[the_ad_placement id="scine_before_content"]

أسباب تمسك الناس بمعتقداتهم حتى لو كانت خاطئة

في سنة 2008، بدأت تنتشر أخبار زائفة عن الرئيس الأمريكي باراك أوباما، مفادها أنه لم يولد في الولايات المتحدة. وقتها كنت -كاتب المقال- رئيسًا لمجلس الصحة لولاية هاواي. وكنت شاهدًا على تفقد كل من مدير الصحة ونائبه، -والذين عُيِّن كلاهما من قِبَل حاكم ينتمي للحزب الجمهوري- نسخة عن شهادة ميلاد أوباما في سجلات الدولة، حيث تبين أنها وثيقة حقيقية لا غبار عليها.

كان لدي قناعة تامة بأن هذا الدليل سيطوي هذه الإشاعة بشكل نهائي، لكن الغريب أن الكثير من الناس مازالوا يعتقدون أن شهادة ميلاد أوباما شهادة مزورة حتى الآن. وباتت عند هؤلاء الناس قناعة راسخة بأن أوباما لم يولد في أمريكا.

في الآونة الأخيرة، كنت أستمع إلى بودكاست podcast الجمعة العلمية Science Friday الذي يتطرق إلى الحركات المضادة للتطعيم. حيث تدخلت سيدة عبر الهاتف وأكدت أن اللقاحات غير آمنة، على الرغم من الأدلة العلمية الدامغة على فعاليتها التي قدمها مضيف الحلقة، سألها: كم عدد الأدلة التي قد تقنعك بأن اللقاحات آمنة؟ فكان جوابها غريبًا بعض الشيء، قالت: «لايمكن لأي دليل علمي أن يغير رأي». وكمتخصص في علم النفس، لم يصدمني جوابها، فهناك مجموعة من الدراسات في علم النفس البشرية، تقر بأن بعض الناس تتمسك بالمعتقدات حتى لو كانت خاطئة أو متناقضة.

التحيزات المعرفية

في بداية تشكل ملامح علم النفس، اعتُقِد أن الناس تتخذ قرارات بناءً على المنطق والعقل. ولكن على مدى عقود من الدراسات والأبحاث العلمية، تبين أن الناس لا تتخذ قرارات عقلانية؛ سواء فيما يخص الخيارات بين شركاء العلاقة الرومنسية، أو حول تدبير الموارد المادية لأسرة، أو العادات المضرة بالصحة.

فعادةً، تميل طريقة تفكير الناس إلى التحفيزات المعرفية، وهذه طريقة خاطئة في معالجة مختلف القضايا؛ فأدمغتنا ترتكب بعض الأخطاء في معالجة المعلومات المعقدة.

على سبيل المثال، يساعدك هذا السلوك المعرفي في استخدام المعلومات التي يمكن تذكرها بسرعة، حيث يكون هذا الأمر مفيدًا جدًا عندما تكون أمام بائع المثلجات، فلا تستغرق وقتًا طويلًا للاختيار بين 50 نكهة أمامك.

وللأسف هذا التحيز المعرفي يمكن أن يسقطك في اختيارات غير منطقية أو متناقضة مع ما ترغب فيه.

واحد من مظاهر التحيز المعرفي يطلق عليه اسم التنافر المعرفي، وهو الشعور بعدم الراحة بسبب عدم توافق معتقداتك وأفعالك مع المعلومات الجديدة. حين يوضع الناس في هذه الحالة، حيث تتناقض مبادئهم مع الأشياء الجديدة، يمكنهم التقليل من عدم الارتياح بإحدى الطريقتين: إما تغيير معتقداتهم لتكون متوافقة مع المعلومات الجديدة، أو تفسير المعلومات الجديدة بطريقة تبرر معتقداتهم الأصلية. وفي غالب هذه الحالات، يختار الناس تبرير المعلومات الجديدة بما يتوافق مع معتقداتهم، سواء كان ذلك بوعي أو بدون وعي.

على سبيل المثال، ربما كنت تعتقد بأنك شخص نشيط، لكن ذلك معاكس للحقيقة، حيث تمضي يوم السبت على الأريكة وتستهلك بشراهة كل ما يقدمه التلفزيون. أمامك هنا إما البدء في التفكير في نفسك بطريقة جديدة، أو تبرير سلوكك، كأن تقول لنفسك أن أسبوعك كان مزدحمًا وأنك تحتاج للراحة.

