دراسة تظهر أن ظلام الثقب الأسود يخضع لنظرية أينشتاين

تُعدّ النظرية النسبية العامة للعالم ألبرت أينشتاين Albert Einstein واحدة من أشهر النظريات في الأوساط العلمية، إلى جانب كونها ثابتة وقوية كغيرها من النّظريات.

وُضعت هذه النّظرية تحت العديد من الاختبارات وأثبتت نجاحها وثباتها. لكن حتى مع نجاح النظرية وثباتها فقد فشلت في استبعاد بعض النظريات البديلة التي تحاول تعديل النظرية النسبية.

زودنا الثقب الأسود الهائل المٌسمى M87 القابع في مركز مجرة تبعد عنا 55 مليون سنة ضوئية بأكثر اختبارات النظرية النسبية صرامةً حتى الآن. -هو ذاته الثقب الأسود الذي التقطنا له أوضح الصور إلى يومنا هذا- وقد قام تعاون Event Horizon Telescope بسبر المنطقة المحيطة به لجعل النسبية العامة اكثر قوة 500 مرة، بما يكفي بشكل لا يصدق.

تُعد النظرية النسبية من أكثر النظريات التي ساعدتنا في فهم وتوقع تفاعلات الجاذبيّة، لكنّها لم تتطابق رياضيًا مع ميكانيكا الكمّ، والتي تساعدنا في نمذجة التفاعلات غير المتعلقة بالجاذبية بين الأجسام المختلفة.

جعل هذا العلماء يبحثون عن بعض النماذج ووضع العديد من البدائل للنظرية النسبية العامة، بهدف التوصل إلى نظرية توّحد جميع القوى في مفهوم واحد. لكن تعذر لتلك البدائل أن تتناسق مع ما نراه في العالم الحقيقي أمامنا، إلا أن الأمر يستحق المجازفة والبحث فيه بعمق.

وضّح الفيزيائي الفلكي ديميتريوس بسالتيس Dimitrios Psaltis من جامعة أريزونا University of Arizona ما سبق قائلًا: «نتوقع بناء نظرية جديدة عن الجاذبية تختلف كليًا عن النسبية العامة فنمتلك العديد من الجوانب التي يمكن تعديلها والبدء منها».

وأضاف: «أيًا كانت النظرية الصحيحة، فلن تختلف عن النظرية النسبية العامة كثيرًا فيما يتعلق بالثقوب السوداء، فقد قلصنا بحق مساحة التعديل الممكنة».

كان في توصل العلماء لصورة ظل الثقب الأسود لأول مرة، وحلقة من المواد الساخنة التي تدور حوله، طرقًا جديدة لاختبار النسبية العامة. إحداها حجم الظل.

يُمثل هذا الظل المنطقة المظلمة في مركز الكتلة والذي لا ينفك يتوقف عن الدوران وفقًا لأفق الحدث -وهو النقطة التي لا يتمكن الضوء من الهروب منها-، فتمثل سرعة جذب الثقب الأسود عائقًا أمام سرعة الضوء فلا يستطيع حتى الضوء اجتيازه. نظرًا لأن التأثير هو تأثير الجاذبية يمكننا توقع حجم تلك المنطقة بالاستفادة من عدم قدرة الضوء من مجاراة سرعتها.

كسر الثقب الهائل M87 توقعاتنا، حيث بلغت كتلته ستة مليارات ونصف ضعف كتلة الشمس. إلى جانب أنه يمكننا توقع حجم الفراغ الساحق أو بمعنى آخر سنتمكن من معرفة حجم هذا الظل، حيث لا يمكن للضوء الهرب منه بالاستفادة من حسابات النظرية النسبية العامة.

كان هذا واحدًا من الاختبارات التي أجريناها بعد نجاحنا في الوصول إلى صورة واضحة لما يمثله الثقب الأسود ووجدنا حجم هذا الظل كما توقعته الحسابات.

