كيف يتذكر الدماغ المكان المناسب في الوقت المناسب؟

تَخلُق الخلايا العصبية في الحُصين «Hippocampus» خرائطَ مكانية وزمانية لعالمنا، وتساعد موجات الدماغ المدعوّة بإيقاعات ثيتا «Theta rhythms»، على تنظيم نشاط هذه الخلايا العصبية. وحددت دراسة أجراها الدكتور برادلي ليغا Bradley Liga وزملاؤه، كيف تتمكن مجموعة من الخلايا العصبية المعروفة باسم الخلايا الزمنية للدماغ، من تحديد ترتيب الأحداث بشكل صحيح، والمساعدة في الذاكرة. (الصورة)

ألقت دراستان قادهما باحثون من جامعة تكساس جنوب غرب الولايات المتحدة، الضوءَ على كيفية تشفير الدماغ للوقت والمكان إلى ذكريات. ولا تُضيف هذه النتائج التي نشرت مؤخراً في مجلة PNAS and Science إلى مجموعة البحوث الأساسية المتعلقة بالذاكرة فحسب، بل يمكن أن توفر في نهاية المطاف الأساس لعلاجات جديدة لمكافحة فقدان الذاكرة، نتيجةَ حالاتٍ مرضيّةٍ، مثل إصابات الدماغ الرضّيّة، أو مرض الزهايمر.

اكتُشفت مجموعة من الخلايا العصبية تعرف باسم «الخلايا الزمنية» في الفئران قبل حوالي عقد من الزمن، ويبدو أنّ هذه الخلايا تلعب دورًا فريدًا في تسجيل وقت وقوع الأحداث، مما يسمح للدماغ بترتيب تحديد الأحداث في الذاكرة العرضية «Episodic memory».

يشرح الدكتور برادلي ليغا -الأستاذ المساعد في الجراحة العصبية في المركز الطبي لجامعة تكساس جنوب غرب الولايات المتحدة والمؤلف الرئيسي لدراسةPNAS- كيف تُظهر هذه الخلايا التي تقع في حُصين الدماغ، نمطًا مميزًا للنشاط في أثناء قيام الحيوانات بتشفير الأحداث واستذكارها، وأضاف ليغا: تسمح هذه الخلايا للدماغ بتنظيم الأحداث عن طريق الإطلاق في تسلسل قابل للتكرار، وتتحكم موجات الدماغ بتردد 5 هرتز المدعوة «ذبذبات ثيتا» في توقيت إطلاق هذه الخلايا العصبية، في عملية تُعرف باسم المُداورة «Precession».

وبحث ليغا فيما إذا كان لدى البشر أيضًا خلايا زمنية، عن طريق استعمال مهمة للذاكرة تفرض طلبًا شديدًا على المعلومات المتعلقة بالزمن، ووظف ليغا وزملاؤه متطوعين من وحدة مراقبة الصرع في مؤسسة بيتر أودونيل Peter O’Donnell للدماغ في جامعة تكساس في جنوب غرب الولايات المتحدة، حيث يمكث المرضى المصابين بالصرع لعدة أيام قبل موعد جراحة الصرع، وهي عملية لإزالة الأجراء المتضررة من الدماغ التي تحفز نوبات الصرع، ويقول ليغا إنّ الأقطاب الكهربائية المزروعة في أدمغة هؤلاء المرضى، تساعد الجراحين على تحديد موقع نوبة الصرع في الدماغ بدقة، بالإضافة إلى توفير معلوماتٍ قيّمة عن أعمال الدماغ الداخلية.

وفي نفس الوقت الذي يسجل فيه الباحثون النشاط الكهربائي في حُصين الدماغ لدى 27 من أدمغة المتطوعين، فقد طلب الباحثون منهم القيام بمهام التذكر الحر، والتي تضمنت قراءة قائمة من 12 كلمة خلال ثلاثين ثانية، والقيام بحل مسألة قصيرة في الرياضيات لإبعاد أذهانهم عن التدرب على القوائم، ثم يُطلب منهم تذكر أكبرَ عددٍ ممكن من الكلمات في القائمة خلال الثلاثين ثانية القادمة. تتطلب هذه المهمة ربط كل كلمة بجزء من الوقت (في القائمة التي كانت عليها)، ممّا مكّن ليغا وفريقه من البحث عن الخلايا الزمنية.

ما وجده الفريق كان مثيرًا: فلم يكتفوا بتحديد عدد كبير من الخلايا الزمنية فحسب، بل إنّ إطلاق هذه الخلايا كان يتوقع مدى قدرة الأفراد على الربط بين الكلمات والوقت المناسب، وهي ظاهرة تُسمى «التجميع الزمني Temporal clustering».

وأخيراً، يبدو أنّ هذه الخلايا تظهر طور المداورة في البشر كما كان متوقعاً.

