[the_ad_placement id="scine_before_content"]

الروّاد: العصر الذهبي للعلم العربي

تحمل إحدى أشهر لوحات الفنان والمعماري رافائيل اسم (مدرسة أثينا)، وهي لوحة مصنوعة من الجِبس تتموضع على جدار القصر البابوي في الفاتيكان، وتحمل رسومًا لأعظم فلاسفة العالم.

يقف أرسطو وبلاتو في منتصف الصورة ليحيط بهم قامات مثل سقراط وفيثاغورس وديوجانس الكلبي.

يتواجد مسلم واحد فقط بين الفلاسفة اليونانيين المعروفين ألا وهو: ابن رشد (أو أفيروس، كما كان معروفًا عند رفائيل واليونانيين). ما كان تواجده إلا دليلًا على سمو الدرجة التي بلغها توقيره بين الشخصيات الريادية في عصر النهضة، كما يشير إلى ذلك كونه الفيلسوف المسلم الوحيد في الصورة.

يعد ابن رشد واحدًا من أكثر المفكرين المسلمين أهمية وعظمة، أولئك الذين شكلت أعمالهم دعامة بروز عصر النهضة، حيث كانت ثلة منهم فقط معروفة لدى أوروبا المسيحية.

لم تتغير الأمور كثيرًا بعد مرور نصف ألفية من السنين، فلربما سمع المثقفون الغربيون بابن رشد، وكذلك ابن سينا، أو أفيسينا كما كان معروفًا في أوروبا. أما باقي الفلاسفة المسلمين فيعرفهم قلة قليلة من المثقفين الغربيين.

يتماهى المشهد التقليدي ببروز بعض القيم الفكرية في الفترة الواقعة بين عصر تألق الفلسفة اليونانية وازدهار النهضة الإيطالية، واللتان يتوسطهما ما يسمى بالقرون الوسطى أو العصور المظلمة كما يعرفها الأوربيون.

في الواقع، ازدهر في هذه العصور المظلمة تقليد فكري شبيه لحقبتي الازدهار السابقة واللاحقة بها. إذ تركز بدايةً في بغداد ثم انتقل إلى قرطبة، حيث لعبتِ الفلسفة والعلم العربيان دورًا مصيريًا ليس فقط في الحفاظ على إرث اليونانيين ووضع الأسس لعصر النهضة والثورة العلمية فحسب، بل في توسيع حدود المعرفة أيضًا.

جيم الخليلي هو فيزيائي نظري ويشغل أيضًا مقعدًا في المشاركة العامة في العلوم Public Engagement in Science.

للخليلي شغف ليس في إظهار حقائق العلم لشريحة واسعة من العامّة فحسب، بل يتعداه إلى تعريفهم بتاريخ العلم.

وُلد الخليلي في بغداد مع رغبة جامحة بداخله لإعادة إحياء تاريخٍ لعبت فيه تلك المدينة دورًا بارزًا.

تنبثق أصول العصر الذهبي للعلم عند العرب من الاحتياجات الواقعية للمملكة الإسلامية التي تمددت في القرنين السابع والثامن للميلاد، لتبسط سيطرتها في النهاية من الهند وصولًا إلى المحيط الأطلسي.

أصرّ خلفاء المسلمين بغية ضمان إدارة أفضل ووصولًا للتكنولوجيا على ترجمة المستندات إلى العربية.

سرعان ما استثمرا كل متعطش للعلم في مجاله، لتضم الإمبراطورية الجديدة في حدودها دارًا ثمينة من الكتب التي كانت في غالبها يونانية وفارسية، حيث ترجموا إلى العربية جميع كتب الطب والتاريخ العادي والفضاء والفلسفة.

قام الخليفة المنصور في أواسط القرن الثامن الميلادي ببناء مدينة بغداد الجديدة لتكون عاصمة لإمبراطوريته، وفيها قام حفيده العظيم الخليفة المأمون ببناء ما كان يُعرف بدار الحكمة، وهو مكتبة شهيرة ومركز للمنح العلمية التي ساعدت في تحويل بغداد إلى أعظم مركز فكري في عصرها.

