التعقيد المذهل لتطور الإنسان

في عام 1859، نشر تشارلز داروين Charles Darwin أهم كتاب علمي على الإطلاق. وهو حول أصل الأنواع، وأدى نشره إلى حدوث ثورة في فهم المجتمع للعالم الطبيعي. إذ جادل داروين بأن الأنواع ليست ثابتة. بل إن الحياة على الأرض، بكل تنوعها المبهر، قد تطورت من خلال النسب، أي من سلف مشترك مع حدوث تعديلات عن طريق الانتقاء الطبيعي. ولكن على الرغم من كل رؤى داروين الرائعة حول أصول النمل ants والأرماديلوس armadillos والخفافيش bats والبرنقيل barnacles، فإن أحد الأنواع كان مهمل بشكل واضح في الكتاب العظيم، وهو نوعنا أي الإنسان العاقل، فلم يذكر داروين سوى إشارة عابرة في نهاية الكتاب، مشيرًا بخجل إلى أنه سيتم إلقاء الضوء على أصل الإنسان وتاريخه. هذا هو كل ما كتبه عن بزوغ فجر الأنواع الفردية الأكثر أهمية على هذا الكوكب.

لم يكن ذلك لأن داروين اعتقد أن البشر مستثنون بطريقة ما من التطور. فبعد اثني عشر عامًا نشر كتابًا مخصصًا لهذا الموضوع بالذات، أي أصل الإنسان. في الكتاب الجديد، أوضح أن مناقشة البشر في أطروحته السابقة لن تؤدي إلا إلى مزيد من التحيز للقراء ضد فكرته. ورغم ذلك، حتى في هذا العمل الجديد، لم يكن لديه الكثير ليذكره عن أصول الإنسان في حد ذاته، بحيث ركز على إثبات أصل الإنسان من خلال التشريح المقارن وعلم الأجنة والسلوك الذي تطور لدى البشر مثل جميع الأنواع.

كانت المشكلة أنه لم يوجد سجل أحفوري للبشر في ذلك الوقت لتقديم دليل على المراحل المبكرة من الوجود البشري. ففي ذلك الوقت، كان الشيء الوحيد الممكن معرفته هو ما يمكنك التفكير فيه واستنباطه كما يقول عالم الأنثروبولوجيا القديمة برنارد وود Bernard Wood من جامعة جورج واشنطن George Washington University. يُحسب لداروين أنه قام بملاحظات ذكية حول نوعنا وتوقعاتنا حول ماضينا القديم بناءً على المعلومات المتاحة له. إذ جادل بأن جميع البشر الأحياء ينتمون إلى نوع واحد وأن جميع أعراقهم تنحدر من سلف مشترك واحد. وأشار إلى أوجه التشابه التشريحية بين البشر والقردة الأفريقية، واستنتج أن الشمبانزي والغوريلا هما أقرب الأقارب الأحياء إلى الإنسان. وبالنظر إلى هذه العلاقة، وحسب تقديره، ربما عاش أسلاف الإنسان الأوائل في إفريقيا.

ذكر وود، منذ وقت داروين وحتى الآن، وصلت الأدلة، ففي القرن ونصف القرن الماضي، أكد العلم تنبؤات داروين وقام بتجميع وصف تفصيلي لأصولنا. إذ استخرج علماء الأنثروبولوجيا القديمة أحافير أشباه البشر، أي المجموعة التي تضم الهومو سابينز H. sapiens وأقاربها المنقرضة على مدى السبعة ملايين سنة الماضية. يُظهر السجل الاستثنائي المكتشف أن أشباه البشر قد بدأوا بالفعل في إفريقيا، حيث تطوروا من القردة الرباعية quadrupedal apes إلى كائنات منتصبة وذكية، مع وجود قدرة على استخدام الأصابع بصورة ذكية، أيضا امتلكوا عقولاً كبيرة نوعًا ما.

