التقويم الفرعوني وارتباطه بتقويم اليوم

يعتبر التقويم واحدًا من أهم اختراعات الجنس البشريّ. فهو يسمح للمجتمعات بتنظيم الوقت للأغراض الدينيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والإداريّة. وهو بكلا نوعيه من اختراع المصريين القدماء، إذ ابتكروا التقويم القمريّ أولًا واستخدموه أكثر استخدام لتنظيم المناسبات الدينيّة.

ثم ابتكروا التقويم الشمسيّ لاحقًا واستخدموه لأغراض إداريّة، وفي الحياة اليوميّة للمصريين القدماء. وكان أول تقويم يشمل 365 يومًا في السنة، وبالتالي فهو سلف التقويم الغريغوري (الميلاديّ) الذي نستخدمه اليوم.

بداية التقويم القمريّ

يُعتقد أن التقويم المصريّ القديم كان قيد الاستخدام منذ نحو 5،000 عام، لكن النقاشات الجدليّة بخصوص هذا الموضوع ما زالت مستمرة. هذا التقويم كان قمريًا، واستخدم لجميع الأغراض حتى ابتكار التقويم الشمسيّ.

قُسِّمت السنة في هذا التقويم إلى 12 شهرًا، طول كل منها يعتمد على طول الدورة القمريّة (عادة 29 أو 30 يومًا). ويبدأ كل شهر باكتمال القمر الجديد، ويسمى كل منها تيمنًا بالمهرجان الكبير الذي يحتفل به في ذلك الشهر.

وبما أن التقويم القمريّ كان أقصر من التقويم الشمسيّ بـ10 أو11 يومًا، فإن شهرًا ثالث عشر يضاف مرةً كل بضعة سنين لإعادة التقويم إلى مواعيده في مواسم الزراعة والمناسبات الدينيّة، ويعرف بالشهر الكبيس (كشهر النسيء عند العرب).

نوت، إلهة النجوم المصريّة في مقبرة رمسيس الرابع.

تقسيم المواسم وإضافة إيامٍ إلى السنة للاحتفال بالآلهة

استُخدِم التقويم الشمسيّ في مرحلة متأخرة من تاريخ المصريين القدماء. وقَسَّم هذا التقويم السنة إلى ثلاثة فصول تمحورت حول الدائرة الزراعيّة؛ فكان فصل آخت ويعني شروق الشّمس وهو فصل البذر والزِّراعة، وفصل برت وهو فصل الإنبات وفصل شمو وهو فصل الحصاد. وكل منها يتكون من أربعة أشهر.

قُسِّمت الأشهر المصريّة إلى ثلاث فترات من عشرة أيام عرفت بالعقود (تشبه الأسبوع الذي نستخدمه اليوم). وكان آخر يومين من كل عقدٍ عطلة لا يعمل فيها المصريّون (تشبه عطلة نهاية الأسبوع). وسَفَرَ عن هذا ما مجموعه 360 يومًا في السنة.

أُضيفت لاحقًا خمسة أيامٍ أُخرى إلى نهاية كل سنة، فصار عددها 365 يومًا، وهو تقريبًا ذات عدد الأيام في التقويم الميلاديّ المستخدم حاليًا في أغلب أنحاء العالم. أضيفت هذه الأيام للاحتفال بولادة خمسة آلهة هم (على التوالي): أوزوريس وحورس وسيث وإيزيس ونفتيس، ولم يطالب المصريّون بالعمل في هذه الأيام.

وضعت هذه الأيام الخمسة ليكون التقويم الشمسيّ محاذيًا للسنة الفلكيّة. وقيل إن استخدام التقويم الشمسيّ كان بهدف تقسيم السنة بدقة أكبر، وذلك لأغراض إداريّة.

