لم لا نستخدم عملة مالية واحدة في كل العالم؟

لو شاهدت أيّ فيلم من سلسلة أفلام حرب النجوم Stars Wars، للاحظتَ انتشار عملة موحَّدة ومعروفة لدى جميع سكان المجرّة، يسمّونها معيار الائتمان المجرّاتي أو الائتمان الإمبراطوري، وذلك تبعًا للعصر الذي يمثله الفيلم الذي شاهدتَه. يطرح معجبو ثلاثية أفلام die-hard السؤال التالي: كيف لمجرة بهذا الامتداد الشّاسع أن تقبل عملة كونيّة واحدة؟

في الواقع، نجحت الفصائل المتقارعة ورغم حالة الاضطراب الدائم بينها في تحقيق توحيد معياري لمظهر عملتهم. لم نستطع نحن فعل ذلك على كوكب واحد، فما بالك بتحقيق ذلك على امتداد مئات من المجموعات النّجمية.

وفقًا لقائمة منظمة الآيزو ذات الرّقم 4217 من موقع xe.com الخاصّة برموز العملات، فيوجد الآن عدد هائل مقداره 162 عملة موزّعة في أرجاء المعمورة. أليس من الأسهل لنا امتلاك عملة عالميّة واحدة؟

ربّما تبدو هذه فكرةً دخيلة بعض الشيء ومفعمة بالأوهام نوعًا ما، لكنّي لست بالتأكيد أوّل من تطرّق إليها. علماء بارزون ذوو شهادات قويّة تستتر خلف أسمائهم رسائل علمية كثيرة اقترحوا هذه الفكرة خلال الجزء الأفضل من القرنين العشرين والحادي والعشرين.

في العام 1961م، اقترح نوبل لوريت روبيرت منديل Nobel Laureate Robert Mundell نظرية «المناطق المثلى للعملة» Optimum Currency Areas، والتي تتضمّن مناطق ترتبط فيها العملات المحليّة مع بعضها البعض كثيراً، وقدّم أوروبا كمثال حيث لمّا تستفِد من اليورو آنذاك.

بدتِ المناطق المثلى للعملة هذه كبشائر لنظام عملة موحد انتشر على امتداد المنطقة.

عام 1984م، تابع هذه الفكرة ريتشارد كوبر Richard Cooper أستاذ علم الاقتصاد الدولي في مركز Maurits c.Boas التابع لجامعة هارفارد واقترح فعليًّا الفكرة الراديكالية، والتي مفادها إنشاء عملة مشتركة لكل الدول الديمقراطية الصّناعية بسياسة مالية مشتركة مع مصرف مشترك لخدمة هذه القضية، مهمته وضع تلك السياسة المالية. في الواقع، تنبّأ أن ترى العملة الموحدة النور بحلول العام 2010م، كذلك في العام 1998 توقّعت النبوءة الشهيرة لدورية The Economist تشكّل عملة دوليّة موحّدة تحت اسم فونكس Phoenix ببلوغ العام 2018.

وحلّ العام 2010 ومضى وكذلك 2018 ولازلنا بعيدين كلّ البعد عن تحقيق عملة عالمية واحدة.

يوجد لهذه العملة وجهان سوف نستعرض كليهما، لكن سنستعرض بدايةً سياق المقال:

أصل العملة

بدأت الحضارة البشريّة تعاملاتها على مبدأ «أنّ ما يحتاجه شخص ما موجود لدى شخص آخر»، ربما تفاحة أو غصن شجرة أو أي شيء آخر يُمكن استقراضه.

على أيِّ حال، كان ذلك ناجحًا فقط في حال احتاج الشخص الثاني أمرًا يمتلكه الشخص الأول، فلو كان لدي حبّة تفاح لكن أريد المنجا، فأحتاج عندها لإيجاد شخص لديه حبة منجا وسيحبّذ استبدالها بتفاحتي.

كالانطباع الذي كوّنته عن تلك العملية، فذلك لم يكن بالأمر اليسير، فقد احتجنا لمدّخراتِ قيِّمة أكثر توحيدًا وأكثر ملاءمة لحملها.

تخيَّل أن تستاق عربةً مكتظة بالقطيع وتسميها محفظة نقودك!

