ما الذي يجعل من ميسي مراوغا وهدافا من وجهة نظر علمية؟

يطلق على ليونيل ميسي لقب أفضل لاعب كرة قدم على مر العصور. ولد ميسي في مدينة روزاريو في الأرجنتين، ويلعب حاليًا لدى نادي برشلونة لكرة القدم. بدأ ميسي في البداية كمهاجم جناح أيمن يراوغ أو يخترق الوسط بقدمه اليسرى إما للتسديد أو للعب تمريرة حاسمة تشق قلب الدفاع.

وأخيرًا، لعب ميسي كمهاجم وهمي تحت إدارة بيب غوارديولا Pep Guardiola، مهاجم ينسحب إلى الخلف ويتلقى الكرة منسحبًا للخلف أكثر، ثم يمررها للاعبي خط الوسط. في الوقت الحاضر، يمكن العثور على ميسي يلعب في أي مكان في الملعب، إما يدخل من اليمين أو يتجول في وسط الملعب.

يُعزى جزء من دوره بالتجول في أرض المعلب إلى رؤيته الكروية الإبداعية، والجزء الآخر إلى قدرته الفائقة على المراوغة.

غالبًا ما يتجاوز ميسي بشكلٍ خبيث دفاعات خصومه من خلال المراوغة بإشغال اللاعبين وفتح مجال خلفهم. ومن هذه المساحة الفارغة، تكفي ميسي أجزاء من الثانية للبحث عن زميله في الفريق وتمرير الكرة له.

حركته المميزة هي الخدعة، حيث يهز قدمه محركًا الكرة وبسرعة إلى الساق الأخرى ليتوه خصمه، المذهول في هذه الأثناء فيفقد ايقاع الحركة، فيتوجه للاتجاه الخاطئ ويسقط أرضًا بسبب ضعفه. وفي الآونة الأخيرة، أصبح محطًا للإعجاب لأدائه حركة تمرير الكرة بين قدمي اللاعب (الكوبري).

عندما كان يبلغ من العمر 10 سنوات، شُخِّص بأن لديه نقص في هرمون النمو، مما جعل قامته قصيرة جدًا ومنعه من النمو كالأطفال الآخرين. سيكلف العلاج والده ما لا يقل عن 1000 دولار شهريًا. اعترفت برشلونة بموهبة ميسي المبدعة، إلا أنها وقعت معه بعد اختباره. وتضمن العقد تغطية تكاليف علاجه، وما يزال ميسي حتى اليوم ممتلئ قليلًا ويبلغ طوله 170 سم.

على الرغم من هذا البلاء الصحي، إلا أن علة ميسي الوراثية جعلته بالصدفة أحد أفضل لاعبي كرة القدم على مر العصور. فهو مهيأ علميًا ليكون الأفضل. هذا بالتأكيد ادعاء جريء للغاية، لكن الفيزياء البسيطة ستظهر أنه صحيح.

وأريد أن أؤكد أن لا علاقة للطول بالقدرات الكروية العالية. فهناك عدد من لاعبي كرة القدم غير ميسي قُصار القامة، لكنهم لم يستطيعوا إنجاز ما أنجزه ميسي. وهذا بالطبع تناقض ويعزى إلى عوامل أخرى سأناقشها في القسم الأخير من المقالة.

انخفاض مركز الثقل

غالبًا ما يلجأ المعلقون للابتذال لوصف مراوغة ميسي مثل قولهم أن «الكرة ملتصقة بقدميه». على الرغم من عوزه البدني، إلا أن ميسي نادرًا ما يهوي أو يسقط على الأرض بعد اصطدامه بحشد من خصوم أقوياء. سيطرته على الكرة لا جدال فيها. ويرجع هذا التماسك إلى كون مركز ثقله منخفض.

عندما تؤثر قوة الجاذبية على الجسم، فإن كل جزء من أجزاء هذا الجسم ينجذب نحو الأرض. والقوة المحصلة هي وزن الجسم.

فأي نقطة تؤثر على هذه القوة الناتجة؟ لشرحها بطريقة أخرى، يمكن تجميع القوى الفردية في قوة واحدة تؤثر على نقطة واحدة في الجسم. وفي هذه النقطة الافتراضية يتركز وزن الجسم وتُعرف باسم مركز ثقل الجسم (COG).

مركز ثقل الجسم هو النقطة التي تتوازن فيها كافة الأوزان الفردية. وهو غير ثابت ويختلف حسب وزن وتوزيع هذا الوزن داخل الجسم. ففي الكرة المثالية تقع هذه النقطة في مركزها. ومع ذلك، تؤثر الجاذبية بطرق أكثر تعقيدًا بحسب تغير شكل الجسم.

وحتى لو كان الشكل مشوه فهناك نقطة تتوازن فيها جميع القوى لكنها لا تقع في مركز هذا الجسم. من المقدر أن يكون مركز ثقل البشر حول الخصر تقريبًا. وأحد النتائج المهمة هو أن هذا المركز ينخفض للأسفل لدى الأجسام الأقصر والممتلئة، ويرتفع للأعلى لدى الأجسام الأطول.

يرتبط مركز ثقل الشخص ارتباطًا وثيقًا بالتوازن والثبات. تخيل أنك تحني رأسك تدريجياً نحو الأرض. في كل خطوة من خطوات الإمالة للأمام، ينتقل مركز ثقل جسمك للأعلى، حيث يزداد الوزن. بدون أي تغيير في موطئ القدم، ستؤثر قوة الجاذبية على هذه النقطة الجديدة كعزم دوران وتقلبك على كعبك، مما يجبرك على الوقوع.

