ما هي الرغوة الكمية Quantum Foam؟ وهل هي الحل الأقرب لمعضلة الجاذبية الكمومية؟

اقترح الفيزيائيّ بجامعة كاليفورنيا ستيفن كارليب Steven Carlip نظريّةً لشرح سبب امتلاء الفضاء الفراغيّ بكمية هائلة من الطّاقة – قد تكون مخفيّة بسبب التّأثيرات المحويّة على مقياس بلانك، ونشر بحثًا في دورية Physical Review Letters يصف فيه نظريّته الجديدة. [2]

تقترح النّظريّة التّقليديّة أنّه يجب ملء الزّمكان بكميّة هائلة من الطّاقة ربما بقدر (120)^10 أكثر مما هو موجود ظاهريًّا،

وعلى مرِّ السّنين، اقترح العديد من النّظريّين أفكارًا حول سبب حدوث ذلك.

في هذا الجهد الجديد، يقترح كارليب أنّه ربّما تكون كل هذه الطّاقة موجودة بالفعل، لكن لا تربطها أي صلة بتوسّع الكون لأنّ آثارها تُمحى بواسطة شيء ما على مقياس بلانك. [2]

الخلفيّة السببية

تعتمد النّظرية الجديدة لكارليب بشكل كبير على العمل الذي قام به جون ويلر John Wheeler في خمسينيات القرن الماضي، حيث اقترح ويلر أنّه على أصغر مقياس ممكن، يتحول المكان والزّمان إلى شيء أسماه «رغوة الزمكان Spacetime Foam». وناقش بأنّه على هذا النطاق الصغير، فإن تحديد الوقت والطّول والطّاقة سيكون خاضعًا لمبدأ عدم اليقين.

منذ ذلك الحين، ألقى آخرون نظرة جادّة على رغوة الزّمكان واقترح البعض أنّه إذا تم ملء فراغٍ برغوة الزمكان، فسيكون هناك الكثير من الطاقة المتضمّنة، ويجادل آخرون بأنّ مثل هذا السيناريو سوف يتصرّف مثل الثّابت الكونيّ. [2]

وبالتالي، لشرح أفكارهم، سعوا لإيجاد طرق لإلغاء الطّاقة كطريقة لجعلها تختفي. يقترح كارليب بدلاً من ذلك أنّه في سيناريو رغوة الزّمكان، ستكون الطّاقة موجودة في كل مكان في الفراغ ولكن إذا ألقيت نظرة فاحصة، ستجد مناطق بحجم بلانك لها احتماليّة متساوية للتّوسّع أو الانكماش. وفي ظل هذا السيناريو، فإنَّ مزيج المساحات الصّغيرة سيظهر مثل المساحات الأكبر في الفراغ ولن يتمدّد أو ينكمش، مما يعني أنه سيكون لديهم صفر ثابت كوني، ويشير إلى أنه في ظل هذا السيناريو، لن يكون للوقت اتجاه فعلي. [2]

الفضاء الرغوي

انظر إلى الفضاء تحت المجهر وماذا ترى؟ لا شيء. قم بتكبيره 1000 مرة، لا شيئ. كبّر بمقدار 1،000،000 مرة، ولا شيء حتى الآن. كبر بمقدار 1،000،000،000 مرة. لا شيء مطلقًا! يقول أستاذ الفيزياء وعلوم الفضاء في معهد فلوريدا للتكنولوجيا، إريك بيرلمان Eric Perlman: «إن الفقاعات الموجودة في الرغوة الكموميّة هي أصغر من الّنوى الذريّة بـ4 مليارات مرّة وتدوم لأجزاء متناهية الصّغر من الثّانية أو في النّطاق الكمّي، مقدار طول بلانك لزمن بلانك». [1]

شيئًا بهذا الصغر لن يُلاحظ بشكل مباشر، فلماذا نحن على يقين تامٍّ من وجود هذه الرّغوة الكمّيّة؟ تنبأ أحد أعظم الأدلة على ذلك في عام 1947 من قبل الفيزيائيّين الهولنديّين هندريك كازيمير Hendrik Casimir وديرك بولدر Dirk Polder. شرح دون لينكولنن Don Lincoln كبير الفيزيائيّين التجريبيّين في فيرميلاب، ما يسمى بـ «تأثير كازيمير Casimir effect» لـ PBS قائلًا: [1]

«رأوا أنه إذا كانت الرغوة الكمّيّة حقيقيّة، فيجب أن توجد الجسيمات في كل مكان في الفضاء. علاوة على ذلك، نظرًا لأن للجسيمات أيضًا طبيعة موجيّة فيجب أن تكون هناك موجات في كل مكان، لذا فإنّ ما تخيّلوه هو وجود لوحين معدنيّين متوازيين موضوعين بالقرب من بعضهما البعض، ستوجد الرغوة الكموميّة بين الألواح وخارجها، ولكن نظرًا لوضع الألواح بالقرب من بعضها البعض، فتوجد موجات قصيرة فقط بين الصّفائح بينما يمكن أن توجد موجات قصيرة وطويلة خارجها. بسبب هذا الخلل، يجب أن تتغلّب الموجات الزّائدة خارج الصّفائح على العدد الأصغر من الموجات بين الصفائح، مما يدفع الصفيحتين معًا باتجاه بعضهما. بعد ثلاثين عامًا من التنبؤ به لأول مرة، لوحظ هذا التأثير نوعيًا، وقِيسَ بدقة في عام 1997». [1]

