العلم يفاجئنا: كلّنا لاجئون على هذه الأرض!

يميل البشر عمومًا إلى الانبهار ببدايات نشأتهم، في قصص الجذور والأصول من خلال الثقافات والأديان مرورًا بالأعراق والجنسيّات. تُخبِرنا هذه القصص من أين أتَينا، كيف اندمجنا وكيف يمكننا أن نتكيّف معًا.

تُعتبر الجينات البشريّة إحدى هذه القصص، وهي القصّة التي يشاركها أيّ شخصٍ يحمل الدنا DNA البشريّ.

كُشف الكثير عن كيفيّة تنقّل البشر الأوائل وتحرّكهم حول العالم، وسكنهم على كلّ قطعة أرضٍ. كان ذلك عبر اكتشاف العلماء مزيدًا من الدنا DNA البشريّ القديم، وأخذهم لعيّنات من الدنا DNA الحديث وتطويرهم للمزيد من طرق التحليل العلميّ للمادّة الجينيّة.

إذن، بعد آلاف وآلاف السنين من الهجرة المستمرّة، هل هناك أشخاص لم يغادروا المكان الذي يُعتقد أنّ الإنسان العاقل Homo sapiens تطوّر فيه؟ بعبارة أخرى، هل هناك أيّ شخصٍ على الأرض ليس مهاجرًا؟

بحسب أوستن رينولدز Austin Reynolds، البروفيسور المساعد في الأنثروبولوجيا والمتخصّص في علم الوراثة البشريّة من جامعة بايلور Baylor University في تكساس: «من وجهة نظرٍ علميّة، ربّما يكون الأشخاص الوحيدون الذين يُمكن اعتبارهم غير مهاجرين هم بعض المجموعات الناطقة بلغة الخو سان Khoe-San في جنوب إفريقيا».

يشير مصطلح خو سان Khoe-San إلى مجتمعات إفريقيّة معيّنة في مناطق بوتسوانا وناميبيا وأنغولا وجنوب إفريقيا يتحدّث سكّانها لغات متشابهة تمتاز بطقطقةٍ ساكنةٍ.

يوضّح رينولدز: «هناك عاملان رئيسيّان يشيران إلى أنّ مجموعات Khoe-San قد تكون منحدرة غير مهاجرة من البشر الأصليين: لأنّهم يعيشون في المكان الذي من المُحتمل أن يظهر فيه البشر لأوّل مرّة، ولديهم قدرٌ كبيرٌ من التنوّع الجينيّ». يضيف رينولدز: «إنّ إحدى الطرق الجيّدة لفهم سبب إشارة التنوّع الجينيّ الكبير للسلف الأصليّ تتمثّل بمقارنة الجينات في وعاءٍ من الحلويات الملوّنة على سبيل المثال. حفنات أُخرجت من الوعاء -أي الأشخاص الذين انفصلوا عن السكّان الأصليين- قد تحتوي على لونين فقط من هذه الحلويات، لكنّ الوعاء الأصليّ سيكون به كلّ الألوان».

ومع ذلك، على الرغم من قرب مجموعات Khoe-San من”مهد الجنس البشريّ” الذي يُضرب به المثل وبتنوّعها الجينيّ الكبير، فإنّ فكرة اعتبارها آخر الشعوب الأصليّة جينيًّا لم يتمّ حسمها قط.

لا يعلم الباحثون على وجه اليقين أنّ جنوب إفريقيا هي مهد الجنس البشريّ. يعتقد بعض العلماء، ومن ضمنهم رينولدز، أنّ البشر قد تطوّروا لأوّل مرّة في شرق إفريقيا. ولكن لم يجمع العلماء أدلّةً أثريّةً كافيةً في أيٍّ من المنطقتين للتأكّد تمامًا من المكان الذي ظهر فيه الإنسان العاقل لأوّل مرّة.

بحسب مارك ستونكينغ Mark Stoneking، عالِم الوراثة الجزيئيّة في معهد ماكس بلانك Max Planck للأنثروبولوجيا التطوّريّة في ألمانيا: «هناك أيضًا احتمال أن يكون الناس قد تطوّروا في غرب إفريقيا. كما أنّ البيئات المختلفة تقوم بعملٍ أسوأ أو أفضل في الحفاظ على البقايا الأحفوريّة، لذا لمجرّد وجود بقايا بشريّة أو عدم العثور عليها في أماكن محدّدة لا يعني ذلك أنّ البشر لم يعيشوا هناك منذ فترةٍ طويلةٍ».

لا يعتقد ستونكينغ أنّ هناك أشخاصٌ وُجدوا على الأرض وليسوا مهاجرين – علميًّا على الأقلّ.

أكّد ستونكينغ: «كان الناس دائمًا في حالة تنقّلٍ». أظهرت أبحاثه الوراثيّة الأخيرة على السكّان في جميع أنحاء آسيا أنّ هناك لمسةٌ من كلّ شخصٍ لدى أيّ شخصٍ آخر. وأشار ستونكينغ: «إنّ جميع الشعوب كانت على اتّصال بالآخرين، بما في ذلك مجموعات Khoe-San، وفقًا للأدلّة في جيناتهم وثقافاتهم ولغاتهم».

أوضح ستونكينغ: «إنّ البشر الأوائل تحرّكوا على نطاقٍ واسعٍ في جميع أنحاء إفريقيا لأكثر من 100,000 عامٍ قبل مغادرتها، وفي هذه المرحلة انتقلوا من شرق إفريقيا إلى الشرق الأوسط. من المُحتمل أنّه بعد فترةٍ وجيزةٍ، توجّه الناس باتجاه الجنوب الشرقيّ على طول الساحل الهنديّ، مع العديد من موجات المهاجرين التي تتبع هؤلاء المغامرين الأصليين على مدى عشرات الآلاف من السنين. على طول الطريق، كان التبادل الكبير للدنا DNA ممكنًا، وهذان المكوّنان -الحركة والتمازج- يشكّلان خاصيّةً مميّزةً للجنس البشريّ».

وختم ستونكينغ: «البشر يحبّون الهجرة وممارسة الجنس». ويبدو أنّ ذلك كان منذ زمنٍ سحيقٍ.

المصادر: 1