[the_ad_placement id="scine_before_content"]

فتح آفاق جديدة في البحث عن المادة المظلمة!

اشتهر مصادم الهادرونات الكبير LHC بالبحث عن بوزون هيجز واكتشافه، ولكن في السنوات العشر التالية بعد تحقيق تصادم للبروتونات بطاقة أعلى مما تم تحقيقه سابقًا في جهاز معجل الجسيمات، استخدم الباحثون ذلك للبحث عن جسيم مثير بنفس القدر، الجسيم الافتراضي الذي قد يشكل نوع خفي من المادة يسمى المادة المظلمة Dark Matter، وهو أكثر تواجدًا بخمس مرات من المادة العادية وبدونه لن يكون الكون كما نعرفه. لم تأتي عمليات البحث عن المادة المظلمة في مصادم الهادرونات الكبير وخارجه ثمارها حتى الآن، لكن العمل والبراعة المذهلة التي اظهراها باحثو مصادم الهادرونات الكبير في العثور على المادة المظلمة قادهم إلى تضييق النطاق على العديد من المناطق التي قد يكمن فيها الجسيم الخفي في نقطة مرجعية حتمية على طريق الاكتشافات.

قال العالم المنظر في مجال المادة المظلمة من جامعة كاليفورنيا في إيرفين والمُنظم المشارك في الاجتماع النظري للمجموعة المسؤولة عن المادة المظلمة في مصادم الهادرونات الكبير، تيم تايت Tim Tait: «قبل مصادم الهادرونات الكبير، كان نطاق الاحتمالات للمادة المظلمة أوسع بكثير مما هي عليه اليوم».

ويضيف: «لقد فتح مصادم الهادرونات الكبير حقًا آفاقًا جديدة في البحث عن المادة المظلمة في هيئة جسيمات ثقيلة ضعيفة التفاعل، من خلال تغطية مجموعة واسعة من الإشارات المحتملة التي يمكن التنبؤ بها إما عن طريق إنتاج المادة المظلمة، أو إنتاج الجسيمات التي تتوسط تفاعلاتها مع المادة العادية. كانت جميع النتائج المرصودة متوافقة مع النماذج التي لا تتضمن المادة المظلمة، وتعطينا معلومات مهمة حول أنواع الجسيمات التي لم تعد قادرة على تفسيرها. وقد وجهت النتائج كلا من التجريبيين في اتجاهات جديدة لكيفية البحث عن المادة المظلمة، ودفعت النظريين إلى إعادة التفكير في الأفكار الموجودة حول ماهية المادة المظلمة – وفي بعض الحالات لابتكار أفكار جديدة».

اصنعها وحطمها ورجها

للبحث عن المادة المظلمة، تكون التجارب أساسًا «اصنعها وحطمها ورجها». يحاول مصادم الهادرونات الكبير صنعها عن طريق اصطدام حزم من البروتونات. تستخدم بعض التجارب التلسكوبات في الفضاء وعلى الأرض للبحث عن إشارات غير مباشرة لجسيمات المادة المظلمة أثناء اصطدامها وتفككها في الفضاء. لا يزال آخرون يطاردون هذه الجسيمات بعيدة المنال مباشرة من خلال البحث عن الاصطدامات أو الاهتزازات التي يطلقونها على النوى الذرية في أجهزة الكشف الموجودة تحت الأرض.

يُعد أسلوب اصنعها مكملاً لتجارب حطمها ورجها، وإذا اكتشف مصادم الهادرونات الكبير جسيمًا محتملًا للمادة المظلمة، سيتطلب تأكيدًا من التجارب الأخرى لإثبات أنه بالفعل جسيم مادة مظلمة. على النقيض من ذلك، إذا اكتشفت التجارب المباشرة وغير المباشرة إشارة من تفاعل جسيم المادة المظلمة، فيمكن تصميم التجارب في مصادم الهادرونات الكبير لدراسة تفاصيل هذا التفاعل بشكل اوسع.

إشارة الزخم المفقودة والبحث عن التَصَادُم

إذن، كيف يبحث مصادم الهادرونات الكبير عن علامات إنتاج المادة المظلمة في تصادم البروتونات؟ إن الأثر الرئيسي لوجود جسيم المادة المظلمة في مثل هذه التصادمات هو ما يسمى بالزخم المستعرض المفقود. للبحث عن هذا الأثر، يضيف الباحثون زخم الجسيمات التي يمكن أن تراها كاشفات مصادم الهادرونات الكبير «بشكل أكثر دقة الزخم عند الزوايا القائمة لحزم البروتونات المتصادمة» وتحديد أي زخم مفقود مطلوب للوصول إلى الزخم الكلي قبل الاصطدام. يجب أن يكون الزخم الإجمالي صفرًا لأن البروتونات تتحرك على طول اتجاه الأشعة قبل أن تصطدم. ولكن إذا لم يكن الزخم الكلي بعد الاصطدام صفرًا، فإن الزخم المفقود اللازم لجعله صفرًا يمكن أن يستبعد بواسطة جسيم المادة المظلمة غير المكتشف.