والسجل الأثري لإبداعات أشباه البشر، يرسم تطورها الثقافي، من التجارب المبكرة باستخدام الأدوات الحجرية البسيطة إلى اختراع الرموز والأغاني والقصص، ويضع أيضًا خرائط لانتشار أسلافنا في جميع أنحاء العالم. تُظهر الأحافير والمصنوعات اليدوية أنه في معظم الفترة التي تطورت فيها سلالاتنا، سارت أنواع متعددة من أشباه البشر على الأرض. وتؤكد دراسات الحمض النووي الحديث والقديم رؤى مذهلة حول ما حدث حين واجهوا بعضهم البعض. فالملحمة البشرية كما نفهمها الآن، هي أكثر تعقيدًا بكثير مما تصوره علماء العصور القديمة. لقد انهارت المجازات المنظمة لعصور ما قبل التاريخ تحت وطأة الأدلة، أي يمكننا القول أنه لا توجد حلقة واحدة مفقودة تربط بين القردة والبشر، ولا مسيرة على الطبول للتقدم نحو هدف محدد سلفًا، يُقصد أن التطور لا يسير في خط مستقيم. قصة التطور البشري معقدة وفوضوية وعشوائية. ومع ذلك، من الممكن فهمها في ظل نظرية التطور لداروين.

في عام 1871، وبحلول الوقت الذي نشر فيه داروين كتابه أصل الإنسان The Descent of Man، كانت فكرة أن البشر قد تطوروا من سلف مشترك مع القردة قد اكتسبت بالفعل قوة جذب في المجتمع العلمي بفضل الكتب التي نشرها عالم الأحياء الإنجليزي توماس هنري هكسلي Thomas Henry Huxley والجيولوجي الاسكتلندي تشارلز لايل Charles Lyell في ستينيات القرن التاسع عشر. ومع ذلك، فإن الأدلة الأحفورية لدعم هذا الادعاء كانت ضئيلة. إذ كانت أحافير أشباه البشر المعروفة عبارة عن حفنة من البقايا التي تعود إلى بضع عشرات الآلاف من السنين والتي تم انتشلت من مواقع في أوروبا. وكان بعضهم من نوع هومو سابينز H. sapiens. ولكن، في نهاية المطاف، سيتم التعرف على الأنواع الأخرى كأنواع منفصلة ولكنها وثيقة الصلة جدًا، مثل إنسان النياندرتال Homo neanderthalensis.

كان المعنى الضمني هو أن أحافير أسلاف البشر الأكثر شبهاً بالقردة موجودة في مكان ما في العالم، والجميع في انتظار الاكتشاف. اقترح داروين، مثل هكسلي من قبله، بأن هؤلاء الأسلاف موجودين في إفريقيا، ولكن في ذلك الوقت، قوبلت فكرة داروين وهكسلي بمقاومة من العلماء الذين رأوا آسيا كمكان ولادة أكثر تحضرًا للبشرية وأكدوا على أوجه التشابه بين البشر وجيبون آسيا Asia’s gibbons. بالتالي، ربما لا ينبغي أن يكون مفاجئًا، أنه عندما ظهرت أول أحفورة لأشباه البشر، كانت أقدم بكثير وأكثر بدائية من تلك الموجودة في أوروبا، أيضًا لم تأت من إفريقيا بل من آسيا. ففي عام 1891، اكتشف عالم التشريح الهولندي يوجين دوبوا Eugène Dubois بقايا في جزيرة جاوة الإندونيسية، يُعتقد أنها تنتمي إلى الحلقة المفقودة التي طال البحث عنها بين القردة والبشر.

حفز الاكتشاف الذي أطلق عليه اسم إنسان جاوة Pithecanthropus erectus مزيدًا من الجهود لتجذير البشرية في آسيا. نحن نعلم الآن أن حفرية دوبوا تعود إلى ما بين 700000 إلى مليون سنة وتنتمي إلى أشباه البشر، أي أقرب إلى الإنسان المنتصب Homo erectus. وبعد عقدين من الزمن، تحول البحث إلى أوروبا. وفي عام 1912 ذكر عالم الآثار تشارلز داوسون Charles Dawson أنه عثر على جمجمة شبيهة بالبشر وفك يشبه القرد في حفرة قديمة من الحصى بالقرب من موقع بلتداون Piltdown في شرق ساسكس Sussex بإنجلترا. كانت عينة بلتداون مان Piltdown Man وهو الاسم الذي أطلق على العينة، المنافس الرئيسي للحلقة المفقودة حتى كُشف عنها في عام 1953 كإقران احتيالي لجمجمة بشرية حديثة مع الفك السفلي لإنسان الغاب orangutan واستبعدت.

