العلماء يبنون غدة زعترية من خلايا بشرية

أعاد باحثون في معهد فرانسيس كريك وكلية لندن الجامعية Francis Crick Institute and University College London بناء الغدة الزعترية البشرية، وهي عضو أساسي في الجهاز المناعي، باستخدام الخلايا الجذعية البشرية وسِقالة مهندسة حيويًا. يعد عملهم خطوة مهمة نحو القدرة على بناء غدد زعترية اصطناعية يمكن زرعها في الإنسان.

الغدة الزعترية هي عضو في الصدر مسؤولة عن تطوير الخلايا اللمفاوية التائية والتي تلعب دورًا حيويًا في جهاز المناعة. قد يسبب قصور عمل الغدة الزعترية أو عدم تشكلها في أثناء نمو الجنين في الرحم أمراض مثل العوز المناعي الشديد، حيث لا يستطيع الجسم محاربة الأمراض المعدية أو الخلايا السرطانية أو مرض المناعة الذاتية، وفيه يهاجم الجهاز المناعي للجسم أنسجته السليمة.

نشرت مجلة نيتشر كوميونيكيشنز Nature Communications دراستها التي تناولت إثبات صحة مفهوم، حيث أعاد العلماء بناء غدد زعترية باستخدام خلايا جذعية مأخوذة من مرضى اضطروا إلى إزالة هذا العضو في أثناء الجراحة. وعندما زرعوه في الفئران، استطاعت الغدد الزعترية المهندسة حيويًا أن تدعم تطوير خلايا ليمفاوية تائية بشرية ناضجة وتؤدي وظائفها.

سبق للعلماء أن أعادوا بناء أعضاء أخرى أو أجزاء من أعضاء، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي ينجح فيها العلماء بإعادة بناء غدة زعترية بشرية تؤدي عملها بالكامل. هذه الدراسة التي مولَّها مجلس البحوث الأوروبي (ERC) بالدرجة الأولى، ليست فقط خطوة مهمة لإجراء أبحاث أكثر في علاج حالات العوز المناعي الشديد بل وبنطاق أوسع لتطوير تقنيات جديدة في تنمية أعضاء اصطناعية.

تقول الكاتبة والباحثة في مختبر بيولوجيا الخلايا الجذعية الظهارية والطب التجديدي في معهد كريك Crick، سارة كامبينوتي Sara Campinoti: «إن إثبات إمكانية بناء غدة زعترية عاملة من خلايا بشرية لهو خطوة هامة نحو القدرة على زراعة غدد زعترية يمكن زرعها يومًا ما في الجسم».

من أجل إعادة بناء هذا العضو، جمع الباحثون الغدة الزعترية من مرضى، وزرعوا في المختبر خلايا ظهارية زعترية وخلايا خِلاليَّة زعترية من الأنسجة المتبرع بها في العديد من المستعمرات لمليارات الخلايا.

بينما كانت الخطوة التالية للباحثين هي الحصول على سِقالة هيكلية من الغدة الزعترية يمكن إعادة توطينها مع الخلايا الزعترية التي زرعوها. لذا، طوّر الباحث أصلان غينوفسي Asllan Gjinovci طريقة جديدة لإزالة جميع الخلايا الزعترية من الفئران، فبقيت السِقالات الهيكلية فقط. فكان عليهم استخدام نهج جراحي جديد للأوعية الدموية الدقيقة لهذا الغرض، لأن الطرق التقليدية ليست فعالة بالنسبة للغدة الزعترية.

يقول أصلان: «هذا النهج الجديد مهم لأنه مكّننا من الحصول على سِقالات من أعضاء أكبر كالغدة الزعترية البشرية، وهو أمر ضروري للوصول بهذا العمل الرائع إلى العيادات».

ثم قام الباحثون بحقن سِقالات الأعضاء بما يصل إلى ستة ملايين خلية ظهارية بشرية من الغدة الزعترية بالإضافة إلى خلايا خِلاليّة من المستعمرات التي نمت في المختبر. وبعد أن نمت الخلايا على السِقالات بخمسة أيام فقط تطورت الأعضاء إلى مرحلة مماثلة لتلك التي شوهدت في الأجنة البالغة من العمر تسعة أسابيع.

أخيرًا، زرع الفريق هذه الغدد الزعترية في الفئران. ووجدوا أنه في أكثر من 75% من الحالات، استطاعت الغدد الزعترية أن تدعم تطوير الخلايا الليمفاوية البشرية.

تُعلّق إحدى مؤلفي ورقة البحث، روبيرتا راجازيني Roberta Ragazzini قائلةً: «حقيقة أننا نستطيع زيادة الخلايا الجذعية الزعترية المأخوذة من بشر متبرعين إلى نطاق مستعمرات كبيرة هو أمر شيق جدًا. فهو يتيح التوسع بالعملية بهدف بناء غدد زعترية بالحجم البشري».

تقول كبيرة المؤلفين وقائدة المجموعة في معهد كريك الأستاذة في قسم العدوى والمناعة في كلية لندن الجامعية، باولا بونفانتي Paola Bonfanti: «إضافةً إلى أنه مصدر جديد لإجراء عمليات زرع لمن ليس لديهم غدة زعترية عاملة، فإن لعملنا تطبيقات أخرى محتملة في المستقبل. فعلى سبيل المثال، بما أن الغدة الزعترية تساعد جهاز المناعة على تمييز خلاياهُ من الخلايا الغريبة، فهذا يشكل مشكلةً بالنسبة لعمليات زرع الأعضاء لأنها قد تجعل الجهاز المناعي يهاجم الزرعة.

وتضيف بونفانتي: «من الممكن أن نتغلب على هذا عن طريق زرع الغدة الزعترية من الخلايا المأخوذة من الغدة الزعترية للمتبرع بالأعضاء. فنحن على ثقة من أن هذا قد يمنع الجسم من مهاجمة الزرعة. لا يزال البحث في بداياته، ولكنه مفهوم مثير قد يغني المرضى عن تناول مثبطات المناعة لبقية حياتهم.

يواصل الباحثون عملهم في إعادة بناء الغدد الزعترية لتحسين العملية وتوسيع نطاقها.

المصادر: 1