حدث في كاشف أطلس ATLAS مع فقدان الزخم المستعرض. الفوتون بزخم مستعرض 265 GeV (الخط الأصفر) يوازي 268 GeV من الزخم المستعرض المفقود (الخط الأحمر المتقطع على الجانب المقابل للكاشف)

الزخم المفقود هو أساس بحثين رئيسيين من في مصادم الهادرونات الكبير. يسترشد أحد البحثين بما يسمى نماذج الفيزياء الجديدة الكاملة، مثل نماذج التناظر الفائق SUSY. في نماذج التناظر الفائق، الجسيمات المعروفة التي وصفها النموذج العياري لفيزياء الجسيمات لها جسيم شريك فائق التناظر بخاصية كمومية تسمى اللف المغزلي الذي يختلف عن نظيره بنصف وحدة. بالإضافة إلى ذلك، في العديد من نماذج التناظر الفائق، يكون أخف جسيم فائق التناظر هو جسيم التفاعل الضعيف الضخم WIMP. تعد جسيمات التفاعل الضعيف الضخمة واحدة من أكثر الجسيمات المرشحة سحرًا لجسيمات المادة المظلمة لأنها يمكن أن تولد الوفرة الحالية من المادة المظلمة في الكون. تبحث العمليات البحثية التي تستهدف جسيمات التفاعل الضعيف الضخمة فائقة التناظرSUSY WIMPs عن الزخم المفقود من زوج من جسيمات المادة المظلمة بالإضافة إلى رذاذ أو نفثة من الجسيمات و/أو الجسيمات التي تسمى اللبتونات.

النوع الآخر من البحثين يتضمن أثر الزخم المفقود ويسترشد بنماذج مبسطة تتضمن جسيم المادة المظلمة الشبيه بجسيم التفاعل الضعيف الضخم وجسيم وسيط يتفاعل مع الجسيمات العادية المعروفة. يمكن أن يكون الوسيط إما جسيمًا معروفًا، مثل بوزونZ أو بوزون هيغز، أو جسيم غير معروف. اكتسبت هذه النماذج أهمية كبيرة في السنوات الأخيرة لأنها بسيطة جدًا ولكنها عامة في طبيعتها «النماذج الكاملة محددة وبالتالي تكون أضيق نطاقًا» ويمكن استخدامها كمعايير للمقارنات بين النتائج من مصادم الهادرونات الكبير ومن تجارب المادة المظلمة غير المتصادمة. بالإضافة إلى الزخم المفقود من زوج من جسيمات المادة المظلمة، يبحث هذا النوع من البحث عن جسيم واحد على الأقل عالي الطاقة مثل نفاثة الجسيمات أو الفوتون.

ضمن سياق النماذج المبسطة، هناك بديل لعمليات البحث عن الزخم المفقود وهو البحث ليس عن جسيم المادة المظلمة بل عن الجسيم الوسيط من خلال تحوله أو اضمحلاله إلى جسيمات عادية. يبحث هذا الأسلوب عن اصطدم على خلفية سلسة للأحداث في بيانات التصادم، مثل الاصطدام في التوزيع الكتلي للأحداث بنفاثتين أو لبتونين.

