطاقات، وهي تسقط على الأرض من جميع الاتجاهات، وتتسارع حتى يصل معدل الإسقاط إلى جسيم في كل ثانية. ومع أن الشمس تعد مصدرًا كبيرًا للأشعة الكونية غير مرئية، وأن تاثيرها على المادة ضئيل جدًا وتصعب ملاحظته.

مع ذلك تمكن أندرسون من استخدام تقنيتين لاستكشاف الجسيمات: المجال المغناطيسي، والغرفة الغيمية التي اخترعها الفيزيائي البريطاني تشارلز ويلسون (وهي جهاز يمكن من رؤية مسارات الجسيمات المشحونة ومن تسجيل هذه المسارات بالتصوير). فالمجال المغناطيسي جعل مسارات الجسيمات المشحونة تنحني داخل الغرفة الغيمية المحتوية على هواء نظيف ومشبع ببخار الماء.

أيّنت الجسيمات التي تتحرك بسرعة داخل الغرفة جزيئات الهواء. وهكذا تعمل جزيئات الهواء المتأينة كنقاط تجمع لبخار الماء وتكِّون سحبًا، وهذه السحب تسمح بملاحظة المسارات، تمامًا كما يحدث في الغلاف الجوي للأرض عندما نرى ذيل الدخان الناتج عن طائرة، مع أن الطائرة نفسها قد لا تكون واضحة للعين.

أجرى أندرسون تجاربه في ولاية كلورادو حيث يعمل الارتفاع الكبير على تقليل تأثير الغلاف الجوي لكوكب الأرض على الأشعة الكونية القادمة. وأظهرت إحدى الصور أحد المسارات الذي اتجه في عكس اتجاه مسار الإلكترون مما يدل على وجود البوزيترون.

أوضحت التجربة أن كل الجسيمات تقريبًا لها جسيمات قرينة مضادة لها في الشحنة، وتتميز عنها في أمور في غاية الدقة. وبالنظر إلى أن فرضية ديراك قد تنبأت بوجود البوزيترون، فإن اكتشاف البوزيترونات دعم معادلته الكمية النسبية (سميت بذلك لأنه أدخل تعديلات على ميكانكيا الكم بعد إضافة نظرية النسبية الخاصة إليها) بالإضافة إلى ذلك اكتشف اندرسون شيئًا آخر أحدث إرباكًا أكبر، فقد لاحظ مسارات لجسيمين جديدين يحتوي كل منهما على كتلة اكبر ٢٠٠ مرة من كتلة الإلكترون، كان أحدهما موجب الشحنة والآخر سالب الشحنة، وقد أطلق عليهما اسم الميون والميون المضاد.

أدّى اكتشاف هذين الجسيمين، وكذلك خصائصهما، إلى حدوث ارتباك كبير لان الميونات لم يكن لها موضع يمكن تحديده بوضوح في منظومة المادة، وتجلى الارتباك في رد فعل إيزيدور إيزاك رابي عالم الفيزياء الحاصل على جائزة نوبل تعقيبًا على سماعه للمرة الأولى عن إعلان اكتشاف الميون فقد علق بقوله : (من الذي فعل هذا؟!) .

دور القوى الاربع؟

وكما لو أن هذه الجسيمات الجديدة لم تتسبب فيما يكفي من الارتباك، فقد اكتشفت في ثلاثينيات القرن الماضي قوى جديدة أيضًا، إضافة إلى القوتين المعروفتين بالفعل وهما الجاذبية والقوة الكهرومغناطيسية، اُكتشفت قوتان جديدتان وهما القوة النووية القوية التي أبقت على البروتونات والنيوترونات داخل النواة، والقوة النووية الضعيفة المسؤولة عن بعض عمليات تحلل الإشعاع النووي.

ما يثير الانتباه هو أن كلا من القوة النووية القوية والقوة النووية الضعيفة تصل أقصى قوتها في المساحات الصغيرة جدًا، بل إن هذه القوة تتلاشى نهائيًا إذا تباعدت الجسيمات بعضهما عن بعض بمقدار أكبر من مقدار المسافات النووية. ولذلك لا نتمكن من رؤيتها لأن هذه القوى تعمل في مساحات من الدقة بمكان حيث لا يمكن الوصول اليها.

