البحث عن كيمياء الحياة

نُشرت دراسة حديثة توضح إمكانية تشكّل أزواج قواعد الحمض النووي DNA عن طريق التسخين الجاف، أي بدون الحاجة إلى الماء أو المذيبات.

ذكر توميسلاف ستولار Tomislav Stolar من معهد Rudjer Boskovic في زغرب، والمؤلف الأول للورقة البحثية: «أحد أكثر الأسئلة إثارة للاهتمام في البحث عن أصل الحياة هو كيفية حدوث الانتقاء الكيميائي وكيفية تشكل الجزيئات الحيوية الأولى». بينما تتحكم الخلايا الحية في إنتاج الجزيئات الحيوية بآلاتها المعقدة، فمن المحتمل أن تكون اللبنات الأساسية الجزيئية وفوق الجزيئية للحياة قد أُنشئت من خلال الكيمياء النقية وبدون تحفيز من الإنزيمات. ومن أجل دراستهم، بحث العلماء في تكوين أزواج النواة التي تعمل كوحدات تعرّف جزيئي في الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين DNA.

تخزّن شفرتنا الجينية في الحمض النووي كتسلسل محدد مكتوب بواسطة القواعد النووية، وهم الأدينين A والسيتوزين C والجوانين G والثايمين T. ويرتّب الكود في خيوط طويلة مكمّلة لبعضها ملفوفة في هيكل حلزوني مزدوج. وترتبط كل قاعدة نووية في خيط مع شريك مكمل في الخيط الآخر، الأدينين مع الثايمين، والسيتوزين مع الجوانين.

أضاف ستولار: «تحدث عملية اندماج بين أزواج محددة فقط في الحمض النووي، ولكن عندما تُعزل القواعد النووية فإنها لا تميل للارتباط ببعضها البعض. هذا الحدث يؤدي إلى طرح سؤال مهم. لماذا اختارت الطبيعة هذه الأزواج الأساسية»؟

للإجابة عن هذا التساؤل، بدأت سلسلة من الأبحاث تستهدف عملية الاندماج بين القواعد النووية بعد اكتشاف جيمس واتسون James Watson وفرانسيس كريك Francis Crick للبنية الحلزونية المزدوجة للحمض النووي في عام 1953. ومع ذلك، لم تنجح تجارب اندماج أزواج القواعد النووية بالصورة المطلوبة في ظروف يمكن اعتبارها مشابهة لفترة ما قبل نشأة الحياة.

ذكر المؤلف المشارك مارتن إتر Martin Etter من مركز ديزي DESY: «اكتشفنا مسارًا مختلفًا وحاولنا أيضًا معرفة إمكانية تجميع أزواج القواعد النيتروجينية من خلال الطاقة الميكانيكية أو ببساطة عن طريق التسخين». وتحقيقًا لهذه الغاية، درس الفريق القواعد النووية الميثيلية methylated nucleobases. إذ يسمح ارتباط مجموعة ميثيل CH3 بالقواعد النووية المعنية بتكوين روابط هيدروجينية في جانب واتسون كريك من الجزيء.

تتشكل القواعد النووية الميثيلية بشكل طبيعي في العديد من الكائنات الحية حيث تؤدي مجموعة متنوعة من الوظائف البيولوجية.

حاول العلماء إنتاج أزواج من القواعد النووية عن طريق الطحن. إذ تُوضع مساحيق قاعدتين نوويتين مع كرات فولاذية في آلة طحن شبيهة بالجرة لتوفير وسط للطحن، ثم تُهز الجرة بطريقة منتظمة. في النهاية، أنتجت التجربة أزواج A:T والتي لاحظها علماء آخرون من قبل. ولكن لم تنجح التجربة في تكوين أزواج G:C.

في الخطوة الثانية، سخّن الباحثون مسحوق السيتوزين والجوانين المطحون. ووفقًا لتقرير ستولار: «عند وصول درجة الحرارة إلى ما يقارب 200 درجة مئوية، يمكننا بالفعل ملاحظة تكوين أزواج السيتوزين والجوانين». ومن أجل اختبار ما إذا كانت القواعد تُشكّل الأزواج المعروفة فقط في ظل الظروف الحرارية، كرر الفريق التجارب مع مزيج من ثلاثة وأربعة قواعد نووية في محطة قياس P02.1 لمصدر الأشعة السينية PETRA III الخاص بمسرع ديزي DESY. في هذه الحالة، يُمكننا مراقبة التركيب البلوري المفصل للخلائط أثناء التسخين ويمكننا ملاحظة تشكّل مراحل جديدة.

ذكر إتر، رئيس محطة القياس: «عندما وصلت درجة الحرارة إلى ما يقارب 100 درجة مئوية، استطعنا ملاحظة تكوين أزواج الأدينين والثايمين، وعند ما يقارب 200 درجة مئوية، تكونت أزواج واتسون-كريك من الجوانين والسيتوزين». «ولم تتشكل أي أزواج أساسية أخرى حتى عند رفع درجة الحرارة أكثر وصولاً إلى الذوبان». وهذا يثبت أن التفاعل الحراري لأزواج القواعد النووية له نفس الانتقائية كما في الحمض النووي.

أضاف ستولار: «تُظهر نتائجنا طريقًا بديلًا محتملًا لكيفية تشكّل أنماط التعرف الجزيئي التي نلاحظها في الحمض النووي». «بالتالي فإن ظروف التجربة معقولة بالنسبة لمراحل الأرض الفتيّة، حيث كانت كتلة ساخنة مليئة بالبراكين والزلازل وتأثيرات النيازك وجميع أنواع الأحداث القاسية الأخرى. فتحت نتائج دراستنا العديد من المسارات الجديدة في مجال البحث عن الأصول الكيميائية للحياة».

يخطط الفريق لمزيد من البحث في هذا المسار من خلال تجارب المتابعة في محطة P02.1.

يعتبر مركز ديزي واحد من أهم مراكز مسرعات الجسيمات في العالم، إذ يدعم المركز إمكانية البحث في بنية ووظيفة المادة. ويوفّر نطاقًا بحثيًا يمتد من دراسة تفاعل الجسيمات الأولية الصغيرة وسلوك المواد النانوية الجديدة والجزيئات الحيوية الرئيسية إلى الألغاز العظيمة للكون.

تعتبر مسرعات الجسيمات وأجهزة الكشف التي أنشأتها وطورتها شركة ديزي في مواقعها في هامبورغ Hamburg وزيوثن Zeuthen أدوات بحث فريدة من نوعها. إذ تُولّد من خلالهم الأشعة السينية الأكثر كثافة في العالم، وتُسرّع الجسيمات لتسجيل الطاقات وفتح آفاق جديدة في البحث عن أسرار الكون.

المصادر: 1