[the_ad_placement id="scine_before_content"]

لدونة الدماغ تنتصرمرة أخرى: كيف يتكيف الدماغ عندما يفقد وسيلة الاتصال بين نصفيه؟

بين نصفي أدمغتنا فجوة مليئة بالسائل، ويتصلان مع بعضهما فقط من خلال الجسم الثفني: وهو عبارة عن جسر من الألياف العصبية التي تنقل المعلومات بين الجانبين.

ولكن يولد بعض الأشخاص بدون الجسم الثفني، مما يعني أنهم يفتقرون إلى الطريق العصبي السريع المعتاد الذي يضم 190 مليون محور عصبي تقريبًا، والتي تنقل المعلومات عادةً بين نصفي الكرة المخية الأيمن والأيسر.

كيف تتكيف أدمغتهم؟

أظهرت الدراسات إن الأفراد الذين لم يطوروا هذا الاتصال الرئيسي أبدًا، فإن الدماغ يعيد التوصيل ويخلق مسارات ربط جديدة تمامًا تعيد توجيه الإشارات عبر مناطق الدماغ الأخرى، مما يحافظ على تدفق الاتصال عبر الفجوة بين الدماغ الأوسط والأمامي.

تذكرعالمة الأعصاب فانيسا سيفريدي (Vanessa Siffredi):« أن الألياف الجديدة التي بُنيت لإعادة توصيل نصفي الكرة المخية، والتي تسمى أحيانًا (حزم بروبست)ليست بديلاً مثاليًا للجسم الثفني ولكنها تحافظ على الاتصال بين نصفي الكرة المخية».

لا يزال الكثير حول هذه العملية لغزًا، لكن بحثًا جديدًا من فانيسا سيفريدي وزملاؤها يكشف الآن إن مرونة الدماغ لدى الأطفال الذين يفتقرون إلى الجسم الثفني تعمل بشكل أكثر كفاءة من غيره.

وتُظهر نتائج التصوير من دراسة أجريت على أطفال أستراليين أن الأدمغة التي تفتقر إلى الجسم الثفني تخلق عددًا ملحوظًا من الوصلات الجديدة داخل كل نصف كرة، مما يساعد في الحفاظ على وظيفة الدماغ عمومًا.

يولد شخص واحد من بين كل 4000 شخص بدون الجسم الثفني، والذي يبلغ قياسه عادةً 10سنتيمترات(حوالي 4بوصات)، ويتطور في الرحم في الأسبوع 20 من الحمل.

ويعاني ما يقارب من نصف الأشخاص الذين يولدون بدون الجسم الثفني من صعوبات في التعلم والذاكرة. ويعاني البعض منهم من ضعف الانتباه وقلة المرونة الإدراكية مقارنة بأقرانهم، ويمكن أن يتأثر البعض الآخر بشكل أكثر حدة. وفي الجهة الأخرى، فإن ربع الأشخاص الذين شُخصوا لا يظهرون مطلقًا أي علامات مرئية لأي اعتلال.

واعتقد الباحثون أن النظر إلى اتصال الألياف العصبية داخل كل نصف كرة بصرف النظر عن كونه علامة أخرى على قابلية الدماغ للتأقلم قد يؤدي أيضًا إلى تفسير هذا التباين في التأثيرات.

وفي دراسة، فُحصت أدمغة الأطفال باستخدام جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي إذ يمكن للباحثين النظر في الروابط بين أجزاء مختلفة من الدماغ، 20طفلًا (تتراوح أعمارهم بين 8 إلى 17عامًا) ولدوا إما بدون الجسم الثفني أو بجسم غير مكتمل، قورنت بالفحوصات المأخوذة من 29 طفلًا سليمًا لديهم جسم ثفني سليم، إضافة لإكمال الأطفال أيضًا لمهام اختبار ذاكرتهم العاملة (قصيرة المدى) وانتباههم وقدراتهم على التعلم اللفظي.

وجد الفريق أن الدماغ يستجيب لهذا الحدث عن طريق زيادة قوة المسارات العصبية داخل كل نصف كرة مخية، وذلك من خلال تحليل الروابط الهيكلية في صور كامل دماغ الأطفال الذين لديهم جسم ثفني غير مكتمل.

بينما أظهر الأطفال الذين يعانون من عدم تكوين الجسم الثفني اتصالًا أكبر داخل كل نصف كرة مخية مقارنة بمجموعة الأطفال الأصحاء.

والأمر المذهل، عند تحليل الروابط الوظيفية عبر فحوصات دماغ (في 16طفلًا فقط يعانون من عدم تكوين الجسم الثفني هذه المرة) لم يكن هنالك فرق كبير بين المجموعتين.

فكانت أجزاء من أدمغة الأطفال لا تزال تتواصل بنشاط مع مناطق أخرى، داخل نصفي الكرة المخية وفيما بينها، بالرغم من عدم وجود الجسم الثفني، وكان هذا الاتصال الوظيفي مشابهًا لأقرانهم الأصحاء الذين يمتلكون الجسم الثفني المتطور طبيعيًا.

ومرة أخرى، تنتصر لدونة الدماغ على أوجه القصور الهيكلية في نموه وفقًا للنتائج الأولية.

وتشير العالمة سيفريدي: «نعتقد أن آليات اللدونة تعوض عن نقص الألياف العصبية بين نصفي الكرة المخية، مثل تقوية الروابط الهيكلية داخل كل نصف الكرة المخية».

وتضيف أيضًا: «ينشا اتصالات جديدة ويُعاد توجيه الإشارات بحيث يحافظ على الاتصال بين نصفي الكرة المخية».

اكتشف الباحثون أيضًا أن الاتصال الهيكلي الأكبر داخل نصفي الكرة المخية عند التركيز فقط على الأطفال الذين يعانون من عدم تكوّن الجسم الثفني ونتائج اختباراتهم قد ارتبطت بنتائج أفضل على مستوى كل من التعليم والذاكرة طويلة المدى والذاكرة العاملة (قصيرة المدى) والانتباه.

على الرغم من إن عدد الأطفال المشاركين في هذه الدراسة قد يبدو صغيرًا إلا أنه كبير للبحث الذي يدرس هذه الحالة، وهناك أيضًا عدد قليل من الدراسات حتى الآن التي تربط بين تصوير الدماغ والنتائج السلوكية مثل هذا البحث.

مع الإشارة أيضًا إلى إن بعض الأطفال الذين خضعوا للدراسة لديهم تشوهات دماغية أخرى بالإضافة إلى الجسم الثفني المفقود وعلى الرغم من ذلك إن هؤلاء الأطفال أظهروا مستويات مماثلة من اللدونة لزملائهم في المجموعة.

عمومًا، يعد هذا مثالًا رائعًا على مرونة الدماغ في العمل، ويمكن أن تساعد النتائج الجديدة في تفسير سبب نجاح بعض الأطفال بشكل أفضل من غيرهم مع أنهم يعانون من هذه الحالة الاستثنائية.

المصادر: 1