في ثلاثينيات القرن الماضي صاغ عالم الفيزياء الإيطالي أنريكو فيرمي نظريته عن القوة النووية الضعيفة التي تنبأت بوجود جسيم آخر. كان هذا الجسيم متعادلًا كهربيًا وكانت وظيفته نقل الطاقة المفقودة في عمليات التحلل الإشعاعي، وأطلق فيرمي على هذا الجسيم اسم “الجسيم المتعادل الصغير” أو النيوترينو. وكان النيوترينو تقريبا جسيما شبحيًا.

(لأن كتلته تكاد تساوي صفرًا) يتفاعل مع المادة العادية تفاعلاً غير متسلسل، لدرجة أنه قد يستغرق ثماني سنوات ضوئية (أكبر من ضعف المسافة بين الشمس وأقرب نجم) لتجميع نصف النيوترينوات في مجموعة، ومع ذلك فقد اكتشفت النيوترينوات تجريبيًا على يد عالمي الفيزياء الأمريكيين فريدريك رينيز وكلايد كووان وكان ذلك عام ١٩٥٣. وكان هذا هو ما كان يحتاجة علماء الفيزياء… جسيم آخر.

كان العلماء في حاجة كبيرة إلى أدوات تجريبية لاستكشاف هذه الجسيمات الجديدة، غير أن الأشعة الكونية التي استخدموها اتصفت بقدر هائل من الاعتماد على الصدفة المحضة نظرًا لتنوع محتواها من الطاقة تنوعًا واسعًا جدًا، إضافة إلى أن مصادرها كانت عشوائية، لذا صممت آلات حديثة في بداية الثلاثينيات لاستخدامها في تنفيذ تجارب خاضعة لنظام وليست عشوائية، استخدمت فيها حزم من الجسيمات ذات المحتوى معروف من الطاقة، وأصبحت هذه الآلات التي سميت مسرعات الجسيمات هي الأداة الأساسية لفيزياء الجسيمات (تعرف أيضًا بفيزياء الطاقات العالية) وأصبحت أهميتها للفيزياء كأهمية المجهر لعلم الأحياء والتليسكوب لعلم الفلك.

صمم نوعان آخران من المسرعات وكانا مختلفين جذريًا عما سبقهما من مسرعات وهما المسرع الخطي والمسرع الدائري . وفي المسرع الخطي، تسرع الإلكترونات بواسطة المجالات الكهربية عبر مسار فارغ طويل (يبلغ طول النموذج جامعة ستانفورد على سبيل المثال أكثر من ٢ ميل). وحتى تصطدم الإلكترونات مع أهدافها، توجه بواسطة مجالات مغناطيسية ثم يسجل الباحثون نتائج هذا التصادم.

أما في المسرع الدائري (السيلكترون) فتسرع الجسيمات المشحونة في الفجوة التي تقع بين نصفي المسرع الدائري (يكون كل هذين النصفين على شكل حرف D) وتعتمد مسارات الجسيمات هنا على المجالات المغناطيسية. وتنتقل الجسيمات في أقواس أوسع عندما تصبح أكثر نشاطًا. وعندما تصل إلى أقصى طاقة تنحرف خارج المسرع الدائري وتدخل في المنطقة المستهدفة التي تحدث فيها التصادمات، ثم يبحث العلماء المواد الناتجة عن التصادم.

حاول إرنست لورانس مخترع المسرع الدائري أن يبني مسرعات دائرية أكبر لكنه واجه صعوبات كثيرة في محاولته.

الشؤون الدولية تعرقل تقدم الفيزياء:

شهدت ثلاثينيات القرن الماضي اضطرابًا آخر تمثل في نشوب الحرب العالمية. إلى جانب عقبة تقلص تمويل الأبحاث انشغل القسم الأعظم من علماء الفيزياء بالجهود الحربية، وانضم معظمهم للعمل في مشروع مانهاتن عام ١٩٤١.

