مقارنة بين المعرفة العلمية والمعرفة الدينية: نهجٌ جديد لاكتشاف الأسس النفسية لهما!

ربما تكون المحاولات المختلفة والكثيرة للحد من تدريس نظرية التطور في المدارس العامة الدليلَ الأوضح على قلق الأمريكيين الشديد بشأن العلاقة بين الدين والعلم، فخلال العقد الماضي، حشدت عدة قضايا في ولايات بنسلفانيا وجورجيا وكانساس اهتمامًا يشبه الدعاية التي حظيت بها محاكمة سكوبس Scopes Trial في مدينة دايتون بولاية تينيسي في عام 1925 (اتُّهم حينها المدرس جون سكوبس John T. Scopes بانتهاك قوانين الولاية التي تحظر تعليم التطور في المدارس الممولة حكوميًا). لهذه المخاوف الكبيرة تاريخ طويل يعود إلى العصور الوسطى إن صحَّ القول، عندما قدّم مفكرون عرب الأعمال العلمية لليونانيين القدماء في الغرب، ومذ خرج الإنجليزي تشارلز داروين Charles Darwin بنظرية التطور، أصبحت المقارنات بين العلم والدين أشبه بحرفة يمارسها أشخاص يدعمون الدين، وآخرون يدعمون العلم، وغيرهم من الداعمين للأمرين معًا، إذ تظهر عشرات الكتب التي تقارن بين العلم والدين كل عام من كبار الناشرين في العالم وحدهم، ولا شك أن هناك الكثير من الناس الذين لا يبالون بأي منهما، لكنهم عادة ليسوا من النوع الذي يؤلف كتبًا عن تلك اللا مبالاة.

نظرًا للكمّ الهائل من الأفكار الدينية والعلمية والإثارة التي تحيط بكل منهما، ليس غريبًا أن يستمر الناس في إنتاج واستهلاك الأعمال التي تقارن بينهما. وفي هذا السياق، جذبت أعمال الملحدين الجدد مثل دوكينز Dawkins ودينيت Dennett وهاريس Harris وهيتشنز Hitchens القدر الأكبر من الاهتمام على مدى السنوات الخمس أو الست الماضية، إذ وضع هؤلاء الدين في موقف دفاعي من خلال دراسة التناقضات بين ما تقدمه الأديان من تصورات عن العالم والقواعد العلمية التي تحكمه، فالكثير من الناس لا يجدون صعوبة في تذكر بعض الادعاءات الغريبة أو المضحكة من دين شخص آخر، رغم أنهم غير معتادين على التفكير بما يؤمنون به من مقدسات قد تكون هي الأخرى غريبة ومضحكة، وما يجعلها تبدو كذلك طبعًا هو تناقضها الواضح مع الفطرة السليمة، ناهيك عن دحضها عبر نتائج العلم الحديث.

تكشف التناقضات بين الدين والعلم وما تحمله مثل هذه الصراعات الفكرية عن فجوة كبيرة بين العاملين في هذا المجال، إذ يؤكد العديد من المطلعين المتدينين في جميع أنحاء العالم على مدى ضآلة التغييرات في رؤية دياناتهم للأمور، ويتحدثون باستمرار عن “الحقائق الأبدية”، كما فعل السيناتور ريك سانتوروم Rick Santorum مؤخرًا في حملته الانتخابية أثناء الانتخابات التمهيدية لولاية كارولاينا الجنوبية South Carolina، إذ تحمل هذه “الحقائق” ختم الموافقة الإلهية، وتُصوَّر المذاهب الدينية روتينيًا بهذه الطريقة، وهذا ما يدعى بالعقيدة.

يفسر بعض الناس العلم بالأسلوب ذاته، إذ يعتبرونه مجموعة من الادعاءات المستقرة والثابتة والتي يجب حفظها مرة واحدة وإلى الأبد (الجدول الدوري على سبيل المثال). الاختلاف الوحيد، في وجهة النظر هذه، بين الحقائق الدينية والحقائق العلمية هو أن الأولى تصل إلينا عادةً كوحي منزّل بلمح البصر، في حين تأخذ الثانية وقتًا طويلًا وتتراكم تدريجيًا ببطء.

على الرغم من اتفاق معظم فلاسفة العلم والمطلعين علميًا على أن العديد من نجاحات العلم تُكتسب بمرور الوقت، إلا أنهم يميلون إلى التأكيد على مدى تغير الحسابات العلمية، وعلى عكس ما يفترضه معظم طلاب المدارس الثانوية، فإن العلم، وفقًا لوجهة النظر البديلة هذه، لا ينتج مجموعة من الحقائق الثابتة التي يجب التعامل معها على أنها تنزيل إلهي، بل يرى أصحاب هذا الرأي أن العلم تحقيق وبحث مستمر لا ينتهي، يحاول دائمًا إيجاد أدلة جديدة ونماذج ونظريات أفضل، ويخضع لتغيير دوري. فقد تسمع دائمًا أشياء مثل «لا تأكلوا البيض»، أو «كُلوا البيض»، و«العصر الجليدي القادم ليس ببعيد»، أو أن «تغير المناخ الذي يسببه البشر يؤدي إلى الاحتباس الحراري»، وما إلى ذلك، وهذا التغير والتطور المستمر للعلم هو أحد الأسباب التي تجعل تقييم العلاقة بين العلم والدين “صناعة نامية”.

هناك سبب آخر يجعل من هذه الأنماط مثيرة للاهتمام، فمع صعود وتطور علوم الإدراك، نمتلك الآن أدوات لتحليل وكشف أسباب اتباع عقول البشر للمسارات الدينية أو العلمية، وأنواع المعالجة المعرفية والنتائج المرتبطة بكل منها. وعلى النقيض من علم إدراك العلوم التطبيقية القديم قِدَم العلوم ذاتها، فإن علم إدراك الدين يعد مجالًا فرعيًا صغيرًا حديث العهد، إذ بدأ بالظهور خلال العقدين الماضيين فقط.

النقطة الحاسمة والهامّة هنا هي أن علوم المعرفة والإدراك تقدم نهجًا جديدًا تمامًا للمقارنة بين العلم والدين.

من المؤكد أن مقارنة الأسس المعرفية لكل منهما ستتداخل مع المقارنات التقليدية لخصائصهما الفكرية، إلا أن هذه المقارنة الجديدة ستمكننا من التعرف على العمليات الكامنة وغير الواعية التي تجري في عقولنا، عبر خوض غمار بحور عميقة ضمن أدمغتنا لم تُكتشف إلا منذ وقت قريب جدًا.

ينتهي كاتب المقال إلى أن علم الإدراك والمقارنة المعرفية تعِد برؤى جديدة ومذهلة عن العلم والدين والعلاقة بينهما.

المصادر: 1