تعتمد قوة السقوط على المسافة بين النقطة الجديدة ومركز الثقل الأصلي. هذا يعني أن الأشخاص الأطول سيجدون صعوبة في التوازن عندما يتعرضون لدفعات عديدة.

على العكس من ذلك، نظرًا لأن هذه المسافة أصغر بالنسبة للأشخاص الأقصر، فمن الصعب إخلال توازنهم. على الرغم من أن الأشخاص الأطول قد يجدون صعوبة في الانحناء، إلا أنهم يمكنهم الثبات من خلال خفض مركز ثقل الجسم بالجلوس على كرسي على سبيل المثال.

يصبح فهم هذا المبدأ أسهل عندما نقيسه على الأبواب. يمكن فتح الباب على مصراعيه بأخف دفعة عندما تطبق القوة عند حافته. في حين تتدرج صعوبة فتحه كلما اقتربت نقطة الدفع من المفصلة. لوحظ أن ذروة المقاومة تقع عند النقطة المتاخمة مباشرة لمفصلته. وكلما ابتعدت نقطة الدفع عن المفصلة، يصبح فتح الباب أسهل.

بالعودة إلى ميسي، لربما يمكننا الآن أن نفهم لماذا يستطيع ميسي الثبات على قدميه، على الرغم من تعرضه للركل والدفع المتواصل. كما إن انخفاص مركز ثقله يسمح له التباطؤ والتسارع بسرعة خاطفة. من المقبول إلى حد ما القول بأن ميسي مُهيئ وراثيًا ليصبح، إن لم يكن الأفضل، واحد من أفضل لاعبي كرة القدم الذين مارسوا اللعبة على الإطلاق.

الطبيعة مقابل التنشئة

لن يكون أي تحليل رياضي محايدًا دون الاعتراف بجدال الطبيعة مقابل التنشئة. نعم، ميسي لديه مركز ثقل منخفض ويظل ثابًتا على قدميه، ولكن الأهم من ذلك، على الرغم من الوكزات التي يتعرض لها، إلا أنه يتمكن من المحافظة على الكرة. لذلك، أطلق عليه التعبير المجازي “اللاصق”، لكن هل ينطبق هذا على كل لاعب كرة قدم ممتلئ الجسم دخل أرض الملعب؟

عزو هذه القدرة المذهلة على المراوغة إلى تركيبته الجينية وطبيعته، كلام ظالم لسنوات التدريب المكثف التي خاضها خلال فترة مراهقته. على الرغم من أن موزارت مهيئ وراثيًا لفهم الموسيقى، إلا أن كل ذلك كان من الممكن أن يذهب هباءً من دون تمرين.

لا يمكن لميسي تحقيق هذه العظمة من دون تدربه على تمارين هادفة ومدروسة، كما هو الحال بالنسبة لأي شخص! ونظرًا لكونه ضعيفًا بدنيًا، لن يتفوق ميسي في مسيرته في خط الدفاع. قاده شغفه ورغبته في الفوز إلى تطوير شكل فريد من القوة والتدرب بجد للتنافس مع نخبة الرياضيين.

بالعودة إلى الطبيعة، يظهر ميسي مزيجًا فتاكًا من القدرة على التحمل والسرعة. بين أحد الأبحاث المتعلقة بمراوغة كرة القدم أن دحرجة الكرة يزيد زيادة كبيرة من بذل الطاقة ومجهود الحركة، بالإضافة إلى زيادة لاكتات الدم عند دحرجتها بسرعة عالية.

تشير مستويات اللاكتات في الدم إلى إنتاج حمض اللاكتيك وتراكمه. وهذا هو نفس الحمض المسؤول عن الحرق والإرهاق الذي نشعر به في عضلاتنا بعد جلسة تمرين مكثفة. علاوة على ذلك، فإن اندفاعات ميسي المفاجئة من تباطؤ وتسارع لتنفيذ خدعته تجهد الجسد أكثر من مجرد الركض السريع، لأن هذه الحركات “تزيد من عملية الأيض”.

ما أهمية هذا؟

كشفت دراسة أن خصائص السرعة والقوة تأثرت بنسبة 30٪ إلى 90٪ بالعوامل الوراثية، بينما تأثرت ذروة امتصاص الأكسجين أو التحمل بنسبة 40٪ إلى 70٪ بالعوامل الوراثية. ميسي موهوب بالفطرة بهذه السمات، على الرغم من أنه من غير العدل أبدًا تجاهل تنشئته ووضع طبيعته في المقدمة.

بعد اختباره عام 2000، أراد مدير الفريق الأول Charly Rexach التعاقد مع الطفل المعجزة على الفور. وبسبب عدم وجود وثائق قانونية، وقع ميسي عقده الأول على ظهر منديل ورقي. هذا الطفل النحيف قليل الكلام، إلى حد اعتباره صامتًا، ساعد برشلونة بالفوز بعدد لا يحصى من الجوائز حتى فاز بخمس جوائز Ballon d’Or قياسية.

لقد فاز ميسي بكل الجوائز، باستثناء جوهرة تاج كرة القدم crown jewel of football وكأس العالم، وهذا ما استطاع مادرونا فعله.

بتسديد أكثر من 600 هدفًا، يصبح ميسي أكثر هدّاف في تاريخ نادي برشلونة. رافقته جدته لأمه سيليا Celia إلى التدريب والمباريات عندما كان طفلاً. توفيت سيليا بعد فترة صغيرة من عيد ميلاده الحادي عشر، مما أثر بشدة على ميسي الشاب. يحتفل بأهدافه من خلال النظر إلى السماء والإشارة إليها كإشادة لها.

المصادر: 1