ووفقاً لليغا: «اقترح العلماء منذ سنوات أنّ الخلايا الزمنية تعمل كغراء لذكريات الأحداث في حياتنا، ويدعم هذا الاستنتاج تلك الفكرة على وجه التحديد بطريقة فريدة».

وفي الدراسة الثانية في مجلة Science، قاد الدكتور براد بفيفر Brad Pfeiffer الأستاذ المساعد في الجراحة العصبية، فريقًا لدراسة الخلايا المكانية، وهي مجموعة من خلايا حُصين الدماغ التي تقوم بتسجيل مكان وقوع الأحداث، في كلٍّ من الحيوانات والبشر، لقد عرف الباحثون منذ فترة طويلة، أنّه أثناء سير الحيوانات في مسار كانت تسلكه من قبل، يحدث إطلاقٌ للخلايا العصبية المكانية، التي تقوم بإدخال معلومات المواقع المتعددة في هذا الطريق، في تسلسل يشابه إطلاق الخلايا الزمنية وبترتيب الأحداث الزمنية. وبالإضافة إلى ذلك، بينما تستكشف الجرذان بيئةً ما، يتم تنظيم الخلايا المكانية في شكل «تسلسلات صغيرة» تمثل ماسحًا افتراضيًا للمواقع قبل حركة الفأر، وتحدث هذه المسحات الشبيهة بالرادار ما بين 8 – 10 مرات في الثانية، ويُعتقد أنها آلية دماغية للتنبؤ بالأحداث أو النتائج القادمة على الفور.

قبل هذه الدراسة، كان معروفا أنّه عندما تتوقف الفئران عن الركض، يعاد تنشيط الخلايا المكانية في سلسلة متوالية طويلة، يبدو أنها تحلّ محلّ تجربة الفئران السابقة في اتجاه معاكس.

وبالرغم من إن هذه الاحداث العكسية هامة لتكوين الذاكرة، لكن لم يكن واضحًا كيف للحُصين أن ينتج مثل هذه التسلسلات. والواقع أنّ هذا العمل الجدير بالاهتمام أشار إلى أنّه ينبغي للخبرة أن تعزز المستقبل، وتضعف الأحداث العكسية.

ولتحديد الآلية التي تعمل بها هذه الذكريات الأمامية والخلفية معًا، وضع بفيفر وزملاؤه أقطابًا في حُصين دماغ الفئران، ثم سمحوا لهم باستكشاف مكانين مختلفين: أحدهما ساحةً مربعةً ،والآخر مسارًا طويلًا ومستقيمًا. ولتشجيعهم على الحركة عبر هذه الأماكن، وضعوا أوعيةً تحتوي على حليب الشوكولاتة في أماكن مختلفة، ثم قاموا بتحليل نشاط الخلايا المكانية للحيوانات لمعرفة كيف توافقت مع مواقعها.

أُطلقت خلايا عصبية محددة في أثناء تجول الفئران في هذه المساحات، وإدخالها للمعلومات حول المكان، وأطلقت هذه الخلايا العصبية بنفس التسلسل عندما تراجعت الفئران عن مسارها، بينما أطلقت بشكل دوري في اتجاه معاكس عندما أكملت المسار المحدد لطريقها.

واكتشف الباحثون أمرًا جديدًا بعد إلقاء نظرة أدق على هذه البيانات، فمع مرور الفئران عبر هذه المساحات، لم تعرض آثار خلاياها العصبية التسلسلات المصغرة للتنبؤات المستقبلية فحسب، بل أظهرت تسلسلات مصغرة للأحداث السابقة أيضًا، وتتناوب هاتان السلسلتان مع بعضهما البعض، وتحتاج كل منهما إلى بضع ثواني لتكتمل.

ويقول بفيفر: «بينما كانت هذه الحيوانات تمضي قدمًا، كانت عقولهم تتحول باستمرار بين توقع ما سيحصل لاحقًا، وتذكر ما حصل للتو، كل ذلك في غضون جزء من الثانية من الإطار الزمني».

ويدرس بفيفر وفريقه حاليًا، المدخلات التي تتلقاها هذه الخلايا من الأجزاء الأخرى للدماغ، التي جعلتها تتصرف في هذه الأنماط، ومن الناحية النظرية، يقول: «أنّه من الممكن اختراق هذا النظام لمساعدة الدماغ على تذكر المكان الذي حدث فيه الحدث بدقة أكبر»، وأضاف ليغا: «أنّ تقنيات التحفيز قد تكون قادرةً في نهاية المطاف على تحفيز النمط الدقيق للخلايا الزمنية لمساعدة الناس على تذكر التسلسل الزمني للأحداث بمزيد من الدقة».

وأضافت الدراسات الأخرى: «في العقود القليلة الماضية، حدث تغير هائل في الاستنتاجات الجديدة بشأن الذاكرة، وأصبحت المدة بين الاكتشافات الأساسية في الحيوانات وكيف يمكن أن تساعد الناس أقصر بكثير الآن».

المصادر: 1