في البداية كانت أهداف هذا المشروع هي بحث الطاقة الناتجة عن انشطار النواة في الذرات الكبيرة مثل اليورانيوم لمعرفة إمكانية استخدام هذا الطاقة الناجمة عن الانشطار لصناعة سلاح فتاك، وكانت هناك عجلة لإنهاء هذا العمل قبل أن ينجح العلماء الألمان النازيون في صنع مثل هذا السلاح (هناك مسرحية اسمها كوبنهاجن للمؤلف مايكل فراين تعرض مشاريع القنبلة النووية لألمانيا والحلفاء عن طريق العلاقة بين العالمين نليز بور وفيرنر هايزنبرج).

وفي حين أن الجزء الخاص بالفيزياء في هذه المهمة تلخص في فهم النواة وأبعادها، تضمن الجزء الخاص بالتكنولوجيا تحويل هذه المعرفة إلى أداة تفجيرية. ولكن الجانب الأخلاقي احتل الصدارة، عندما هزم الألمان، مع إنهم لم يطوروا أبدًا مثل هذه القنبلة، فبعد أن استسلمت ألمانيا عام ١٩٤٥، ترك بعض العلماء في الولايات المتحدة العمل في المشروع مانهاتن، ولكن استمر البعض الآخر حتى طوروا القنبلة الذرية والقنبلة الهيدروجينية، وأدّى تطوير هذه الأسحلة إلى عواقب امتدت اثارها حتى يومنا هذا.

الفيزياء تستأنف تقدمها بعد انتهاء الحرب عاد السباق لاكتشاف جسيمات جديدة، وكان المسرع هو الأداة المفضلة لدى العلماء لتلك الاكتشافات. فقد أرسلت الجسيمات لتصطدم بالأهداف، وحللت أجزاء الجسيمات الناتجة عن التصادم بمنتهى الدقة. وباستخدام الطاقات المنخفضة نسبيًا التي كانت متاحة في ذلك الوقت، التحمت البروتونات بالأنوية الكبيرة وأنتجت أنوية أكبر حجمًا ولكن أقل عمرًا، واحتوت بعض هذه الأنوية الكبيرة على المواد اشعاعية وتحللت إلى أنوية صغيرة وجسيمات أخرى.

فضلًا عن ذلك فإن الأنوية الكبيرة أدّت إلى زيادة حجم الجدول الدوري للعناصر مما أسعد علماء الكيمياء، في حين لم تحصل الفيزياء على جسيمات جديدة.

لذلك استمر بناء مسرعات أكبر انتجت جسيمات أنشط. ونظرًا للتكافؤ بين الكتلة والطاقة (معادلة اينشتاين: الطاقة= الكتلة * مربع السرعة الضوء) فإن أكثر التصادمات نشاطًا بإمكانها إنتاج جسيمات أكبر حجمًا. على أنه بعد التوصل إلى طاقات أعلى، أصبحت المسرعات مصدرًا لاكتشافات ناجحة، فقد أظهرت الغرفة الغيمية صورًا لمسارات جديدة للجسيمات لم تُرَ من قبل، وهي البيونات المشحونة (باي سالب، باي موجب) والكاوونات المشحونة (-K+ ، K)، والبيونات والكاوونات ذات الشحنة المتعادلة، وجسيم لمدا وجسيم سيجما إلى جانب الكثير من الجسيمات الأخرى.

عدم استقرار هذه الجسيمات أشار إلى أن المادة لا تزال لديها الكثير من المفاجآت. اشتعل سباق جسيمات، وشرع العلماء في استعمال عدد أكبر من المسرعات الدائرية التي شهدت تطورًا في تصميمها.

عن طريق أداة تسمى السنكروتون، سرّع المجال بواسطة المعجل السنكروتروني لضمان إطلاق الجسيمات بثبات. وفيه حلت غرفة الفقاعات محل الغرفة الغيمية، حيث يساعد تكوين الفقاقيع في هيدروجين سائل جرى تسخينه على درجة حرارة هائلة في جعل مسارات الجسيمات مرئية. ولكن بدا الأمر كالبحث عن إبرة داخل كومة قش. وتعقيبًا على ذلك، قال أنريكو فيرمي لتلميذه ليون ليدرمان “يافتى، لو كان بإمكاني تذكر أسماء كل هذه الجسيمات لكنت أصبحت من علماء النبات”.

المصدر: كتاب خمس مشكلات في علوم.