[the_ad_placement id="scine_before_content"]

حينما كانت بغداد المركز العلمي للعالم

قد بلغ العلم الإسلامي أوجّه في القرن التاسع بفضل بيت الحكمة لأبي جعفر المأمون.

يشتق حي الباب الشرقي وسط بغداد اسمه، ويعني البوابة الشرقية، من تحصينات المدينة في العصور الوسطى. ربما بنى هذه الجدران في النصف الأول من القرن العاشر. خلال فترة الإقامة البريطانية القصيرة في نهاية الحرب العالمية الأولى، اُستخدمت بوابة الحراسة ككنيسة حامية. ولا شيء من تلك الجدران التي تعود للقرون الوسطى أو البوابة الشرقية باقٍ اليوم. أتذكر باب الشرجي كميدان مترامي الأطراف وصاخب ومزدحم، مع أكشاك الطعام ومحلات التسجيلات المستعملة المنتشرة حول محطة الحافلات المزدحمة ومواقف سيارات الأجرة. لكن اسمها يذكرنا بالتوسع والتحول الذي شهدته هذه المدينة الفخورة على مر السنين منذ تأسيسها في 762 بعد الميلاد كمقر جديد لسلطة الإمبراطورية العباسية العظيمة. في الواقع، لم تضطر أي مدينة أخرى على وجه الأرض إلى تحمل مستويات الموت والدمار التي عانت منها بغداد على مر القرون. ومع ذلك، وباعتبارها عاصمة لإحدى الإمبراطوريات العظيمة في العالم، كانت هذه المدينة الأغنى والأكثر تميزًا وفخرًا على هذا الكوكب لمدة نصف ألف عام.

وبعد 1200 عام بالضبط من تأسيسها، ولدت في حي كرادة مريم، وهو حي شيعي في بغداد به مجتمع مسيحي كبير، على مرمى حجر من المنطقة الخضراء اليوم وعلى بعد أميال قليلة جنوب المكان الذي ولد فيه أحد أشهر حكام بغداد عام 786، اسمه أبو جعفر المأمون. نصف عربي ونصف فارسي، هذا الخليفة الغامض كان مقدرًا له أن يصبح أعظم راعي للعلم في موكب الحكام المسلمين، والشخص المسؤول عن بدء أكثر فترات العلم والتعلم إثارة للإعجاب في العالم منذ اليونان القديمة.

وبحلول القرن الثامن، ومع ضعف أوروبا الغربية في أثناء عصورها المظلمة، غطت الإمبراطورية الإسلامية مساحة أكبر من الإمبراطورية الرومانية في أوجها أو جميع الأراضي التي غزاها وحكمها الإسكندر الأكبر. كانت هذه الإمبراطورية قوية ومؤثرة للغاية لدرجة أن اللغة العربية كانت لغة العلوم العالمية لفترة تمتد لأكثر من 700 عام.

وقد عرف الأمير الشاب مأمون بغداد في أوج مجدها: مدينة شاسعة وجميلة تتميز بقباب وقناطر العمارة العباسية الشهيرة. لقد نمت لتصبح أكبر مدينة في العالم بعد 50 عامًا فقط من وضع الطوب الأول، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن عدد سكانها يزيد عن مليون نسمة.

لم يكن المأمون الخليفة الوحيد الذي دعم العلم والعلوم، لكنه كان بالتأكيد الأكثر ثقافة وعاطفة وحماسة. عندما كان شابًا، كان يحفظ القرآن، ودرس تاريخ الإسلام المبكر، وتلاوة الشعر، وأتقن القواعد العربية الناضجة حديثًا. كذلك درس الحساب وتطبيقاته في حساب الضرائب. والأهم من ذلك أنه كان تلميذًا لامعًا في الفلسفة واللاهوت، أو تحديدًا ما يشار إليه في اللغة العربية بعلم الكلام، وهو شكل من أشكال الجدل والجدال الديالكتيك. وجد علماء الدين الإسلامي الأوائل أن تقنيات الكلام مكنتهم من إجراء مناقشات لاهوتية مع العلماء المسيحيين واليهود الذين عاشوا إلى جانبهم، والذين كان لديهم بداية لعدة قرون لصقل مهاراتهم المناظرة من خلال دراسة كتابات فلاسفة مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو، وهم شخصيات تاريخية من اليونان القديمة كانت أسماؤها معروفة بالتأكيد لمأمون الشاب. وربما تُرجمت بعض أعمالهم إلى العربية بحلول القرن التاسع.

