العلم يفسر لماذا نكذب؟

عندما كنتُ طفلة صغيرة، اعتاد والداي على اصطحابي أنا وشقيقتي في عطلة نهاية الأسبوع إلى منزل جدي بالقُرب من منطقة ديتروات. كان جدي محاربًا مهاجرًا، وتعلم في المدرسة حتى الصف الخامس، ولكن أيًا كان ما كان يفتقر إليه في التعليم فقد عوضه بطريقة آخرى.

كان يفوز بكل نقاشٍ يجريه كبيرًا كان أو صغيرًا، اعتمادًا على مايقدمه من اقتراحات وبراهين تسمى «الحقائق الفعلية». وبعد كل زيارة لبيت جدي في طريق العودة، نجلس أنا وشقيقتي في المقعد الخلفي ونتحدث عن جدي و«حقائقه الفعلية»، ووجدناه تفسيرًا سخيفًا يثبت قلة اطلاعه وعلمه. كذلك كنا نعلم أن الحقائق تبقى حقائق.

إنه لأمرٌ مدهش بالنسبة لي، أنه وبعد مرور قرابة خمسون عامًا، لا يزال العالم يتحدث عن ما يسمى «الحقائق الفعلية»، ناهيك عن ما يسمى «بالحقائق البديلة» والمصطلحات المرادفة لهم، «كالأخبار المزيفة» و«ما وراء الحقيقة».

لم يكُن تزييف جدي للحقائق بالأمر المهم، فكانت نسبة العواقب متدنية. أما بخصوص الكذب الذي يحدث هذه الآونة فهذا له مخاطر كبيرة، منها المصادر الرسمية للأكاذيب المنتشرة و مدى جرأتها وحجمها، بالإضافة إلى قابليتها على الانتشار بسرعة. وأيضًا نقف بفخر وثبات إلى جانب العلم والحقائق لما يقارب مئة وثلاثون عامًا، عالميًا وعبر قنوات متعددة، وفي ناشيونال جيوغرافيك، فالآن هو الوقت المثالي للتحقيق في علاقة الإنسانية المعقدة مع الحقيقة. باختصار: لماذا نكذب؟

ويتضح لنا أن البشر مبرمجين على الكذب، أي أننا نتعلم الكذب كما نتعلم المشي والحديث، ويرى بعض الباحثين أن ظاهرة الكذب لدى الأطفال تُعد علامة على أن النمو المعرفي يسير على النهج الصحيح. وهناك العديد من الأسباب المحتملة التي تدفعنا للكذب، كالتستر على الأخطاء أو لكسب اليد المالية أو لنبدو مهذبين. بالإضافة لذلك، يكذب بعض الناس مرضيًا، متجاهلين بل ومهملين الواقع؛ بينما يكذب الآخرون على أنفسهم، ويختلقون صورًا ذاتية زائفة ولكنها مريحة لهم وترضي ذاتهم بصورة ما. تصنّف فئة المراهقين من الفئات الأكثر كذبًا، فيكذب ستة أفراد من أصل عشرة خمسة أكاذيب يوميًا. حالما نصل إلى عمر الستينيات، ستقل النسبة لثلاثة من كل عشرة أفراد يتفوهون بهذه الكمية الضخمة من الأكاذيب.

لا يمكننا إنكار حقيقة أن الكذب جزء لا يتجزأ من ثقافتنا، بإمكان الجميع أن يلقوا كذبات مشهورة، وقائمتك الخاصة بالكذب تعكس سنك وخبراتك واهتماماتك أيضاً. القائمة التالية هي القائمة الخاصة بي

  • الأكاذيب الرياضية – لانس ارمسترونج.
  • الأكاذيب الرئاسية – ريتشارد نيكسون.
  • المال يكذب – بيرني مادوف.
  • أكاذيب احترافية- رابطة بين مراسل نيويورك تايمز السابق جيسون بلير و مراسلة واشنطن بوست جانيت كوك، واللذان كلاهُما اشتُهرا بتلفيق واختلاق التقارير

لا يمكننا منع أنفسنا من الكذب لأسباب عدة، فأوضحت سيسلا بوك، عالمة الأخلاقيات في جامعة هارفارد عن قصة غلاف مجلة يونيو، بعنوان «لماذا نكذب؟»: «الكذب أمر سهل جدًا مقارنة بالطرق الأخرى لاكتساب السلطة»، وأيضًا: «من السهل على الإنسان أن يكذب من أجل الحصول على ثروة أحدهم بدلًا من أن يضربه على رأسه، أو أن يسطو على أحد البنوك».

