[the_ad_placement id="scine_before_content"]

هل يوجد لدى البشر «موسم تزاوج» ؟

أن معظم الحيوانات تتزاوج في خلال وقت محدد من السنة، في حين يختلف الأمر عند البشر قليلًا.

تشير بيانات المركز الوطني للإحصاء الطبي في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن التاسع من أيلول/سبتمبر هو اليوم الأكثر اكتظاظًا بالولادات في الولايات المتحدة، وتشهد غرف التوليد في مستشفيات الأمريكية ازدحامًا كبيرًا في خلال شهر أيلول/سبتمبر بشكل عام.

إذًا، ما الذي يميّز الشهر التاسع؟ وهل يمثّل هذا الشهر ما يسمى بموسم التزاوج بالنسبة للجنس البشري، على الرغم من أننا لا نقوم بأمور توحي بالرغبة الجنسية كما هو الحال في الكائنات الحية الأخرى، كالزئير أو إطلاق روائح معينة أو التناطح بالقرون

وفقًا لعالمة الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) في جامعة نيو مكسيكو(University of New Mexico) ميليسا إيمري تومسون(Melissa Emery Thompson) فأن معظم البشر والرئيسيات الكبيرة الأخرى ليست لديها الإشارات الموسمية التي تدفعها للتكاثر خلال فترات محددة، لكنها تستدرك قائلة: « أننا كائنات غريبة ومعقدة جدًا قد نخرج عن المتوقع»

يتعامل الإنسان مع الحمل والولادة وتربية الأطفال بشكل مختلف عن الرئيسيات الكبيرة الأخرى، ويمكن للموارد المتاحة أن تؤدي دورًا في رسم ملامح تكاثر الجنس البشري أيضًا.

التوقيت المثالي!

بالنسبة لمملكة الحيوانات، غالبًا ما يكون لدى الآباء الذين يشرفون على تربية صغارهم أوقاتًا محددة للإنجاب، حيث تتزامن ولادة الصغار مع توفر الموارد الكافية لإطعامهم ورعايتهم، ويعني ذلك أن تلد الأم عندما تكون قادرة على حشد القدر الأكبر من الطاقة. تبين لنا إيمري تومسون مثالًا على ذلك، وهو الفقمة التي تطعم صغارها من الدهون التي تخزنها وتحفظها من أجلهم، وبالتالي تتكاثر هذه الحيوانات عندما تخزن الأم القدر الكافي من الدهون. تخطط حيوانات أخرى لتربية الصغار في الوقت الذي توفر فيه البيئة المحيطة الموارد التي يحتاجون إليها، فتفقس بيوض العصفور الأزرق الصغير مثلًا عندما تكون وجبتها المفضلة (اليرقات) وفيرة.

تختلف قواعد التربية عندما يتعلق الأمر بالرئيسيات، إذ يعجز معظمها عن تخزين الدهون، فلا يمكنها أتباع هذه الاستراتيجية في الإنجاب والتربية، وتمتنع بعض الأنواع الرئيسيات وعلئ سبيل المثال حيوان ليمور عن إضاعة الكثير من الوقت والطاقة مع صغارها، وقد تختلف مواسم تكاثرها بظهور مورد معين يمكنها الاعتماد عليه. تشير تومسون إلى أن معدلات وفيات الرضع ترتفع عندما يمنع الجفاف وعواملُ البيئة الأخرى الحيواناتِ من الموارد الموسمية التي تطعم صغارها منها.

أما للرئيسيات الكبيرة كالقردة العليا والبشر، فتستهلك تربية صغارها الكثير من الطاقة والوقت، كالرضاعة الطبيعية التي يمكن أن تمتد لسنوات، ويصعب عندها الالتزام بإحدى الطرق النموذجية لتربية الأبناء، وتعليقًا على ذلك تقول تومسون: «لا يمكنك الاعتماد على موسم واحد من الطعام الوفير، ولا تستطيع أيضًا تخزين ما يكفي من الدهون في الجسم».