قالت عالمة الفيزياء الفلكية بيري كريستيان Pierre Christian من جامعة أريزونا: «لم نتمكن في ذلك الوقت من التفكير في عكس هذا التساؤل؛ كيف ستختلف نظرية الجاذبية عن النظرية النسبية العامة وتتوافق في الوقت ذاته مع حجم ذاك الظل؟» وأضافت قائلة: «تسائلنا عن وجود أي دليل يمكننا إتباعه بالاستفادة من عمليات الرصد للوصول إلى نظريات بديلة»

اجتازت النظرية النسبية العامة العديد من الاختبارات في نطاق نظامنا الشمسي، مثل طريقة توجه مدار كوكب عطارد ودورانه حول الشمس، بالإضافة إلى طريقة انحناء شعاع الضوء في منحنى الزمكان حول جسم هائل كالشمس.

ونضيف لذلك أنها زودتنا بقياسات دقيقة للمسافات بين الكواكب.

اجتازت بعض التعديلات للنظرية النسبية العامة العديد من الاختبارات في نطاق نظامنا الشمسي لذلك جمع الفريق تلك التعديلات لتطبيقها على مجرة M78. عرّف الفريق الخصائص المميزة التي تتوقع ظل الثقب الأسود، بدلًا من اختبار كل واحدة على حدة كنظرية منفصلة عن غيرها لكل نظرية بديلة للنسبية العامة.

سمح الفريق بمعرفة إذا ما كانت تلك النظرية تتناسق مع عمليات رصد مقراب أفق الحدث للثقب M87 دون الحاجة للنظر إلى أي تفاصيل لا تتعلق بالفكرة ذاتها. بالإضافة إلى أنه سمح ببعض التعديلات المقترحة للنظرية.

قالت عالمة الفيزياء الفلكية فيريل أوزيل، Feryal Özel، من جامعة أريزونا: «أظهرنا أن حجم ظل الثقب الأسود المُقاس يدعم التعديلات التي نسعى لها لنظرية أينشتاين بمقدار 500 عامل، مقارنة باختبارات سابقة في نطاق النظام الشمسي الخاص بنا وذلك بالاستفادة من المقياس الذي طورناه».

وأضافت: «تفشل الكثير من الطرق لتعديل النظرية وفقًا لاختبارات هذا الثقب الهائل».

لكن هذا لا يعني تعذر هدم تلك النظرية. ويستمر الباحثون في تساؤلهم حتى الوصول الى مبتغاهم، لا يكمن سبب ذلك في كره علماء الفيزياء الفلكية للنظرية النسبية؛ بل بسبب توفيرها لقيود وأدوات جديدة للاختبارات القادمة. ونأمل أن تقودنا تلك المحاولات لمعرفة الفارق بين النظرية النسبية العامة وميكانيكا الكم.

فلم تفشل النسبية العامة بعد في أقوى مجال ثقالي اُختبرت فيه النظرية، بينت لنا النتائج أين يمكننا التوقف عن البحث والدراسة في النظرية بفضل استبعاد مجموعة من البدائل للنظرية.

قالت أوزيل: «لطالما قلنا أن النسبية العامة اجتازت كل الاختبارات، أتمنى لو امتلكت عشر سينتات لكل مرة قيل بها ذلك».

وأضافت: «هذا صحيح فعند إجرائك لاختبارات معينة لن ترى النتائج تنحرف عن ما تتوقعه النسبية العامة. ما نحاول قوله أنه إلى جانب صحة كل ذلك فقد توصلنا إلى مقياس جديد مختلف عن ما سبقه يمكننا من خلاله القيام بالاختبار أفضل من قبل بخمسمئة مرة. المقياس الجديد هو حجم ظل الثقب الأسود».

يصبح مرقاب أفق الحدث أفضل بمرور الوقت فقد أضفنا ثلاثة مراقب جديدة لتضاف إلى مجموعة المراقب وسنجري العديد من عمليات الرصد في العام المقبل. ونتمنى أن يوفر ذلك صور أعلى جودة لظل الثقب الأسود للقيام بالمزيد من الاختبارات.

قال بسالتيس: «يمكن صنع عصر جديدة في فيزياء الثقب الأسود الفلكية بفضل مراقب الموجة الثقالية».

نُشر البحث في دورية Physical Review Letters.

المصادر: 1