فلاح مصري قديم

لا وجود ليوم كبيس في التقويم المصري القديم

يبدو أن المصريين القدماء لم يكن لديهم مفهوم «اليوم الكبيس» الذي لدينا اليوم؛ هذا يعني أن التقويم الشمسيّ المصريّ أضاعَ ربعَ يومٍ من السنة (كوننا نُضيف يومًا في نهاية شباط/فبراير كل أربع سنوات، فنحن نضيف ربع يوم كل سنة) وهذا يعني تغيّر موعد حلول الفصول (كما يحدث في التقويم الهجريّ، حيث إن شهوره ليست ثابتة مع الفصول؛ أبرز شاهد على هذا تغيّر موعد حلول شهر رمضان إذ قد يحل شتاءً وبعد سنين يصادف صيفًا).

بالتالي يحتاج التقويم المصريّ القديم ليعود إلى وضعه الأصلي إلى فترة مقدارها 1461 عام (تعرف بالدورة الشِعرانية نسبة لنجم الشِّعرَى اليَمَانِيَّة، وهو ألمعُ نجمٍ يمكن رؤيته ليلًا. وهذه الدورة هي الوقت اللازم مروره لتتزامن بداية السنة المصريّة الجديدة مع الشروق النجميّ للشِّعرَى اليَمَانِيَّة).

بدأت محاولات تصحيح التقويم في القرن الثالث قبل الميلاد. حيث يؤرخ مرسوم كانوبوس المكتوب عام 239 ق.م محاولة الفرعون البطلميّ بطليموس الثالث لإضافة يوم جديد إلى السنة الشمسيّة. وأسوة بالأيام الاحتفاليّة الخمسة التي تسبقه فإنه سيخصص للاحتفال، بتشريف الفرعون وزوجته على أنهم آلهة. ولكن الفكرة سرعان ما هجرت لاعتراض الكهنوت المصريّ المحافظ. على أيّ حال، أضيف في النهاية يوم انتقالي عقب الغزو الرومانيّ لمصر في سنة 30 ق.م.

عملة ذهبيّة تصوِّر بطليموس الثالث، أصدرها بطليموس الرابع احتفاءً بوالده المؤله

التقويم الميلاديّ في بريطانيا العظمى وخسارة 11 يومًا

باختصار، يمثل التقويم المصريّ القديم مساهمة كبيرة جدًا للبشريّة، لأنه سلف التقويم الغريغوريّ الحالي الأكثر استخدامًا في العالم. وعلى الرغم من تمتع التقويم المصريّ القديم بعدد من السمات التي تشترك مع تقويم اليوم، إلا أنه مر في الألفيات السابقة بكثير من التعديلات ليكون بالشكل الحاليّ.

سُمِّيَ التقويم الميلاديّ، أو كما يعرف بالتقويم الغربيّ، أو التقويم المسيحيّ، نسبة الى البابا غريغوري الثالث عشر الذي طوَّره في العام 1582؛ وحل محل التقويم اليوليانيّ الذي فرضه يوليوس قيصر عام 46 ق.م.

رَفضت الدول الواقعة تحت الحكمِ البروتستانتيِّ التقويمَ الميلاديّ أولَ الأمر لارتباطه بالبابويّة، حيث رأوه مؤامرة لإرجاعهم الى الكنيسة الكاثوليكيّة الرومانيّة. وذات الأمر بالنسبة للدول التابعة للكنيسة الأرثوذكسية الشرقيَّة، فهي الأخرى لم تتبنَ التقويم الجديد مباشرة.

تفاصيل من قبر البابا غريغوري الثالث عشر تبين احتفالًا ببداية التقويم الغريغوري

وفي عام 1752 عندما تحولت بريطانيا العظمى وأقاليمها من التقويم اليوليانيّ إلى التقويم الميلاديّ كان من الضروري أن تُوحِّد التقويم المستخدم في إنكلترا مع باقي أوروبا. فقُررت أن الثاني من أيلول/سبتمبر 1752 (الاربعاء) سيُتبع بـالرابع عشر من أيلول/سبتمبر 1752 (الثلاثاء)، مما يؤدي إلى خسارة 11 يومًا.

ويُزعم أن تغيير التقويم سبب اضطرابات مدنيَّة وأعمال شغب في إنجلترا، لكن معظم مؤرخيّ اليوم يعتقدون أن أعمال الشغب تلك إما لم تحدث على الإطلاق أو أنها مضخَّمة بصورة كبيرة.

المصادر: 1