تضييق نطاق جسيمات التفاعل الضعيف الضخمة

ما هي النتائج التي حققتها تجارب مصادم الهادرونات الكبير من عمليات البحث عن جسيمات التفاعل الضعيف الضخمة هذه؟ الإجابة المختصرة هي أنهم لم يعثروا بعد على إشارات لجسيمات التفاعل الضعيف الضخمة للمادة المظلمة. الإجابة الأوسع هي أنهم استبعدوا أجزاء كبيرة من منطقة الجسيمات التفاعل الضعيف الضخمة النظرية ووضعوا قيودًا قوية على القيم المسموح بها لخصائص كل من جسيم المادة المظلمة والجسيم الوسيط، مثل كتلتهما وقوة تفاعلهما مع الجسيمات الأخرى. تلخيصًا لنتائج تجارب مصادم الهادرونات الكبير، قالت عضوة التعاون في تجارب أطلس ATLAS (أطلسATLAS: هو أختصار لـ جهاز مصادم الهادرونات الكبير اللولبيA Toroidal LHC Apparatus)، كاترينا دوجليوني Caterina Doglioni: «لقد أتممنا عددًا كبيرًا من عمليات البحث المخصصة عن الجسيمات غير المرئية والجسيمات المرئية التي قد تحدث في العمليات التي تتضمن المادة المظلمة، لقد فسرنا نتائج هذه الأبحاث من حيث العديد من سيناريوهات المختلفة لجسيمات التفاعل الضعيف الضخمة للمادة المظلمة، من النماذج المبسطة إلى نماذج التناظر الفائق. استفاد هذا العمل من التعاون بين العلماء التجريبيين والمنظرين، على سبيل المثال على منصات المناقشة مثل مجموعة عمل المادة المظلمة في مصادم الهادرونات الكبير LHC DM WG، والتي تشمل النظريين وممثلين عن تعاون أطلس واللولب المركب للميون CMS وتجربة الجمال لمتصادم هادرونات الكبير LHCb. كما أن إدراج نتائج مصادم الهادرونات الكبير في سياق بحث شامل عن الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل والذي يتضمن تجارب الكشف المباشر وغير المباشر، وكان أيضًا محورًا للمناقشة في مجتمع المادة المظلمة، والمناقشة مستمرة حتى الآن حول أفضل طريقة لاستغلال التآزر بين التجارب المختلفة التي لها نفس الهدف العلمي من إيجاد المادة المظلمة».
بإعطاء مثال محدد لنتيجة حُصِلَ عليها باستخدام بيانات من تجربة أطلس، يسلط بريسيلا باني Priscilla Pani – المشارك في تنظيم تجربة أطلس لمجموعة عمل المادة المظلمة في مصادم الهادرونات الكبير – الضوء على كيفية قيام التعاون مؤخرًا بالبحث في مجموعة بيانات مصادم الهادرونات الكبير الكاملة من التشغيل الثاني للجهاز «الإقلاع الثاني Run 2»، التي جُمعت بين عامي 2015 و2018، للبحث عن الحالات التي قد يضمحل فيها بوزون هيغز إلى جسيمات المادة المظلمة. قال باني: «لم نعثر على حالات لهذا الاضمحلال، لكننا تمكنا من وضع أقوى الحدود حتى الآن على احتمالية حدوثه».

يسلط فيل هاريس Phil Harris – المشارك في تنظيم تجربة اللولب المركب للميون لمجموعة عمل المادة المظلمة في مصادم الهادرونات الكبير – الضوء على عمليات البحث عن وسيط المادة المظلمة الذي يضمحل إلى نفاثتين مثل بحث تجربة اللولب المركب للميون الأخير استنادًا إلى بيانات الإقلاع الثاني.

قال هاريس: «إن ما يسمى بعمليات بحث الدجيت Dijet (الدجيت بمعنى زوج من النفاثات، في فيزياء الجسيمات يكون حدث الدجيت Dijet بمثابة تصادم بين الجسيمات دون الذرية التي تنتج نفاثتين من الجسيمات) قوية جدًا لأنها يمكن أن تسبر مدى واسع من كتل الوسيط وقوة التفاعل».

يشير كسابير سيد فيدال Xabier Cid Vidal – وهو مشارك في عقد تجربة «الجمال لمصادم هادرونات الكبير» لمجموعة عمل المادة المظلمة في مصادم الهادرونات الكبير – بدوره كيف أن البيانات من الإقلاع الأول والثاني حول اضمحلال الجسيم المعروف باسم الميزون بي الغريب BS meson قد سمحت لتعاون تجربة الجمال لمتصادم هادرونات الكبير بوضع حدود قوية على نماذج التناظر الفائق التي تشمل جسيمات التفاعل الضعيف الضخمة. قال سيد فيدال: «اضمحلال الميزون بي الغريب إلى ميونيين حساسين جدًا لجسيمات التناظر الفائق – مثل جسيمات التفاعل الضعيف الضخمة فائقة التناظر – لأن التردد الذي يحدث عنده الاضمحلال يمكن أن يكون مختلفًا تمامًا عن التردد الذي تنبأ به النموذج العياري إذا كانت جسيمات التناظر الفائق – حتى لو كانت كتلها مرتفعة جدًا بحيث لا يمكن اكتشافها مباشرة في مصادم الهادرونات الكبير – تتداخل مع الاضمحلال».