وهذا صحيح بالتأكيد، إذ جعلت التكنولوجيا الأمر مريبًا حقًا، فتنتشر الأكاذيب والإشاعات أسرع من قدرتنا على اكتشافها كما الحال دائما. ووجد الباحثون في الوقت ذاته، العديد من الأكاذيب والإشاعات لا تزال قائمة ومتداولة إلى يومنا هذا، رغماً عن وجود أدلة عديدة تفند تلك الأكاذيب. علاوة على ذلك، يتبين لدينا وجود فئات كاملة من المجتمع غير قادرة حتى الآن على الفصل بين الحقيقة والخيال وينغلقون تحت الأيدولوجية (الاعتقادات السياسية أو الاجتماعية وحتى الدينية)، بينما تبقى الحقائق الثابتة منبوذة ومنكرة.

اعتقد جاليلو قبل أربعمائة عام أن الأرض والكواكب تدور حول الأرض، وتسببت معتقداته، والتي تبيّن أنها صحيحة لاحقاً، بمشكلة كبيرة مع الفاتيكان بل وحوكِم ووُصف بالزندقة، ومن المفترض أننا قطعنا شوطاً طويلاً منذ ذلك الحين.

ومع ذلك، تواجه المعرفة العلمية حتى الآن معارضات باستمرار، بدءً من إثبات نظرية التطور وتغيُّر المناخ وظهور اللقاحات والكائنات المعدلة وراثيًا. وبقدر ما يبدو الأمر سخيفًا، لكن هنالك أشخاص يعتقدون أن المياه المفلورة هي مؤامرة شيوعية، وأن الهبوط على القمر كان مزيفًا.

ولدينا اليوم العديد من المعلومات التي لا يمكن دحضها ويتحقق منها عدة مرات، ومع ذلك، يشكك بها ملايين الناس الذين يرفضون نتائج العلماء ويعتمدون بدلاً من ذلك على مصادرهم الخاصة لجمع المعلومات والتفسير المريب للأبحاث.

وتزداد المشكلة سوءًا في كل الأحوال. فيتلقى المستقبِل اليوم وجهة نظر معاكسة لكل الأبحاث التي تُنشر، وبفضل منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الركيكة بغض النظر عن مدى غرابتها.

نحن كإعلاميين لعبنا دوراً في ذلك. لمدة طويلة، وتحت مفهوم «التوازن»، فإننا جعلنا لكلا من المعلومة ونقيضتها، حجمًا متساويا. ويبحث أحد الخبراء والذي يدعى دان كاهان في جامعة كيف أصبح ما يعتقده المرء بشأن تغير المناخ جزءًا راسخًا من شعور الناس بذاتهم

هذا يعني أنه يمكنك أن تمطر شخصًا ما بالعديد من الحقائق التي تريدها في محاولة منك لتغيير رأيه، ولكنه سيرفض تقبُّل تلك الحقائق لأنه سيشعر أنها تهدد إحساسه بهويته.

إن الحل يكمن في جعل الحقائق مقبولة ومستساغة من أجل تقديمها بطريقة تروق لذوق الجمهور الأيديولوجي، فأوضح كاهان، ويحاول الأخير فك اكتشاف الطرق الأمثل التي تجعل الناس حين يتلقون أي خبر أو معلومة أن يشعروا بالأمان وبالرغبة بتصديقها، لا أن ينظروا للأمر بطريقة عدائية. إنه أمر يمكننا جميعا التعلم والإستفادة منه. علاوة على ذلك أبين أن الأمر كان أكثر بساطةً من الآن بالطبع. حينما بدأت مسيرته المهنية قبل سبع وثلاثين عامًا، كان يُقال «جِد الحقيقة واطبعها» وهذا ما يجدر بنا فعله آنذاك والآن. ولكننا الآن نواجه عدة أمور أكثر أهمية وتحديًا لنا كإعلاميين كمواجهة السياسيات الحزبية ووسائل التواصل الاجتماعي والانقسام في البلاد وانتشار الأكاذيب الرسمية بلا أسف. ربما يقودنا فهم علم الكذب للعودة للحقائق الفعلية مجددًا.

المصادر: 1