الباراسيتامول يمكن أن يحولك إلى شخص مُخاطَر

تشير الدلائل الأخيرة إلى إن هذا الدواء الذي يعد من أكثر الأدوية استهلاكًا في الولايات المتحدة -وأكثر الأدوية المسكنة للألم شيوعًا في العالم- قد يقوم بأكثر بكثير من مجرد معالجة صداع.

يزيد الأسيتامينوفين (Acetaminophen) المعروف أيضًا بالباراسيتامول (Paracetamol) والمباع على نطاق واسع باسم العلامتين التجاريتين تايلينول (Tylenol) و بانادول (Panadol)من الشجاعة وخوض المخاطرة، وفقًا لدراسة أجريت في أيلول/سبتمبر 2020 لدراسة التغيرات في سلوك الناس عندما يكونون تحت تأثير هذا الدواء الشائع والمتاح بدون وصفة طبية.

وقال عالم الاعصاب بالدوين وي (Baldwin Way)من جامعة ولاية أوهايو في أيلول/سبتمبر 2020: «يبدو أن الأسيتامينوفين يجعل الناس يشعرون بمشاعر أقل سلبية عندما يفكرون بعمل أنشطة محفوفة بالمخاطر- حيث إنه يقلل من الشعور بالخوف لديهم».

وأضاف: «ومع تناول ما يقارب 25% من سكان الولايات المتحدة للأسيتامينوفين أسبوعيًا، فإن تأثيره على الحد من إدراك المخاطر وزيادة المجازفة قد تكون له آثار هامة في المجتمع».

وتضاف هذه النتائج إلى مجموعة البحوث التي أجريت مؤخرًا والتي أشارت إلى أن تأثير الأسيتامينوفين على تخفيف الألم يمتد أيضًا ليشمل عمليات نفسية متعددة، حيث أنه يقلل من تقبل الناس للمشاعر المؤلمة لدى الآخرين و يؤدي إلى نقص التعاطف معهم، وقد يتسبب أيضًا في تخفيف حدة وظائف الإدراك.

وبطريقة مماثلة لما ذُكر، تشير البحوث الأخيرة إلى أن الأسيتامينوفين يضعف قدرة الناس على إدراك وتقييم المخاطر. وفي حين أن الآثار قد تكون طفيفة، إلا أنها بالتأكيد جديرة بالذكر لكون الأسيتامينوفين أكثر العناصر شيوعًا في تركيب الأدوية في أمريكا، حيث وجد أنه يدخل في تركيب أكثر من 600 نوع من الأدوية التي تصرف بوصفة طبية أو بدونها.

ودرس وي وفريقه في سلسلة من التجارب التي شارك فيها أكثر من 500 طالب جامعي، كيف أثرت جرعة واحدة من الأسيتامينوفين مخصصة للمشتركين بصورة عشوائية وقدرها 1000 ملغم (وهي أعلى جرعة موصى بها)، على سلوك المخاطرة لديهم، مقارنة بالمجموعة التي خصص لها العلاج البديل(الوهمي).

وفي كل من هذه التجارب، توجب على المشاركين نفخ بالون غير منفوخ على شاشة حاسوبية وكسب أموال وهمية مع كل نفخة، ونصت تعليماتهم على أن يكسبوا أكبر قدر قدر ممكن من الأموال الوهمية من خلال نفخ البالون قدر الإمكان مع مراعاة عدم فرقعته حيث أنهم سيخسرون أموالهم في هذه الحالة.

أظهرت النتائج أن الطلاب الذين تناولوا الأسيتامينوفين شاركوا في مخاطرة أكبر خلال التجربة، مقارنة بطلاب المجموعة الثانية الذين تناولوا العلاج الوهمي حيث كانوا أكثر حذرًا وتحفظًا. وإجمالًا، قام الطلاب الذين تناولوا الأسيتامينوفين بفرقعة وتفجير البالونات أكثر من طلاب المجموعة الثانية.