قوى كازيمير على صفائحٍ متوازية

فكرة أن الفضاء في الأساس، عبارة عن فوضى تموجيّة ورغويّة لها تداعيات هائلة على فهمنا للكون. كتب الباحث في نظرية الأوتار والأستاذ بجامعة كولومبيا بريان جرين Brian Greene في كتابه الكون الأنيق The Elegant Universe: «عند هذه المقاييس الصغيرة نواجه عدم التوافق الأساسيّ بين النسبيّة العامّة وميكانيكا الكمّ. إنّ فكرة الهندسة المكانيّة السلسة، هي المبدأ المركزي للنسبيّة العامّة دمّرتها التّقلّبات العنيفة للعالم الكمّيّ على مقاييس الأبعاد الصّغرى». [1]

مشكلة الضوء والنتائج التجريبية:

تخبرنا نظريّة النسبيّة الخاصّة لأينشتاين أنّ قوانين الفيزياء ثابتة عند تحول لورنتز. أي أنّها متماثلة في جميع الأطر المرجعية القصوريّة. هذا يعني أن أيّ مراقب بغض النظر عن سرعته أو اتجاه حركته، يجب أن يرى الفوتونات عند أي طول موجيّ تتحرك بنفس السّرعة عبر الفراغ. [3]

ومع ذلك، فقد افتُرض أنَّ النّظريّة قد تنهار عند مقياس بلانك، المحدّد بواسطة طول بلانك (35-)^10×1.6 مترًا وطاقة بلانك (19)^10×1.2 جيجا إلكترون فولت GeV. ولكن استخدم فريق دوليّ من الباحثين من 63 مؤسسة، الآن فوتونات ذات أطوال موجية فائقة القصر لفحص بنية الزمان والمكان، ولم يظهر أي دليل على انتهاك لورنتز لثباتها. [3]

لاختبار الفروق الدّقيقة في السّرعة بين الفوتونات ذات الطّاقات المختلفة، فإنها تساعد في إجراء ملاحظات على أوقات السّفر على نطاق كونيّ بحيث يمكن تجميع اختلافات قابلة للقياس. لحسن الحظ، يتوفر مصدر لامع بدرجة كافية لأجراء التجارب وهي انفجارات أشعّة غاما GRBs. هذه هي الانفجارات الأكثر لمعانًا في الكون. أكبر قدر من الطاقة يمكن إطلاقه من انفجارات أشعة غاما في بضع ثوانٍ يعادل الطاقة النّاتجة من الشّمس طوال عمرها. يُعتقد أنّ انفجارات أشعّة غاما تنشأ من أحداث عنيفة مثل انهيار النّجوم الضّخمة في ثقب أسود أو عندما تتّحد النّجوم النيوترونية. [3]

في 10 مايو/أيّار 2009، اكتشف مرصد فيرمي الفضائيّ لأشعّة غاما GLAST انبعاث فوتونات من GRB 090510، مع انتشار طاقات بمقدار 31 جيجا إلكترون فولت على مسافة نورانية تقارب (15)^10 وحدة فلكية AU. بحث الفريق في هذه البيانات عن التّأخيرات الزّمنيّة بين الفوتونات ذات مستويات الطاقة المختلفة. أشارت النتائج إلى أنه في حالة حدوث أيّ تغيير في السّرعة، يكون ضمن حد حرج يبلغ 1.2 من طاقة بلانك. [3] [1]

[*صورة ترفق ضمن المقال. الشرح اسفل الصورة: «مخطط بياني لـ GRB 090510 من مرصد فيرمي: توضّح الخطوط اعتماد وقت الوصول على طاقة الفوتون للأحداث المرتبطة بالفوتون 31 GeV، وفقًا لاعتماد الطّاقة الخطّيّ (الخطوط الصّلبة) أو التّربيعيّ (الخطوط المتقطعة)»: https://www.researchgate.net/…/GRB-090510-observation…].

وضّح أحد الباحثين من جامعة هيرتفوردشاير، جوناثان جرانوت Jonathan Granot: «استخدمنا طريقتين مستقلتين، استنادًا إلى وقت وصول الفوتون ذي الطّاقة الأعلى (31 GeV) بالنسبة إلى فوتونات الّطاقة المنخفضة، وعدم تشويه البنية الزّمنية الدّقيقة (بما في ذلك التّموّجات الضّيقة الحادّة) التي قد تحدث إذا كانت سرعة الضّوء تتغيّر مع طاقة الفوتون». ويضيف: «كان GRB 090510 مناسبًا بشكل خاص لاختبار الطاقة المحتملة المعتمدة لسرعة الضّوء لأنّه كان قصيرًا بحوالي ثانية واحدة، وله بنية زمنيّة دقيقة مع ارتفاع حاد من 10 إلى 20 مللي ثانية، وكان لامعًا عند طاقات الفوتون العالية». [3]

قال جرانوت لدورية Nature Photonics: «إنّ القياسات لا تحابي النّماذج بقوّة، والتي تختلف فيها سرعة الضّوء خطيًّا مع طاقة الفوتون، لأنّ هذا يتطلّب أن تكون طاقتها أو مقياس طولها أكبر بكثير من مقياس بلانك. أجد أنّه من المثير للإعجاب أنّه بعد أكثر من قرن من توصّل أينشتاين إلى نظريّته في النسبيّة الخاصّة، لا تزال تجتاز جميع الاختبارات التجريبية والرّصدية حتى عند أعلى دقّة متاحة». [3]

ومع ذلك، لا يمكن لأيّ من التّجارب القياس بتفاصيل دقيقة كافية لاستبعاد الرّغوة الكموميّة عند أصغر المقاييس. قد نضطر فقط إلى انتظار مجهر يمكنه الرّؤية وصولًا إلى طول بلانك للتّأكد، وبناءُ مثل هذا الجهاز سيكون مهمة شاقة بالفعل. [1]

المصادر: 1 - 2 - 3