إن التحيز أيضًا عملية أخرى تساعدك في تبرير معتقداتك. وهو ينطوي على الاعتماد على المعلومات التي تدعم معتقداتك، والتقليل من شأن أو تجاهل المعلومات التي تخالفها. وقد أطلق بعض الباحثين على هذا النوع من الميل «بالعمى الجانبي». فالناس يرون العيوب في الحجج المخالفة لحججهم، ولكنهم غير قادرين على رؤية نقاط الضعف في حججهم أو ما يقولونه. أكد مشجعون لفريق كرة القدم الذي احتل الرتبة السابعة لهذا الموسم أن فريقهم قوي، حيث استطاع هؤلاء المشجعون تحديد نقاط ضعف أندية أخرى والتغاضي عن فريقهم.

مع تراجع وسائل الإعلام على مدى العقود القليلة الماضية وظهور وسائل الإعلام على شبكات التواصل الاجتماعية، أصبح من السهل تتبع الأخبار التي تتماشى مع معتقداتك، والتقليل من تتبع الأخبار التي لا توافق عليها. ففقاعات المعلومات هذه تقلل من التنافر المعرفي، ولكنها تجعل تغيير رأيك صعبًا عندما تكون مخطئًا.

دعم معتقداتك

قد يكون الأمر معقدًا للغاية لو أردت تغيير بعض المعتقدات التي تشكل جوهر الذات الخاصة بك. على سبيل المثال، إذا كنت تعتقد أنك شخص طيب وتقاطعت مع شخص في الطريق، فبدلًا من أن تفكر أنك كنت غير طيب معه، سيتبادر إلى ذهنك أن السائق كان متهورًا.

هذه العلاقة -المعتقدات والمفهوم الذاتي- يمكن تعزيزها من خلال الانتماء إلى مجموعات مثل الأحزاب السياسية، أو الطوائف، أو دائرة من المفكرين الذين لديهم الآراء نفسها. فغالبًا ما تكون هذه المجموعات داعمة لاعتقاد الأشخاص، حيث أن غالبية الأعضاء يعتقدون الشيء نفسه، ويأكدون هذه المعتقدات لبعضهم البعض، ويعززون فكرة أن هذه المعتقدات على حق.

وجد الباحثون أن الناس يعتقدون في غالب الأحيان أنهم أكثر دراية بقضايا معينة مما هم عليه حقيقة. وقد تجلى هذا عبر مختلف الدراسات التي تبحث حول مجالات عديدة: في التطعيمات، وغزو روسيا لأوكرانيا، وحتى في كيفية عمل المراحيض. ثم تنتقل هذه الأفكار من شخص إلى آخر دون أن تستند إلى وقائع حقيقة. على سبيل المثال، يقول 70% من الجمهوريين، أنهم لا يعتقدون أن الانتخابات الرئاسية لعام 2020 كانت حرة ونزيهة، على الرغم من عدم وجود أي دليل على تزوير هذه الانتخابات.

يعرض محررو العلوم والصحة والتكنولوجيا أفضل قصصهم كل يوم أربعاء من الأسبوع ويدافعون عنها.

قد يكون من الصعب حجب فقاعات الاعتقاد والدفاع ضد التنافر المعرفي، فعلى سبيل المثال، تؤثر هذه الآليات النفسية على الطرق التي اختار الناس اتباعها أو عدم اتباعها فيما يخص إرشادات الصحة العامة حول التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامة خلال جائحة «كوفيد-19»، مع عواقب زاجرة في بعض الأحيان.

إن تغيير عقول الناس أمر صعب. وبالنظر إلى التحيز، فإن الحجج القائمة على الموضوع تتعارض مع ما يعتقده شخص ما.

أفضل طريقة لتغيير رأيك، هي أن تبدأ بنفسك مع عقل منفتح لآراء الآخرين، كما يمكنك التأمل في: لماذا كنت تعتقد ما تعتقده حول موضوع معين؟ وهل تفهم هذا الموضوع بشكل عام؟ ثم هل يمكنك التفكير فيه بطريقة مختلفة؟

كأستاذ، أحب أن يكون طلابي منفتحين لمناقشة أفكار معاكسة لما يعتقدونه. هذا الأسلوب يؤدي إلى فهم عميق للقضايا ويجعلهم يشككون في معتقداتهم. جرب بنفسك النظر إلى الأشياء من زاوية الآخر، قد تفاجئك النتيجة التي تحصل عليها.

جاي مادوك Jay Maddock، أستاذ الصحة العامة، جامعة تكساس إيه آند إم Texas A&M University.

تم إعادة نشر هذه المقالة من The Conversation بموجب ترخيص المشاع الإبداعي.

المصادر: 1