أبصرتِ الصيغة الأولى من العملة النور خلال القرن السابع قبل الميلاد، حيث كانت نشاطًا حكومياً تمثًّل باستخدام عملات معدنية تُدفع للمرتزقة لقاء خدماتهم، وكانت تلك العملات رمزيةً بشكل أساسي بمثابة عملات ترمز إلى أن هؤلاء المرتزقة يقبعون تحت تصرّف الحكومة لبعض الوقت.

وافقت الحكومة بسرور على استخدام هذه العملات في تغطية الالتزامات المالية لمواطنيها، وعليه أصبحت هذه القطع المعدنية الرمزيّة مطلوبة بشكل كبير جدًا بين المواطنين، والذين بدورهم بدأوا بقبول تلك العملات لقاء أي نوع من البضاعة أو الخدمات.

وأصبحت أمثلة الدَّين هذه مدخراتٍ ذات قيمة يستخدمها المواطنون على نحو أساسيّ في دفع ضرائبهم. كان ذلك أسهل بالتأكيد من دفع خروفين أو ثلاث حبات تين أو خمس تفاحات.

ذلك معناه أن فكرة العملة بمجملها لم تكن نتيجة لإجراء أو تخطيط مدقّق، بل أتت بالمقابل بمحض الصدفة.

يقودنا هذا بالطّبع إلى السؤال التالي: هل تشكّل العملةُ الاستراتيجيةَ الأكثر كفاءة في أيامنا هذه؟

لماذا ينبغي علينا امتلاك عملة عالمية واحدة؟

لو خضع العالم كلّه اليوم لحكومة مشابهة تمامًا لتلك الحكومة التي حكمت في القرن السّابع قبل الميلاد، لكنّا بسرور نبيع ونشتري برموز دَين الحكومة تلك دون أدنى شك.

على أيّ حال، نشأت منذ ذلك الوقت أمم جديدة لا تُحصى، مقدّمة عدداً كبيرًا من الأنظمة الماليّة الفريدة من نوعها، وطبعت حتى عملات كثيرة التّنوع.

ويبقى ذلك النهج لا بأس به إذا تعاملت كل أمة على مبدأ اقتصاد الاكتفاء الذاتيّ دون صفقات تجارية عابرة للحدود، لكن من الواضح على كل حال أن ذلك بعيد عن الواقع.

فقد أحدث التّنامي السريع في تقنيات التّواصل والتّحسينات الطارئة على روابط وسائل النّقل اقتصادًا عالميًّا يعدّ فيه استخدام عملات متعددة أمرًا عاديًّا، وتزيد العملات المتعدّدة الخطوات اللازمة لعمليّات التبادل البسيطة الأخرى لدفع قيمة البضائع والخدمات، كما تؤدّي إلى زيادة التكاليف التجارية.

فعلى سبيل المثال، يمكن لمصنِّع حواسيب محمولة في الولايات المتحدة أن يبتاع الأقراص الصّلبة من اليابان باستعمال «اليَنّ» ويجلبَ الشّاشات من كوريا الجنوبية بال«وون»، ويجمّع الحاسب في معمل صينيّ عبر عقد موقع بعملة الرنمنبي «ملاحظة: هذا تبسيط إجمالي مبالغ فيه لعملية تصنيع الحاسب المحمول».

يرغب المصنِّع الأمريكي أن يدفع لمورّد الأقراص الصّلبة بالدّولار الأمريكي، لكنّه لا يستطيع، لذا يتوجب عليهما إيجاد طرف ثالث يملك اليَنَّ اليابانيّ ولا ضير عنده من مقايضته بالدّولار الأمريكي. وحالما يجد مؤسّسة تفي بالغرض «عادة ما تكون بنكًا» يقومان بعمليّة التّبادل، حيث يفرض البنك رسومًا لقاء ذلك، قبل أن يشرع بدفع ثمن البضاعة للمورّد الياباني.

الآن أصبح بحوزة المصنّع الأمريكي ين ياباني ودولار أمريكي، ويتوقع المورد الكوري الجنوبي على أي حال أن يستلم مستحّقاته بالوون الكوريّ، يأتي دور المصنع الأمريكي الآن باستبدال الدّولار بالوون، فيعود إلى البنك لإجراء عملية تحويل، والذي يفرض بدوره رسومًا إضافيّة، بعد ذلك وعندما يحين موعد دفع قيمة العقد للمعمل الصيني فتلك زيادة أخرى في الرسوم التجارية لصالح البنك.