في عام 1925، بعد 43 عامًا من وفاة داروين، نشر عالم التشريح ريموند دارت Raymond Dart ورقة بحثية تصف أحفورة من تونج Taung في جنوب إفريقيا، وهي قاعدة دماغ تشبه القرود وأسنان شبيهة بالبشر. سمى دارت تلك الحفرية بجمجمة youngster’s ومعروفة الآن بعمر يقارب 2.8 مليون سنة، وسميت أسترالوبيثكس أفريكانوس Australopithecus africanus أي القرد الجنوبي من إفريقيا. لكن الأمر استغرق ما يقارب 20 عامًا للمؤسسة العلمية لقبول حجة دارت بأن حفرية تونج ذات أهمية كبيرة، أي أن الأحفورة ربطت البشر بالقردة الإفريقية. ومنذ ذلك الحين، تراكمت الأدلة على الأصول الأفريقية للبشرية. وكل أثر من أشباه البشر كان أقدم من 2.1 مليون سنة. حتى عندما أثبتت الاكتشافات الأحفورية أن داروين على حق بشأن مسقط رأس البشرية في إفريقيا، ظل نمط ظهورنا بعيد المنال وغير مفهوم. صور داروين التطور على أنه عملية متفرعة تنقسم فيها أنواع الأسلاف إلى نوعين أو أكثر من الأنواع المنحدرة.

ولكن التقليد القديم لتنظيم الطبيعة كان يستند لرؤية ذات شكل هرمي، وهو تقليد يعود إلى سلسلة الوجود العظيمة لأرسطو وأفلاطون، كان للرؤية الهرمية تأثير على فهم التطور في ذلك الوقت، مما أدى إلى ظهور فكرة أن تطورنا كان بطريقة خطية مستقيمة من البسيط إلى المعقد، ومن البدائي إلى الحديث. بحيث عكست الصور الشعبية هذه الفكرة وعززتها، من رسم كاريكاتوري نشر في Punch’s Almanack من العام 1882 يظهر تقدمًا من دودة الأرض إلى داروين، إلى الرسم التوضيحي الشهير من قرد إلى رجل، وهو الرسم الذي ظهر عام 1965 في كتاب Time-Life Early Man وأصبح الرسم مشهورًا ومعروفًا باسم March of progress. جميع ما ذكر أفكار خاطئة بالطبع.

بعد ذلك وخلال القرن الماضي، استخرجت أعداد كبيرة من الحفريات والتحف من جميع أنحاء العالم، مما مكن علماء الأنثروبولوجيا القديمة الآن من إمكانية فهم توقيت ونمط التطور البشري. إذ أظهرت الاكتشافات بوضوح أن مخطط التطور المستقيم ليس صحيحًا. فالتطور لا يسير بخطى ثابتة نحو أهداف محددة سلفًا. والعديد من عينات أشباه البشر لا تنتمي إلى خط أسلافنا المباشر، ولكن تنتمي إلى فروع جانبية للبشرية، أي تجارب تطورية انتهت بالانقراض. بالتالي تطورت سماتنا وصفاتنا بخطى غير متقاربة، وبأسلوب مجزأ. راقب أسلوبنا في الحركة على سبيل المثال، نحن الإنسان العاقل، أجسادنا مبنية للمشي على قدمين على الأرض. لكن يمكننا تسلق الأشجار إذا احتجنا لذلك، لكننا فقدنا التكيفات الجسدية التي تساعدنا على التسلق.

تُظهر أحافير مجزأة لأقدم أشباه البشر المعروفة مثل إنسان الساحل التشادي Sahelanthropus tchadensis، و أورورين توجنسيس Orrorin tugenensis من كينيا، وأرديبيتيكوس كادابا Ardipithecus kadabba من إثيوبيا، أن أسلافنا الأوائل نشأوا منذ حوالي سبعة ملايين إلى 5.5 مليون سنة. وعلى الرغم من أنها تشبه القردة في العديد من النواحي. لكن كل منهم يظهر خصائص مرتبطة بالمشي المنتصب على قدمين بدلاً من أربعة. على سبيل المثال في حفرية إنسان ساحل التشاد، يكون الثقب الموجود في قاعدة الجمجمة والذي يمر من خلاله الحبل الشوكي في وضع أمامي يشير بوضوح إلى وضعية مشي منتصبة. بالتالي قد تكون المشية المنتصبة على قدمين من السمات الأولى التي ميزت أشباه البشر عن القردة الأسلاف. ومع ذلك، يبدو أن أسلافنا احتفظوا بالسمات اللازمة للتنقل الشجري لعدة ملايين من السنين بعد أن تطورت لديهم لأول مرة قدرة المشي على قدمين.