وقال وي: «إذا كنت من متجنبي الخطر، فقد تضخ بضعة مرات فقط ثم تقرر الانسحاب وأخذ الأموال لأنك لا تريد أن ينفجر البالون وتخسر أموالك». وأضاف: «لكن الأمر مختلف بالنسبة للذين تناولوا الأسيتامينوفين، فمع ازدياد البالون في الحجم، نعتقد أنهم يشعرون بقدر أقل من القلق والانفعالات السلبية إزاء مدى ضخامة البالون واحتمالية انفجاره».

وبالإضافة إلى تجربة محاكاة البالونات، ملأ المشاركون استبيانات خلال التجربتين لتقييم مستوى المخاطر التي يرونها في سيناريوهات افتراضية مختلفة، مثل رهن أموال دخلهم اليومي على حدث رياضي، أو ممارسة القفز بالحبال من جسر مرتفع أو قيادة السيارة بدون حزام الأمان.

وأظهرت إحدى هذه الاستبيانات أن استهلاك الأسيتامينوفين يقلل من المخاطر المتصورة مقارنة مع المجموعة الثانية، رغم أن هذا الأثر لم يُلاحظ في استبيان مماثل آخر.

وعلى العموم، استنتج الفريق استنادًا إلى متوسط النتائج في مختلف الاختبارات أن هناك علاقة هامة بين تناول الأسيتامينوفين واختيار المزيد من المخاطر، حتى وإن كان الأثر الملحوظ طفيفًا.

ومع ذلك، فإنهم يعترفون بما لهذا الدواء من آثار واضحة على سلوك المخاطرة والتي يمكن تفسيرها أيضًا من خلال أنواع أخرى من العمليات النفسية مثل الحد من القلق ربما.

ويوضح الباحثون: «مع ازدياد حجم البالون، يشعر طلاب المجموعة الذين تناولوا العلاج البديل بكميات متزايدة من القلق إزاء احتمال حدوث انفجار، وينهون التجربة عندما يصبح قلقهم أكثر من اللازم. وقد يقلل الأسيتامينوفين من هذا القلق مما يؤدي إلى زيادة المخاطرة».

وقال الفريق إنه ينبغي تناول هذه التفسيرات النفسية البديلة لهذه الظاهرة -بالأضافة إلى التحقيق في الآليات البيولوجية المسؤولة عن آثار الأسيتامينوفين على خيارات الناس في مثل هذه المواقف- في البحوث المقبلة.

وسيتاح للعلماء بلا شك فرص في المستقبل لمواصلة البحث في دور وفعالية الأسيتامينوفين في تخفيف الألم على نطاق أوسع، بعد أن اكتشفت الدراسات التي أجريت في السنوات الأخيرة أن الدواء في العديد من السيناريوهات الطبية قد يكون غير فعال في تخفيف الألم، وأحيانًا لا يختلف في عمله عن العلاج الوهمي، بالإضافة إلى تسببه بأنواع أخرى من المشاكل الصحية.

وعلى الرغم من أهمية هذه النتائج، لا يزال الأسيتامينوفين أحد أكثر الأدوية استخدامًا في العالم، حيث تعتبره منظمة الصحة العالمية دواءً أساسيًا، كما يوصى به من قبل مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها(CDC) كالدواء الرئيسي الذي يجب عليك تناوله للتخفيف من الأعراض إذا ظننت أنك قد تعاني من فيروس كورونا.

ويقول وي: «ربما يجب علينا إعادة التفكير في هذه النصيحة في ضوء ما نكتشفه عن الأسيتامينوفين. فقد لا يعتقد شخص لديه أعراض خفيفة لفيروس كوفيد-19 أنه من الخطر أن يغادر منزله ويختلط بالآخرين إذا كان يتناول الأسيتامينوفين».

وأضاف قائلًا: «ونحتاج حقًا إلى المزيد من البحوث حول تأثير الأسيتامينوفين وغيره من الأدوية المتاحة بدون وصفة طبية على المخاطر والخيارات التي نتخذها».

المصادر: 1