أيضًا تحت رعاية المأمون، وروح الانفتاح على الأديان والثقافات الأخرى التي رعاها، انجذب العديد من العلماء من جميع أنحاء الإمبراطورية إلى بغداد، منجذبين إلى شعور حيوي بالتفاؤل وحرية التعبير. في كل أسبوع، يُدعى الضيوف إلى القصر، لشرب الخمر وتناول العشاء، ثم يبدأون في مناقشة جميع أنواع الموضوعات العلمية مع الخليفة، من اللاهوت إلى الرياضيات. وكان يرسل مبعوثين مسافات طويلة للحصول على نصوص علمية قديمة؛ كان أحدهم يدعى سلمان، وزار القسطنطينية للحصول على النصوص اليونانية من الإمبراطور ليو الخامس (ليو الأرمني). كان يُطلب من الحكام الأجانب المهزومين في كثير من الأحيان، تسوية شروط الاستسلام له بالكتب من مكتباتهم بدلاً من الذهب.

كان المأمون متعصبًا تقريبًا في رغبته في جمع كل كتب العالم تحت سقف واحد وترجمتها إلى العربية وجعل علمائه يدرسونها. المؤسسة التي أنشأها لتحقيق حلمه، جسدت أكثر من أي شيء آخر ازدهار العصر الذهبي العلمي وأصبح معروفًا في جميع أنحاء العالم باسم بيت الحكمة.

لم يتبق أي أثر مادي لهذه الأكاديمية اليوم، لذلك لا يمكننا التأكد بالضبط من مكانها أو شكلها. حتى أن بعض المؤرخين يجادلون ضد الادعاءات المبالغ فيها حول نطاقها والغرض منها ودور مأمون في تأسيسها. ولكن مهما كانت وظيفته، وقد لا يكون العديد من علماء بغداد متمركزين فعليًا داخله، فلا شك في أن بيت الحكمة اكتسب مكانة أسطورية ترمز إلى العصر الذهبي، على قدم المساواة مع مكتبة الإسكندرية قبل 1000 عام .

وقد نما بيت الحكمة بسرعة مع اقتناء نصوص من اليونان وبلاد فارس والهند، وتضخم مع إضافة الترجمات العربية لهذه النصوص، وهي العملية التي أصبحت بالفعل صناعة في بغداد. وقد يسير هذا النمو مع استخدام الورق، الذي تعلم العرب إنتاجه من أسرى الحرب الصينيين، كمواد كتابة جديدة وأرخص تكلفة لتحل محل ورق البردي والرق. كان لدى المترجمين كتاب يسجلون أعمالهم وينتجون نسخًا متعددة من كل نص. فأصبحت بغداد مركز العالم المتحضر بحلول نصف القرن التاسع، وجذبت أفضل الفلاسفة والعلماء العرب والفرس لعدة قرون قادمة.

ولد حنين بن إسحق أشهر مترجمي بغداد في مدينة حراء المسيحية القديمة ولم يعتنق الإسلام قط. كان يقضي سنوات عديدة يسافر حول العالم في بحثه عن المخطوطات اليونانية. يعتبر العمل الطبي للطبيب جالينوس هو أهم إرث له، لأنه لم يفتح العالم الإسلامي على هذا الكنز العظيم فحسب، بل وصل إلينا اليوم الكثير من أعمال جالينوس فقط عبر هذه الترجمات العربية.