بدأت خلال النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي حركةُ الترجمة بالتخافت بشكل واسع لأن كل الأعمال العظيمة كانت قد تُرجمت ودُرست مسبقًا. بدأت عندئذ حركة جديدة وليدة المنح الدراسية العربية البديعة، حيث انبثقت تلك الحركة من رغبة بتفحص تجريبي لمآثر الأسلاف المتواجدة في نصوص مثل موسوعة المجسطي Almagest لأفلاطون التي لطالما اعتبرت عملًا فلكيًا لا مجال للشك فيه.

نصب الخليقة المأمون مرصدًا فلكيًا قرب بغداد، وهو أول مشروع علمي واسع النطاق ممول حكوميًا كما يصفه الخليلي. ساهم جنبًا إلى جنب مع مرصد فلكي أعظم أُنشئ قرب طهران في إحداث نقلة نوعية في علم الفلك وساعدا في تأسيس الرياضيات التي بدونها لم يتسنّ لكوبرنيكوس الوصول إلى نموذجه عن مركزية الشمس.

لم تقتصر الثورة العلمية على الفضاء فحسب، بل اكتشف العلماء العرب علم الجبر الذي ساعد في تطوير نظام الأرقام العشرية، ووضع اللبنة الأساسية لعلم البصريات، وتنصيب القوانين الرئيسة لعلم كتابة الشيفرات السرية.

قبل سبعة قرون من الثورة العلمية في أوروبا، رفع ابن الهيثم، صاحب الثقافة الواسعة في مجالات عدة، شأن المنهج العلمي، مصرًا على أهمية الرصد والاختبارات العلمية. يقترح الخليلي بأن ابن رشد: «ينبغي ترقيته كواحد من أعظم علماء الفيزياء في العالم بدرجة أرخميدس ونيوتن».

برزت المعتزلة عن خط الإسلام في منتصف فترة ازدهار العلم العربي هذه، وهي عقيدة منفتحة على حب الأسئلة وطرح الاستفسارات. يبدي الخليلي ملاحظةً هنا: «قاد الالتحام بين العقيدتين اليونانية والمعتزلة الإسلامية إلى حركة بشرية متحضرة لم يُرى مثلها حتى تأسست إيطاليا في القرن الخامس عشر الميلادي».

من الجلي أن إماطة اللثام عن هذه القصة المخفية عن العلم العربي وأهميتها في العالم المعاصر تشكل أهمية تاريخية بالغة. لكنّ التاريخ ليس ببساطة قصة تروي الماضي، بل هو حكاية تصف الحاضر أيضًا.

في عصر كعصرنا حيث أصبح السؤال عن الهوية أمرًا في غاية الأهمية، وأمسى التاريخ مسيسًا على نحو كبير، تلعب النقاشات الدائرة عن التقاليد العربية في التعلم دورًا جوهريًا في معرفة ما يدعى بصراع الحضارات: على هيئة ما هو تصورنا عن الغرب والإسلام.

الخليلي نفسه ليس محصنًا ضد الرغبة في استخدام التاريخ لمآرب سياسية، حيث يفضح خلال الفصل الأخير الحالة المأساوية للعلم في البلدان المسلمة. يولد إحياء التاريخ العظيم للعلم العربي شعورًا بالفخر في قلوب المسلمين، والذي ينبغي له أن يعيد أهمية البحث العلمي إلى مكانها الصحيح: أي في الصميم الذي ينتج مجتمعًا متحضرًا ومتوهجًا ثقافيًا.

مشكلة هذا الطرح أنه ليس بتلك البساطة لأن حلول المشكلات المعاصرة التي يعانيها العلم في البلدان المسلمة لا يمكن أن نستمدها من الماضي. ناهيك عن أن المعرفة العلمية وفق ما جاء على لسان الروّاد أنفسهم لا تنتمي إلى حضارة واحدة فقط، إنما هي نتاج عالمي شامل.

تمامًا كالخليلي، الفتى المولود في بغداد والذي سار على خطى نيوتن وآينشتاين، ربما يولد أي طفل أو طفلة في تلك المدينة أو في الرياض أو لاهور مثلًا. مثلما ينتمي إرث كوبرنيكوس وداروين للبشرية جمعاء، فإن إرث ابن سينا وابن الهيثم ينتمي لكل البشر أيضًا. إن التفكير بطريقة مغايرة كما يوحي هذا الكتاب بقوة هو تقديم إساءة للتراث ولمن ينتمون إليه.

المصادر: 1