علاوة على ذلك، تضاف مصيبة أخرى على تكلفة المنتجات من عملية التّحويل بين العملات قبل أن تضيف عمليّات التجارة ذات الصلة مزيدًا من التكاليف.

هذا ويبلغ متوسط التجارة اليومية وفقًا لبلومبيرغ في أسواق فوركس Forex قرابة 6.6 مليار دولار، وصرح موريسون بونباز رئيس جمعيّة العملات الفريدة Single Currencies Association أن ما نسبته 0.048% تقريبًا من متوسط حجم التّجارة اليوميّة تُدفع كتكاليف للتّعاملات التّجاريّة، حيث تُدفع هذه التكاليف للمتاجرين بالعملة لتغطية دعم موظّفيها وأنظمة الحاسوب وغيرها ويبلغ مقدار هذه النسبة تقريبًا 3 مليارات دولار في اليوم الواحد على افتراض 260 يوم من التّجارة في التقويم السنوي، عندها تبلغ التكلفة السّنوية لصفقات التبادل الخارجيّة 780 مليار دولار. ومن الجلي أن ذلك مبلغ كبير من المال! فلو كان بحوزتنا عملة عالمية واحدة، لوفّرنا على أنفسنا ما يدنو من ال800 مليار دولار سنويًا من تكاليف عقد الصّفقات وحدها.

تحتاج الشركات أيضًا عند التعامل بعدة عملات إلى تخفيف التّداعيات المرتبطة بتأرجح معدلات بورصة العملات، قدّر مصنع طائرات أيرباص أن مرابح الشركة تنخفض 100 مليون دولار لكل سنت يخسره الدولار أمام اليورو، بغية تخفيف مثل هذه الهبوطات الغير مسبوقة في إمكانيّة الربح، تحصّن الشركات نفسها ضد مثل هذه المخاطر.

إنها استراتيجية مالية معقّدة تُنفَّذ بالتساوي ضمن بعض المؤسسات المالية المعقدة، ويمثّل ذلك بشكل أساسيّ مزيدًا من الجهد ومزيدًا من التكاليف المالية.

ربّما يقترح أحد الآراء أن ظهور عملات متعدّدة لإنجار الصّفقات أعاد بعث شكل آخر من نظام المقايضة، مع تكاليف وسطاء تُضاف على تكاليف إنجاز الصفقات، فسوف تُحبِط العملة الشاملة الموحدة والتي ينظمها اتحاد مالي عالمي معظمَ تكاليف إنجاز الصفقات وتُقصي كل أشكال مخاطر تصريف العملة.

فلنحاول في جميع الأحوال فهم الجانب الآخر لهذه العملة الموحدة.

لماذا لا ينبغي علينا حيازة عملة عالميّة واحدة؟

العملة العالميّة الموحّدة سيحكمها بنك مركزي دولي، حيث سيكون هذا البنك مسؤولًا عن السياسة الماليّة للعالم بأسره، وعلى كل حال فإن لكل أمة مجموعة مشكلات خاصة، ربما تشكل السياسة المالية للبلد أداة قوّة لتخفيف المشكلات الماليّة كالتّضخّم والركود الاقتصادي. خلال الركود الاقتصادي على سبيل المثال، يلجأ المواطنون إلى تقليص نفقاتهم، الأمر الذي يؤدي إلى عدم تحقيق الأعمال التجاريّة للرّبح الكافي، ما يجبرها على إيقاف الاستثمار في مشاريع جديدة وحتى إلى يسريح قسم من اليد العاملة، ستتولد رغبة جامحة لدى العمال المسرّحين في المحافظة على ما يملكونه من المال بدلًا من إنفاقه، ما يقود لمزيد من التّدهور في مساهمة المستهلك في الاقتصاد. في مثل هذا السيناريو، يمكن أن يتدخّل البنك المركزي للبلاد عبر تعديلات على سياسته المالية، كتخفيض أسعار الفائدة، وطباعة عملة جديدة، وشراء سندات الحكومة، وغيرها، وذلك بهدف زيادة الدّعم المالي والنّهوض بالاقتصاد.