توسّع نطاق الشبكة

قال تايت: «قبل عشر سنوات، كانت التجارب – في مصادم الهادرونات الكبير وما بعده – تبحث عن جسيمات المادة المظلمة بكتل أعلى من كتلة البروتون ذو واحد جيجا إلكترون فولت 1 GeV وأقل من واحد تيرا إلكترون فولت TeV. أي أنها كانت تستهدف جسيمات التفاعل الضعيف الضخمة الكلاسيكية مثل تلك التي تنبأ بها التناظر الفائق. بعد عشر سنوات وتجارب المادة المظلمة تبحث الآن عن جسيمات تشبه جسيم التفاعل الضعيف الضخم بكتل منخفضة تصل إلى حوالي واحد ميجا إلكترون فولت 1MeV ومرتفعة تصل إلى مئة تيرا إلكترون فولت 100TeV». ويضيف: «وقد ألهمت النتائج المفاجئة من عمليات البحث – كما هو الحال في مصادم الهادرونات الكبير – العديد من التفسيرات المحتملة الأخرى لطبيعة المادة المظلمة، بدءًا من المادة المظلمة الغامضة المتكونة من جسيمات ذات كتل منخفضة بحوالي 10-22 إلكترون فولت إلى الثقوب السوداء البدائية ذات الكتلة المكافئة لعدد من الشموس. في ضوء ذلك، بدأ مجتمع المادة المظلمة في إلقاء شبكة أوسع لاستكشاف مساحة أكبر من الاحتمالات».

عند طليعة المصادم، بدأ باحثو مصادم الهادرونات الكبير في التحقيق من بعض الاحتمالات الجديدة هذه. على سبيل المثال، بدأوا في دراسة الفرضية القائلة بأن المادة المظلمة هي جزء من حقل مظلم أكبر مع عدة أنواع من الجسيمات المظلمة الجديدة. يمكن أن تشتمل جسيمات الحقل المظلم هذه على مادة مظلمة مكافئة للفوتون «الفوتون المظلم Dark Photon«والذي سيتفاعل مع جسيمات الحقل المظلم الأخرى بالإضافة إلى الجسيمات المعروفة، والجسيمات طويلة العمر، والتي تنبأت بها أيضًا نماذج التناظر الفائق.

قال دوجليوني Doglioni: «توفر سيناريوهات الحقل المظلم مجموعة جديدة من العلامات التجريبية، وهذه ساحة تنافس جديدة لعلماء فيزياء المصادم الهادرونات الكبير».

ويضيف: «نحن الآن نتوسع في الأساليب التجريبية المعروفة لدينا، لذا يمكننا محاولة التقاط إشارات نادرة واستثنائية مدفونة في خلفيات كبيرة. علاوةً على ذلك، تستهدف العديد من التجارب الحالية والمخطط لها أيضًا الحقول المظلمة والجسيمات التي تتفاعل بشكل ضعيف أكثر من الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل. بعض هذه التجارب، مثل تجربة البحث المتقدم FASER التي تمت الموافقة عليها حديثًا، تشارك المعرفة والتكنولوجيا وحتى المعجل المعقد مع التجارب الرئيسية لمصادم الهادرونات الكبير، وستكمل مجال عمليات البحث لمصادم الهادرونات الكبير عن غير جسيمات التفاعل الضعيف الضخمة للمادة المضلمة، كما أظهرتها مبادرة سيرن للفيزياء ما بعد المصادمات».

أخيرًا، لا يزال باحثو مصادم الهادرونات الكبير يعملون على البيانات من الإقلاع الثاني، والبيانات التي جُمِعَت حتى الآن من الإقلاع الأول والإقلاع الثاني، لا تمثل سوى 5٪ من الإجمالي الذي ستسجله التجارب. ونظرًا لهذا، بالإضافة إلى المعرفة الهائلة المكتسبة من العديد من تحليلات مصادم الهادرونات الكبير التي أجريت حتى الآن، ربما تكون هناك فرصة محتملة في أن يكتشف مصادم الهادرونات الكبير جسيم المادة المظلمة في السنوات العشر القادمة. قال هاريس: «الواقع في كوننا لم نعثر عليها بعد، وإمكانية أن نكتشفها في المستقبل ليست بالبعيدة هو ما يجعلني متحمسًا بشأن عملي». وقال سيد فيدال: «لقد أوضحت لنا السنوات العشر الماضية أن المادة المظلمة قد تكون مختلفة عما كنا نظن في البداية ، لكن هذا لا يعني أنها ليست متاحة لدينا لنكتشفها».

قال باني: «سنقوم بكل ما بوسعنا، مهما كان قدره كبيرًا أم صغيراً، أو كم سيستغرق هذا مننا».

المصادر: 1