غالبًا ما يربط البشر وأقرانهم من الرئيسيات الكبيرة الحملَ بالقدرة على إطعام الطفل، فضلًا عن وفرة الموارد المتاحة، وقد أشارت الأبحاث إلى ارتفاع الولادات بشكل كبير في أوقات وفرة الغذاء، مما يوحي بإمكانية تحول هذه الولادات إلى أحداث موسمية قد تحدث في خلال أوقات يمكن التنبؤ بها، وفقًا لإيمري تومسون. بالنسبة للأمهات تتغلب القدرة على رعاية أطفالهن بالشكل الأمثل على الدافع الفطري عندما يتعلق الأمر بالإنجاب.

علاوة على ذلك، يعيش البشر حول العالم ضمن مناخ متنوع الخصائص فيختلف غذاؤهم بشكل كبير من مكان إلى آخر، ما يجعل ربط حالات الحمل بعامل أو مورد بيئي واحد بعيدًا عن المنطق عندما يتوفر هذا القدر من المرونة والقدرة على التكيف لدى الجنس البشري. تؤكد تومسون ذلك فتقول: «من الأفضل أن تعتمد على ذاتك وقدراتك وإمكانياتك عندما يتعلق الأمر بإنجاب، بدلًا من انتظار توفر الظروف المناسبة».

أنظمتنا التناسلية الحساسة!

يعد نظام التناسل البشري حساسًا للغاية، إذ يمكن أن تؤدي السمنة أو انخفاض الوزن إلى نقص الخصوبة، وكذلك ممارسة التمارين الرياضية القاسية التي يمكن أن تُحدِث خللًا في الدورة الطمثية أو الإباضة.

إضافة إلى ذلك، تكون عملية الحمل لدئ البشر أكْثَر صُعُوبَةً من الرئيسيات الأخرى، قد يستغرق إدراك الحمل دورتين إلى ثلاث دورات شهرية، في حين يكون المتوسط عند البشر ست دورات، وفقًا لإيمري تومسون أن الاختلافات أيضًا في بعض العوامل البيولوجية التي تحدد عدد المرات التي تحمل فيها الرئيسيات الأخرى التي لا تنطبق علينا، إذ يستيطع البشر إنجاب الأطفال على التوالي بشكل أسرع من الرئيسيات الآخرى، وفي الوقت الذي تمدنا فيه الأطعمة الغنية بالطاقة، كالأغذية الغنية بالزيوت والدهون، بالسعرات الحرارية التي تحتاجها الأم لإنتاج الحليب بعد لقمات قليلة، تعجز القرود التي تتغذى على النباتات عن الحصول على هذا القدر من التغذية والطاقة بهذه السرعة. وبينما تستمر أمهات القردة بإرضاع صغارها طبيعيًا حتى تتمكن من الاعتماد على نفسها، بينما نقطع نحن البشر هذه العملية ونعتمد على الأطعمة الأخرى، وربما نلجأ للآخرين، لمساعدتنا في تغذية اطفالنا حتى يتمكنوا من الحصول على طعامهم بأنفسهم، إذ تسير الأمور بسرعة أكبر بوجود الفطام، بحسب تومسون.

لا يعني ذلك أن العوامل البيولوجية ليس لها أي تأثير على أوقات تكاثر البشر، فقد أشارت بعض الأبحاث إن جودة الحيوانات المنوية تتغير باختلاف فصول السنة، وعلى سبيل المثال، تنخفض جودة النطف في خلال أشهر الصيف، لكن شكل وطريقة الحياة التي يختارها الإنسان تؤدي دورًا كبيرًا أيضًا. وقد يولد الكثير من الأطفال في خلال الصيف، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه موسم الإنجاب عند البشر، فبين عامي 1931-2010 ، وجد الباحثون أن الأيام التي تزيد درجة الحرارة فيها عن 80 درجة فهرنهايت ( 27درجة سلسيوس) قد أدت إلى انخفاض معدلات المواليد، إلا أن هذه التغيرات الناجمة عن موجات الحرارة أصبحت أقل تأثيرًا منذ الستينات، أي في وقت قريب من انتشار تكييف الهواء.

المصادر: 1