كان أسترالوبيثكس أفارينسيس Australopithecus afarensis والذي عاش في شرق إفريقيا منذ 3.85 مليون إلى 2.95 مليون سنة، ويمثله الهيكل العظمي المعروف باسم لوسي، والمكتشف عام 1974، يوضح أن أسترالوبيثكس يمشي منتصبًا كما أظهر التشريح المقارن. ولكن كانت أذرعه طويلة وقوية، مع امتلاكه لأصابع منحنية، وهي سمات مرتبطة بتسلق الأشجار. تمر مليون سنة حتى تتطور الأطراف الحديثة لدى أشباه البشر، ثم تتحول حياتهم إلى الأرض بشكل كامل، بدءًا من الإنسان المنتصب في إفريقيا، ويُطلق عليه أحيانًا اسم الإنسان العامل homo ergaster.

أما عن الدماغ، فتطور الدماغ كان وفقًا لجدول زمني مختلف تمامًا. على مدار التطور البشري، تضاعف حجم الدماغ أكثر من ثلاثة أضعاف. ومع ذلك، فإن مقارنة دماغ أسترالوبيثكس أفارينسيس مع الأحافير الأقدم بكثير مثل إنسان ساحل تشاد تُظهر أنه بالكاد حدث أي من هذا النمو في الملايين القليلة الأولى من التطور البشري. في الواقع، حدث معظم التوسع في الدماغ خلال المليوني سنة الماضية، والأرجح أنه تم تعزيز تطور الدماغ من خلال حلقة التغذية الراجعة التي أتاحت فيها التطورات التكنولوجية مثل الأدوات الحجرية وما شابه لأشباه البشر من إمكانية الوصول إلى المزيد من الأطعمة المغذية مثل اللحوم، والتي بإمكانها تغذية كمية أكبر، بالتالي الأدمغة أصبحت أكثر حاجة للطاقة. ورافقت التحولات في شكل وبنية الدماغ هذه المتطلبات.

هذا النمط الفسيفسائي لتطور أشباه البشر، والذي تطورت فيه أجزاء مختلفة من الجسم بمعدلات مختلفة، أنتج بعض المخلوقات المدهشة. على سبيل المثال، أسترالوبيثكس سيديبا Australopithecus sediba من جنوب إفريقيا، يعود تاريخه إلى 1.98 مليون سنة مضت، كان لديه يد شبيهة بالإنسان متصلة بذراع شبيهة بالقردة، وقناة ولادة كبيرة، ولكن دماغ صغير، وعظم كاحل متقدم متصل بعظم كعب بدائي. وهي صفات مشتركة كما نلاحظ.

عندما يفحص العلماء أحفافير أشباه البشر، قد يكون من الصعب تمييز ما إذا كانت الأنواع قد احتفظت بسمة بدائية مثل صغر حجم الدماغ من سلف سابق أو ما إذا كانت قد فقدت هذه الخاصية ثم أعادت تطويرها. لكن الحالة الغريبة لإنسان فلوريس Homo floresiensis قد تكون مثالًا على هذا الأخير. عاش إنسان فلوريس في جزيرة فلوريس Flores في إندونيسيا منذ 50 ألف عام، ومع ذلك يتضح من نواحي كثيرة أنه مشابه للأحافير الأساسية لجنسنا والتي عاشت قبل أكثر من مليوني عام. حيث لم يكن لإنسان فلوريس جسم صغير فحسب، بل كان يمتلك أيضًا دماغًا صغيرًا بشكل ملحوظ مقارنة بالإنسان العاقل، أي بحجم يقارب حجم دماغ الشمبانزي.