قُدم الشاب «حنين» إلى المأمون من قبل الإخوة بني موسى، وهم ثلاث شخصيات مميزة مرتبطة أيضًا ببيت الحكمة. يُقال إن الأكبر هو محمد، وكان أول شخص يقترح أن الأجرام السماوية مثل القمر والكواكب كانت تخضع لنفس قوانين الفيزياء كما هو الحال على الأرض، مما يمثل انفصالًا واضحًا عن الصورة الأرسطية للكون. ويظهر كتابه «الحركة النجمية وقوة الجاذبية»، إشارات واضحة على أن لديه فكرة نوعية بدائية عن مثل هذه القوة، وإن كانت بعيدة كل البعد عن قانون نيوتن العالمي للجاذبية. ربما اشتهر الأخوان باختراعاتهم ومشاريعهم الهندسية الرائعة، كان أشهرها كتابهم عن الأجهزة المبتكرة (كتاب الحيال)، الذي نُشر عام 850. كان هذا عملًا مصورًا كبيرًا على الأجهزة الميكانيكية التي تضمنت الآلات والألغاز والحيل السحرية، بالإضافة إلى ما نشير إليه اليوم «ألعاب تنفيذية». وقد يكون أحد أكثر الأمثلة إثارة للإعجاب هو أقدم مثال على آلة قابلة للبرمجة: عازف الفلوت الآلي. شخص آخر يعمل في بيت الحكمة من قبل مأمون معروف حتى يومنا هذا ببساطة باسم «فيلسوف العرب». كان اسمه الكندي (801-873). وكان أول الموسيقيين العباسيين. وُلد الكندي في البصرة، وهو عربي من قبيلة كندة القوية، ويُعتقد أنه انتقل إلى بغداد في وقت مبكر من حياته وتلقى تعليمه هناك. عالم رياضيات عظيم، درس تحليل الشفرات وكان أول كبير منظّر للموسيقى في الإمبراطورية الإسلامية. لكنه اشتهر في الغالب بكونه أول من أدخل فلسفة أرسطو إلى العالم الناطق باللغة العربية، مما جعلها في متناول الجمهور المسلم ومقبولة. كان محور عمل كندي هو الطريقة التي دمجت بها كتاباته الفلسفة الأرسطية مع اللاهوت الإسلامي، مما أوجد منصة فكرية للنقاش بين الفلاسفة وعلماء الدين سيستمر لمئات السنين.

عملاق آخر لبغداد المأمون هو عالم الرياضيات محمد بن موسى الخوارزمي. كتب أحد أشهر مؤرخي العلوم في القرن العشرين، جورج سارتون، كتابًا مرجعيًا متعدد المجلدات بعنوان مقدمة إلى تاريخ العلوم، يقسم فيه تاريخ العالم، يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، إلى فصول نصف قرن، سميت كل واحدة على اسم أهم عالم في ذلك العصر من أماكن مختلفة من العالم. الفترة ما بين 800 و 850 يشار إليها باسم زمن الخوارزمي.

ولد خوارزمي قرابة عام 780 وتوفي نحو عام 850. يشير اسمه إلى أنه كان في الأصل من خوارزم، إحدى مقاطعات أوزبكستان. عمل في بيت الحكمة كعالم رياضيات وجغرافيا وعالم فلك. الى جانب الكندي، كان له دور فعال في تعريف العرب بالأرقام العشرية الهندوسية التي نستخدمها اليوم. لكن أعظم إرث له هو كتابه الاستثنائي عن الجبر. وبالفعل، فإن كلمة «الجبر» مشتقة من عنوان هذا الكتاب: كتاب الجبر (كتاب الإكمال) الذي يضع فيه لأول مرة قواعد وخطوات حل المعادلات الجبرية.

وقد تميز عهد مأمون بأكثر من مجرد الكتابات العلمية لهؤلاء العباقرة الأفراد. لم يكتف مأمون بإقامة مقره التعليمي، فأمر ببناء أول مرصد فلكي في بغداد قرابة العقد الثاني من القرن التاسع. كانت هذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكن علماء الفلك من التحقق من دقة النصوص الفلكية اليونانية والفارسية والهندية المتنوعة والمتضاربة تحت تصرفهم، وأبرزها لبطليموس المجسطي.

وربما كان المرصد أول مشروع علمي واسع النطاق تموله الدولة في العالم. علينا فقط أن ننظر إلى المشاريع الحالية متعددة الجنسيات والتي تقدر بمليارات الدولارات مثل مصادم الهدرونات الكبير في سيرن في جنيف للتعرف على ما تمكن مأمون من تحقيقه على نطاق أكثر تواضعًا، ولكن مع هذه النتائج المذهلة. علاوة على ذلك، شَكل فريق مثير للإعجاب من علماء الرياضيات وعلماء الفلك والجغرافيين للتعاون في رسم خريطة جديدة للعالم، ثم كلفهم بابتكار طريقة جديدة لقياس محيط الأرض. بهذا المعنى ، فإن إرث مأمون الحقيقي هو أنه كان أول من مول «المشاريع العلمية الكبيرة».

