ما الذي جعل ليوناردو فنانا عظيما؟ كتاب جديد يجيب أن العلم وراء ذلك!

اعتاد ليوناردو دا فينشي -عند اختباره قلمًا جديدًا- خربشة العبارة الإيطالية «dimmi» والتي تعني أخبرني.

تكشف الرسومات اللامبالية على هوامش دفاتر ملاحظاته، عن فضوله الشديد والنَهِم تقريبًا لمعرفة العالم الطبيعي.

فقد كانت كتابته لكلمة أخبرني، بمثابة سؤالٍ مثير! كتب كلمة أخبرني بين خربشة قوائم التسوق من (سمك الإنكليس، والمخمل، والنبيذ) وبين رسوماتٍ تخطيطية للابتكارات، وأمر نفسَه قائلًا: “صِف ما هو العطاس، وما هو التثاؤب، وما هو مرض السقوط، وماهو التشنج.” كان يقصد بكلمة أخبرني أن تروي لي خباياك، كان يناشد للتوصل إلى المعرفة في دراساته لحركة الماء وعمل لسان نقار الخشب.

كان رسامًا، ومهندسًا، وعالمَ تشريحٍ، ومصمم ألات تعذيب، بالإضافة إلى آلات تساعد الرجال على الهروب من السجن، ويُطلق على ليوناردو لقب «رجل عصر النهضة الحقيقي»، ناهيك عن أنّ هذه الفكرة اختزالية وخاطئة تمامًا وهذا ما تثيره مؤرخة الفن فرانشيسكا فيورانيFrancesca Fiorani من جدلٍ في كتابها الجديد «رسم الظل».

لم تكن اهتمامات ليوناردو متباينة بشكل مذهل كما تبدو في الواقع، فلقد سعى عقله إلى التوليف. كان يصطاد المبادئ الأساسية، وهي القوانين الأساسية للطبيعة بأكملها، كان يقول: «اكتب عن السباحة تحت الماء، وسوف ترى الطيور تحلق في الهواء.» تلاقت اهتماماته الفنية والعلمية في الرسم، يمكن لليوناردو أن يطبّق كل ما تعلمه عن الهندسة، والظل والضوء، وعن تفاعل العين والعقل في الإدراك.

لم تكن فيوراني بأي حال من الأحوال أول من قدم هذه القضية، فقد سبق ووصف المؤرخ سيدني فريدبيرج Sydney Freedberg بأسوبٍ لبق كيف كانت المعرفة غير قابلة للتجزئة بالنسبة إلى ليوناردو، لكن فيوراني تطرح أفكارها بقوةٍ جديدة وتوجهها ضد الاعتقاد الخاطئ بأنّ ليوناردو تخلى عن الرسم في سبيل العلم في سنواته الأخيرة.

من أين تمخضت هذه الفكرة؟ من المؤكد أنه يمكننا رؤية إحدى شخصيات فرويد التي لا لبس فيها، والتي تزرع الفوضى في النفس تعدو في الظلال.

تولدت العديد من انطباعاتنا الخاطئة من دراسة فرويد المؤثرة والخيالية بشكل كبير عن ليوناردو، بما في ذلك فكرة “ليوناردو المزدوج” والتي يقصد بها الفنان الذي تحول إلى عالم. ضُمِّن هذا الوصف تحت أكثر ادعاءات المقال تذكرًا: فإن فرويد يوجه أصابع اتهامه ملقيًا اللوم على والدة ليوناردو التي احتضنته بشكل مفرط.

يبدو أنّ ما أنتجه ليوناردو يدعم فرضية فرويد فعلًا في بادىء الأمر على الأقل، كان من أقل الرسامين إنتاجًا في عصره، على مدى 40 عامًا أنجز 15 لوحة على أكثر تقدير، وترك الكثير من الأعمال غير مكتملة عمدًا بما في ذلك «الموناليزا». في المقابل، يبدو أن نوعًا من الرسم البياني يستحوذ عليه.

حسب بعض الإحصائيات، تصل دفاتر الملاحظات إلى 16000 صفحة، وعُرِض جزءٌ منها فقط.

تثير فيوراني الجدل في كتابها «رسم الظل» بأنّ اهتمامات ليوناردو الفنية والعلمية، من المحتمل أن تلتقي في جوهرها مع مخطوطة القرن الحادي عشر المكونة من سبعة مجلدات، وهي «كتاب البصريات» للفيلسوف العربي أبو علي الحسن بن الهيثم المعروف في الغرب في ذلك الوقت باسم الحسن.