أفضل توقع للعلماء كان أن هذا النوع انحدر من نوع بشري أكثر ذكاءً، لكن انقطعت به السبل في جزيرة فلوريس، ونتيجة لذلك طور حجمه الصغير كتكيف مع الموارد الغذائية المحدودة المتوفرة في موطنه الجزري. بالتالي يبدو أن إنسان فلوريس قد غير ما اعتبره الباحثون ذات مرة اتجاهًا محددًا لتطور الإنسان، أي التوسع الكبير في حجم الدماغ. ومع ذلك، وعلى الرغم من صغر حجم دماغ إنسان فلوريس، فإنه لا يزال قادرًا على صنع الأدوات الحجرية، وصيد الحيوانات للحصول على الطعام والطهي على النار.

إضافة إلى تعقيد قصة التطور البشري، أصبح من الواضح الآن أنه عاشت أنواع متعددة من أشباه البشر على الأرض في نفس الوقت. على سبيل المثال، ما بين 3.6 مليون و 3.3 مليون سنة عاشت أربعة أنواع على الأقل من أشباه البشر في إفريقيا. إذ استخرج عالم الأنثروبولوجيا القديمة يوهانس هايلي سيلاسي Yohannes Haile-Selassie من متحف كليفلاند Cleveland Museum للتاريخ الطبيعي وفريقه بقايا اثنين من أسترالوبيثكس أفارينسيس وأوسترالوبيثيكوس ديريميدا Australopithecus deyiremeda، بالإضافة إلى مخلوق ثالث محتمل معروف فقط من خلال قدم أحفورية مميزة من منطقة تسمى وورانسو ميل Woranso-Mille في منطقة عفار بإثيوبيا.

ذكر هايلي سيلاسي Haile-Selassie: «يمكن أن تتعايش الأنواع المتنافسة إذا كان هناك الكثير من الموارد أو إذا كانت تستغل أجزاء مختلفة من النظام البيئي». في وقت لاحق، منذ ما يقرب من 2.7 مليون إلى 1.2 مليون سنة، تشارك أفراد جنسنا الهومو Homo الأراضي العشبية في جنوب وشرق إفريقيا مع فرع مختلف جذريًا من البشرية. وهو جنس بارانثروبوس Paranthropus، وهم أشباه بشر لديهم أسنان وفكين كبار جدًا، وعظام خدود بارزة وعلامات فوق رؤوسهم تثبت وجود عضلات مضغ قوية. هنا يُفهم التعايش بشكل أفضل نوعًا ما، على سبيل المثال يبدو أن الإنسان قد تطور لاستغلال مجموعة متنوعة من النباتات والحيوانات من أجل الغذاء، وعلى الجانب الآخر تخصص بارانثروبوس في معالجة الأطعمة النباتية الليفية القاسية.

تداخل الإنسان العاقل مع أنواع أخرى من البشر أيضًا. على سبيل المثال، عندما كان جنسنا البشري يتطور في إفريقيا منذ 300000 عام، كانت أنواع أخرى عديدة من أشباه البشر تجوب الكوكب أيضًا، مثل إنسان نياندرتال ممتلئ الجسم في أوراسيا، وهو من أقرب الأقارب لنا. وينتمي آخرون بما في ذلك هومو ناليدي Homo naledi في جنوب إفريقيا والإنسان المنتصب في إندونيسيا إلى سلالات تباعدت عن سلالاتنا في الماضي السحيق.

حتى قبل 50000 عام، كان تنوع أشباه البشر هو السائد، مثلاً مع إنسان نياندرتال، وإنسان دينيسوفان Denisovans الغامض من آسيا، وإنسان فلوريس الصغير، وأشباه البشر الصغير الآخر، وهو الإنسان الذي اكتشف مؤخرًا من الفلبين، وسُمي إنسان كالاو homo luzonensis. جميع هذه الأنواع عاشوا في نفس الوقت حتى قبل 50 ألف سنة. تقدم هذه الاكتشافات صورة دقيقة عن التطور البشري كشجرة متفرعة، بدلاً من فكرة التطور الخطي وهي فكرة مغلوطة كانت سائدة بين الغالبية بسبب فكرة رسم كاريكاتير خاطئ.