من ناحية أخرى، إذا كان البلد يواجه تضخّمًا ماليًّا حادًّا، فسيعود البنك المركزي للتدخل عبر رفع أسعار الفائدة، والطّلب من البنوك الحفاظ على احتياطي مالي أكبر، والتقليل من الدعم المالي في الاقتصاد.

فعندما يهمّ البنك المركزي العالمي بوضع السّياسة الماليّة العالمية، فعليه الموازنة بين أولويّات المراوغة المتداخلة والثابتة لكلّ بلد: حيث أن بعضها قد يعاني من ركود اقتصادي، بينما تقارع الأخرى تضخّمًا ماليًا حادًّا. وسيكون وضع سياسة مالية ملائمة لتغطية كل احتياجات دول العالم عملًا بطوليًا يصعب تحقيقه.

حدّد أيضًا كينيث روجوف Kenneth Rogoff أستاذ السياسة العامّة وأستاذ علم الاقتصاد في مركز Thomas D.Cabot التابع لجامعة هارفارد مجموعةً هائلة من المشكلات التي ستبرز لو امتلكنا بنكًا مركزيًّا عالميًّا، حيث سيجد البنك المركزي العالمي صعوبة في ضبط وتحمّل المسؤوليّة بغياب حكومة عالميّة موجودة في المكان الصحيح. كما قد يعمل دون أيّ مراقبة تذكر، ما يؤدي لجعله في موضع الشبهة، علاوة على ذلك، ربّما يغدو منصب رئيس البنك المركزي العالمي قضية سابحةً في بحر الصّراعات السّياسيّة، فمن يقرر من سيحكم البنك المركزيّ العالميّ؟ وسيكون من الصعب أن نحظى بعملية اختيار عادلة بالمطلق.

ضِف على ذلك أن السّلطة المركزيّة الغير مراقبة قد تقود إلى مخاوف تغييب الرّوح التّنافسيّة. فنحن في عصر ابتكار مالي ممزق، ابتكار سيمهد الطّريق لمزيد من التّطور في المستقبل المالي، ويمكن للسّلطة التّنفيذيّة التي ربما ترى ابتكارات معينة كتهديدات، أن تقيّد هذه التغييرات عبر الهيمنة بوضعية الاحتكار، والتي ستُفرض على كامل الاقتصاد العالمي.

احتمالات للمستقبل

بينما تنقسم الآراء المفروضة جميعها بين مؤيّد ومعارض للعملة العالمية الموحدة، فلعلّه يبقى هناك احتمالات لحل وسطي، ربما تبقى فكرة روبيرت منديل عن «مناطق العملة المثلى» قابلةً للتطبيق، وربّما نكون أمام مجموعات من البلدان المتشابهة بدرجة التطور والمتقاربة جغرافيًا تمامًا كالاتحاد الأوروبي، ساعيةً خلف أهداف عملة مشتركة. بالمقابل، نستطيع عوضًا عن امتلاك عملة واحدة أن نمتلك حفنةً من العملات، المدخرات الاحتياطية العالمية لصندوق النقد الدولي، ممثلةً بطريقة حق السحب الخاص Special Drawing Right SDR تعني ما أشير إليه تمامًا. يضم حاليًا حق السحب الخاص SDR الدولار الأمريكي واليورو والرنمنبي الصيني والينّ الياباني والجنيه الإسترليني. هذه العملات التي تقف خلفها بجِدّ أكثر اقتصادات العالم متانة. يمكن أن يُستخدم حق السحب الخاص SDR أو أي شيء مشابه مرارًا وتكرارًا كمدّخرات قيمة في الصفقات العابرة للحدود بغية تجنب الكثير من تكاليف تحويل العملة المرتبطة بالعملية. يتمثّل احتمال آخر أيضًا باعتماد الدولار «الدَولرة» أو اعتماد اليورو من قبل دول العالم. عندما تختار الدول الموافقة على الدولار الأمريكي أو اليورو كعملة محليّة لها، تتحوّل بالتالي عملةٌ مؤسسةٌ ومثبتة إلى عملة عالمية.

في الختام، يتوجّب علينا أن نبقى منفتحين على احتماليّة أنّ نظام العملة الأمثل للاقتصاد العالمي ربما يكون نتاجًا مدهشًا من العبقرية مازال يتوجّب طرحه.

المصادر: 1