فقدان إرادة الاستمرار سم مميت!

رغم أنه يبدو أبعد ما يكون عن المعنى العلميّ، إلّا أنّ «مرض الاستسلام» هو مصطلح حقيقي يُستخدَم للتعبير عن ظاهرة طبية سبق أنْ تم توثيقها، على الرغم من كونها غير مفهومة بشكل تام إلى الآن، حيث يفقد الإنسان رغبته بالاستمرار في الحياة مما يؤدي إلى موته مع غياب أيّ سبب وظيفي واضح للموت.

وُصِفَتْ هذه الحالة لأول مرة لدى جنود أمريكيين وكوريين؛ حيث لقي بعضهم حتفه عندما كانوا أسرى حرب في المعسكرات خلال الحرب الكوريّة، وفيما بعد ظهرت لدى أسرى حرب الفيتنام والناجين من حطام السفن، وعُرِفَتْ كأثر شائع في معسكرات الاعتقال النازية وفقًا لِذكريات بعض الناجين من الاعتقال.

وكان القاسم المشترك بين كل حالات هذه الظاهرة هو أنها تحدُث عندما يتعرض الشخص لحدثٍ صادمٍ على الصعيد النفسي لدرجة يشعر فيها أنْ لا مخرج منه، لنرى حينها أن هذا الشخص يستجيب للأمر باللامبالاة الشديدة تتزايد إلى حد دفعه للانسحاب من الحياة حتى يخرج من جسده الفاني كُليًّا بالموت.

ولكن لم يكن الموت دومًا هو النتيجة الحتمية لهذه الظاهرة، حيث نجد أُناسًا قد تعافوا من حالات مماثلة لتلك التي سبقت موت الأشخاص الذي خضعوا لها نفسها، وذلك بعد أنْ دفعهم شخص أو شيء ما للانخراط في الحياة الواقعية مُجددًا.

وبعد التحقق من العديد من السجلات التاريخية والحديثة، خلصَ الدكتور جون ليتش والباحث في جامعة بورتسموث إلى أنّ الاستسلام قد يكون ظاهرة أكثر شيوعًا مما كان يُعتَقَد سابقًا. فقد لوحِظَتْ حالات واضحة تعود إلى القرن السابع عشر، كما نجد تقارير حديثة عن وفاة لكبار السن ومرضى المستشفيات بعد معاناتهم مع السمات المميزة للحالة.

وعلى أمل فهم هذه الحالة المُحيّرة بعمق أكبر في سبيل تحقيق فرص للتحايل عليها وتجاوزها، شرعَ ليتش في وضع أول وصف للعلامات السريرية لها. بحيث ذكر بحثه – والذي نُشر مؤخرًا في مجلة Medical Hypotheses الطبية – نمطًا مؤلفًا من خمس مراحل لظاهرة الاستسلام، حيثُ كما يشير اسم البحث فإنه يقوم على فرضيات تفسر نشاط الدماغ القائم أثناء تلك الحالة.

قال ليتش: «إنَّ الموت النفسي أمرٌ حقيقي، إنّه ليس انتحارًا، وليس من الضروري أن يكونَ مرتبطًا بالاكتئاب، لكنَّهُ فعل التخلي عن الحياة مُؤديًا للموت عادةً في غضون أيام، إذًا فهو حالة حقيقية جدًا تكون تالية غالبًا لصدمة شديدة«. موضحًا أن الأشخاص الذين يعانون من الاستسلام يعتبرون الموت أفضل آلية مُمكِنة للتعامل مع الضغوط في الظروف التي عجزوا عن تحملها.

المرحلة الأولى هي الانسحاب الاجتماعي، لا شك أن هذا الأمر يتبعه بعض الأفراد الذين تعرضوا لصدمة كبيرة. لكن في حالة ظاهرة الاستسلام، إذا لم يُضبَط الموضوع فقد يتطور هذا الانسحاب إلى المرحلة التالية “اللامبالاة”. وهنا استند ليتش إلى قصص الأشخاص الذين تعافوا لوصف هذا النوع من اللامبالاة، إذ قالوا بأنه حالة كآبة مُحبَطة تختلف تمامًا عن الغضب أو الحزن أو الإحباط الطبيعي، حيث يشعر الشخص فيها وكأنه عالق في حالة جمود عميق، وفي هذه المرحلة، غالبًا ما يتوقف الفرد عن تنظيف نفسه.

في المرحلة الثالثة “aboulia” تزداد اللامبالاة إلى حد فقدان الفرد أي رغبة في أداء أي مهمة يومية؛ حتى أنهم غالبًا ما يتوقفون عن الكلام والأكل. الشيء الملفت للانتباه في هذه المرحلة هو أن العقل يبدو فارغًا أو حتى ذا وعي خالي من أي مضمون.

إذ يصف الأشخاص الذين تعافوا في هذه المرحلة أنه عقلهم كان أشبه بالهريسة، أي أنَّهُ لا يملك أي فكرة على الإطلاق. رغم أن العقل يكون في حالة تأهب إلَّا أن الشخص يكون قد فقد الداوافع التي تُثير السلوك الموجه لتحقيق الأهداف .

المرحلة الرابعة “الجمود النفسي” والتي تتميز بفقدان الاستجابة للمنبهات الجسدية، وحتى للألم الشديد. وأخيراً، إذا لم يحدث أي تدخل لتجاوز هذه الحالة، فإن الذين يعانون من الاستسلام سيصلون أخيرًا إلى المرحلة الخامسة: الموت.

وقال ليتش أنه في هذه المرحلة: «ربما نجدهم متروكين في فضلاتهم دون أي تحذير قادر على دفعهم للشعور بالرغبة في المحاولة مُجددًا».

يعتقد ليتش أن التغييرات التي تطرأ على عدة مناطق دماغية مترابطة – والتي تسمى مجتمعة الدائرة الحزامية الأمامية (ACC)- قد تكون هي المسؤولة عن الآلية الإمراضية في هذه الظاهرة، إذ أنها المسؤولة أساسًا عن التحفيز والبدء في السلوك الموجه لتحقيق الأهداف، وكذلك فإن تعطيل إشارات الدوبامين في هذه المناطق يؤدي إلى سلوك اللامبالاة الظاهر في حالاتنا هنا.

المصادر: 1