لكن السؤال المطروح، كيف انتهى المطاف بالإنسان العاقل ليكون الفرد الوحيد الباقي من بين جميع هذه الأنواع؟

نعلم من الحفريات التي عُثر عليها في موقع جبل إرهود Jebel Irhoud في المغرب أن جنسنا نشأ في إفريقيا قبل 315000 عام على الأقل. وقبل حوالي 200000 عام بدأ الإنسان العاقل بالخروج من إفريقيا، وبحلول 40000 عام، استقر الإنسان العاقل في جميع أنحاء أوراسيا. في النهاية اختفى الجميع ما عدا الإنسان العاقل. على سبيل المثال قبل حوالي 30000 إلى 15000 سنة، كانت نهاية إنسان نياندرتال في أوروبا ودينيسوفان في آسيا، بعد ذلك بقي الإنسان العاقل وحيدًا في العالم.

غالبًا ما يعزو الباحثون نجاح جنسنا البشري إلى التفوق الإدراكي. على الرغم من أن النياندرتاليين كان لديهم أدمغة أكبر قليلاً من أدمغتنا، لكن يبدو أن السجل الأثري يشير إلى أن الإنسان العاقل فقط هو من صنع أدوات متخصصة ورموزًا مستخدمة، وهي علامات تشير إلى أهمية اللغة لدى الإنسان العاقل. توجد احتمالات أخرى، ترجح نجاح الإنسان في البقاء بفضل البصيرة الأكثر حدة، والتكنولوجيا الأفضل، واستراتيجيات البحث الأكثر مرونة، والشبكات الاجتماعية الداعمة خلال الأوقات الصعبة.

اقترح بعض الباحثين أيضًا، أنه ربما شن الإنسان العاقل حربًا على منافسيه، مما أدى إلى إبادتهم مباشرة. لكن الاكتشافات الحديثة تتحدى هذه السيناريوهات. إذ عرف علماء الآثار أن تكنولوجيا إنسان النياندرتال كانت أكثر تنوعًا وتعقيدًا مما كان يعتقد سابقًا. إذ صنع إنسان نياندرتال أيضًا المجوهرات والفنون وصنعوا المعلقات من الأصداف وأسنان الحيوانات ورسموا رموزًا مجردة على جدران الكهوف. علاوة على ذلك، ربما لم يكون النياندرتال المستنيرين الوحيدين، إذ تشير صدفة منقوشة عمرها 500000 عام من جاوة إلى أن الإنسان المنتصب يمتلك أيضًا فكرًا رمزيًا. بالتالي إذا كان أشباه البشر القدماء لديهم العديد من نفس القدرات العقلية مثل الإنسان العاقل، فلماذا ساد الإنسان العاقل؟

ربما لعبت الظروف التي بدأ فيها الإنسان العاقل دورًا. إذ تشير البيانات الأحفورية والأثرية إلى أن جنسنا البشري بقي في الغالب في إفريقيا لمئات الآلاف من السنين من بداية وجودهم، إذ يذكر الخبراء أن التطور كان مدفوعا لأسباب مثل انتشار الإنسان العاقل في القارة الأفريقية في مجموعات فرعية مترابطة، أي تنفصل هذه المجموعات وتلتقي بين حين وآخر على مدى آلاف السنين، مما سمح بفترات من التطور في عزلة تليها فرص للتزاوج والتبادل الثقافي. ربما تكون هذه التنشئة التطورية قد شحذت الإنسان العاقل ليصبح متكيفًا بشكل خاص. لكن هذه ليست القصة الكاملة كما نعلم الآن من علم الوراثة.

أحدثت تحليلات الحمض النووي ثورة في دراسة التطور البشري. بحيث أظهرت مقارنة الجينوم البشري بجينومات القردة العليا الحية بشكل قاطع أننا أكثر ارتباطًا بالشمبانزي والبونوبو، حيث نتشارك ما يقارب من 99 بالمائة من الحمض النووي الخاص بهم. وقد سلطت الدراسات واسعة النطاق للحمض النووي من البشر المعاصرين في جميع أنحاء العالم الضوء على أصول التنوعات البشرية الحديثة، وقلبت الفكرة القديمة القائلة بأن الأجناس هي مجموعات منفصلة بيولوجيًا ذات أصول منفصلة.

ذكر راف Raff: «لا يوجد إطلاقًا مجتمعات أو أعراق نقية». والتباين البشري الحديث مستمر، ومعظم الاختلافات موجودة بالفعل داخل المجموعات السكانية وليس بينها، والمقصود نتاج تاريخنا الديموغرافي كنوع نشأ في إفريقيا مع مجموعات سكانية مختلطة باستمرار أثناء هجرتها حول العالم.