أما بالنسبة للفيلسوف الكندي، الذي عاش بعد المأمون، فيبدو أنه وقع ضحية مؤامرة قادها الأخوان بني موسى، الذين شعروا بالغيرة من مكتبته الشخصية الواسعة وتآمروا عليه حتى أقنعوا الخليفة آنذاك، آل- المتوكل (847-861) لطرده من بيت الحكمة. عاش سنواته المتبقية رجلاً وحيدًا وبعد وفاته سقط عمله الفلسفي في الغموض.

أحيت أفكاره في القرن العاشر من قبل الفيلسوف التركي الفارابي، الذي واصل مهمة الكندي في أسلمة الفلسفة اليونانية وسيقوم بنفسه بتسليم المشعل إلى رجلين حققوا شهرة كبيرة في أوروبا وسيؤثرون بعمق على العديد من مفكري عصر النهضة. كانا ابن سينا ​​(980-1037) وابن رشد (1126-98)، وكلاهما مألوف أكثر في الغرب بأسمائهما اللاتينية: Avicenna and Averroës.

يُعرف الأول بأنه طبيب وهو إلى حد بعيد أشهر علماء الإسلام. كان كتابه القانون في الطب مطلوبًا للقراءة في عصر النهضة في أوروبا حتى القرن السابع عشر، وهي فترة صلاحية رائعة. وفي الوقت نفسه، يُنظر إلى ابن رشد المولود في قرطبة، على أنه آخر الفلاسفة المسلمين العظماء.

هناك العديد من الرجال العظماء الذين اُنست مساهماتهم في الغرب، مثل العبقري العراقي ابن الهيثم، أعظم فيزيائي في فترة 2000 عام بين أرخميدس ونيوتن، البيروني، والفارسي متعدد المواهب والذي يعتبر دافنشي الإسلام: الطوسي، عالم رياضيات وفلك من شأنه التأثير على كوبرنيكوس، وابن خلدون، الأب المعترف به للعلوم الاجتماعية والنظرية الاقتصادية. كل هؤلاء الرجال لا يقل جدارة عن ذكرهم في تاريخ العلم من أرسطو أو جاليليو أو نيوتن أو أينشتاين.

بالطبع، لن نعرف أبدًا كيف كانت الحياة داخل بيت الحكمة. ولكن من الثابت وغير المثير للجدل أن الأكاديمية السابقة في الإسكندرية كانت بالمثل أكثر من مجرد مكتبة، لأنها لم تجمع تحت سقف واحد الكثير من المعرفة المتراكمة في العالم فحسب، بل عملت كمغناطيس وعامل جذب للعديد من أعظم المفكرين في العالم والعلماء. إن رعاية الأسرة البطلمية المصرية، التي وفرت السفر والإقامة والرواتب لهؤلاء الرجال لا تختلف كثيرًا عن المنح البحثية الحكومية التي يتلقاها الأكاديميون الجامعيون في جميع أنحاء العالم اليوم لإجراء أبحاثهم.

إذا كان هذا الإسقاط العكسي لفكرتنا عن مؤسسة بحثية لصالح مكتبة الإسكندرية، فهو صحيح تمامًا في حالة بيت الحكمة في بغداد. أصبحت البذرة التي تنبت منها جميع الإنجازات اللاحقة لهذا العصر الذهبي للعلوم، من أوزبكستان في الشرق إلى إسبانيا في الغرب.

أتذكر، كصبي نشأ في العراق، أنني سمعت فقط عن أمثال الكندي والخوارزمي خلال دروس التاريخ، بدلاً من دروس العلوم. ليست قصصهم مثرية جدًا للآذان الغربية فحسب، بل آمل أن أذكر أولئك في العالم الإسلامي اليوم بتراثهم العلمي الغني، وكيف أن فهمنا الحالي للعالم الطبيعي يرجع في جزء كبير منه إلى مساهمات هؤلاء العلماء العظماء، قد يغرس هذا في كثير من الناس شعورًا بالفخر وربما يدفع بأهمية البحث العلمي العقلاني إلى حيث ينتمي: أي في صميم ما يعرّف ويميز المجتمع المتحضر والمستنير.

المصادر: 1