لا يوجد دليل على أن ليوناردو قرأ النص، لكنّ الترجمات عُمِّمَت بين الرسامين الإيطاليين. وُلد ليوناردو بالقرب من فلورنسا عام 1452، وهو طفل غير شرعي لكاتب عدل وخادمة منزل، وقد تدرب على يد الفنان أندريا ديل فيروكيو Andrea del Verrocchio الذي كان بمثابة إحدى السبل الاحترافية القليلة المتاحة أمامه، يمكننا رؤية أنّه كان بالفعل يستكشف التأثيرات البصرية في العشرينات من عمره، وذلك من خلال رسومات الظل الخاصة به في دفاتر ملاحظاته، وربما تلك التي صادفها للمرة الأولى في عمل الحسن.

جمع «كتاب البصريات» كل المعارف المتاحة عن هذا المجال في ذلك الوقت: دراسة جالينوس للعين، وأطروحات إقليدس وبطليموس حول الهندسة، وافتراضات أرسطو عن الروحانيات،

وجميع ما وضعه الحسن في نظرياته، أصبح لدى ليوناردو موضع تنفيذ.

كتب رولاند بارتس Roland Barthes ذات مرة، أنّ الصور التي تجبرنا على أن لا نخضع لها، أو ننصاع إليها، فإنها تجذبنا لها لأنها حالمة وتأمّلية. لوحات ليوناردو مليئة بالأفكار والفرضيات حول المنظور والتشويه، وحول كيفية تأثير السطح المستدير للعين على الإدراك.

جاء تفسير فيوراني للرسومات غير المكتملة، على أن لوحاته كانت بمثابة مختبرات حية. لذا أصبح سير العملية ببساطةٍ أكثر جاذبية لأعمال ليوناردو من النتيجة النهائية.

واحدة من الرغبات، تملّكت فيوراني أثناء إنجاز هذا العمل، لقد كان نهجها مثيرًا للإعجاب ولكنّه منعزل بشكلٍ غريب.

إنها تميل إلى ترديد أطروحتها، ومن ثم تنتهي في مديح متكاسل. لوحات ليوناردو الشبابية «مذهلة». رسومات جمجمته «مذهلة». مناظره الطبيعية «مذهلة». وكذلك رسوماته التشريحية ورسمته لجينيفرا بينشيGinevra Benci ومعاملته للأقمشة والعديد من التقنيات الأخرى التي تستحق أن تُذكر.

تكرار هذا الوصف ملفت للنظر، كما يقترب كسل هذا الوصف من اللامبالاة. هل كانت تتحدث عن تحديات الكتابة عن ليوناردو؟ وكيف يصنع حالة جديدة لعبقريته الواضحة؟ كيف تكتب في أعقاب العديد من الآخرين؟ أحد الأمثلة الحديثة التي نُشرت في العام الماضي فقط، هو السيرة الذاتية الضخمة المكونة من أربعة أجزاء لكارمن بامباخ Carmen Bambach، والتي تصفها فيوراني نفسها بأنه «لم يسبق لها مثيل.»

كلمة أخبرني أردت أن أقولها للكاتب، قل لي -ليس ما شوهد من قبل- ولكن ما رأيته أنت. أحيانًا تفعل فيوراني ذلك تمامًا، وفي فقرات مماثلة يحقق الكتاب الطلاقة والقوة، عندما تفقد ذاتها فيما رأته.

تلاحظ آثار الطلاء اللازوردي على حلق «الموناليزا»، وتتساءل فيما إذا كان مسؤولًا عن إعطائنا الإحساس برؤية نبضها، أو يمكننا أخذ الأداء المتقن للوحة «العشاء الأخير» مثالًا، والذي تشرح فيه كيفية وجود اللوحة في إطارين زمنيين، مع قيام العديد من الشخصيات بإيماءات ستميزهم في المستقبل، يظهر توما على سبيل المثال، وهو يرفع إصبعه الذي سيستخدمه لاحقًا لتهدئة جروح المسيح.

لا يقدم كتاب «رسم الظل» الرضا التقليدي للسيرة الذاتية، فهو يقوم باستحضار عالم ليوناردو ومفارقاته وخصوصياته، وذلك الولع الشهير بالعزلة والسترات الوردية اللون، يوجه الكتاب نظره إلى هواجسه الفنية والفلسفية، قد يبدو تركيزها ضيقًا في بعض الأحيان، ومع ذلك غالبًا ما تكون ملذاتها واسعة بشكلٍ مدهش، يعيد الكتاب توجيه وجهة نظرنا، ويركز على الحياة ويضعها موضع اهتمام، وإنّ كل عمل يُعنى بالمراجعة والتنقيح هو العمل ذو الموضوع المحبب على الإطلاق.

المصادر: 1