في الآونة الأخيرة، ألقت دراسات الحمض النووي القديم ضوءًا جديدًا على عالم الإنسان العاقل المبكر كما كان عليه الحال عندما كانت أنواع أخرى من أشباه البشر موجودة على الكوكب. ففي أواخر التسعينيات بدأ علماء الوراثة في استخراج كميات صغيرة من الحمض النووي من أحافير إنسان نياندرتال وأوائل الإنسان العاقل. وفي النهاية نجحوا في الحصول على جينومات كاملة ليس فقط من إنسان نياندرتال وأوائل الإنسان العاقل، ولكن أيضًا من إنسان دينيسوفان، والمعروفين من حفريات قليلة مجزأة من سيبيريا والتبت. وقاموا بمقارنة هذه الجينومات القديمة بالجينومات الحديثة. بالتالي، وجد الباحثون دليلاً على أن جنسنا قد تزاوج مع هذه الأنواع الأخرى. أي أن الناس اليوم يحملون الحمض النووي من إنسان نياندرتال ودينيسوفان كنتيجة لهذه اللقاءات الطويلة. وقد وجدت دراسات أخرى دليلاً على التزاوج بين الإنسان العاقل وأشباه البشر المنقرضين غير المعروفين من إفريقيا وآسيا، أي أشباه لا نمتلك أحافير لهم، ولكن الحمض النووي الخاص بهم موجود لدينا.

بالتالي قد يكون التزاوج مع الأنواع البشرية الأخرى قد ساعد في نجاح الإنسان العاقل. إذ أظهرت الدراسات التي أجريت على الكائنات الحية بدءًا من العصافير إلى أشجار البلوط أن التهجين مع الأنواع المحلية يمكن أن يساعد في ازدهار الأنواع المستعمرة في بيئات جديدة من خلال منحها جينات مفيدة. على الرغم من أن العلماء لم يتوصلوا بعد إلى وظائف معظم الجينات التي يحملها الناس اليوم من أشباه البشر المنقرضة، إلا أنهم حددوا القليل منها، وكانت النتائج مثيرة للاهتمام. على سبيل المثال، أعطى إنسان نياندرتال جينات مناعية للإنسان العاقل والتي ساعدتنا على صد مسببات الأمراض الجديدة التي واجهناها في أوراسيا، وساهم دينيسوفان بجين ساعد الناس على التكيف مع الارتفاعات العالية.

في الوقت الراهن، يمتلك العلماء عددًا أكبر من قطع الأحجية الخاصة بأصل الإنسان أكثر مما كان لديهم من قبل. لكن لا تزال هناك العديد من الفجوات. على سبيل المثال، السؤال المهم عن سبب تطويرنا لهذه العقول الضخمة حوالي 1400 جرام. اقترح بعض الخبراء أن أدمغة أشباه البشر تضخمت نتيجة تكيفها مع التقلبات المناخية بين الظروف الرطبة والجافة، ولكن ما زالت هذه الأسئلة محل نقاش وبحث.

قد تؤدي هذه الألغاز إلى مزيد من البحث والتنقيب. على سبيل المثال، لا نعرف حتى الآن كيف كان شكل آخر سلف مشترك للبشر وجنس بان pan الذي يتضمن الشمبانزي والبونوبو. ولكن، تشير البيانات الجينومية والأحفورية إلى أن السلالتين تباعدتا بين ثمانية ملايين و 10 ملايين سنة، أي ما يصل إلى ثلاثة ملايين سنة قبل أن يظهر أقدم أشباه البشر على الأرض. ربما لا يوجد لدى علماء الأنثروبولوجيا أي أحافير حتى الآن للسلف المشترك مع جنس Pan.

لكن ربما تأتي الأخبار الجديدة من مشروع قيد التنفيذ حاليًا في وسط موزمبيق، حيث تبحث سوزانا كارفالو Susana Carvalho ورينيه بوبي René Bobe من جامعة أكسفورد University of Oxford وزملاؤهما عن أحافير الرئيسيات، بما في ذلك أشباه البشر، في رواسب أقدم من تلك التي وُجد فيها إنسان ساحل التشاد وأورورين وأرديبيثيكوس.

المصادر: 1