على الأرجح، إن هذا الشكل هو ما بدت عليه أول زهرة في العالم

مع التنوع المدهش الذي نعرفه اليوم للزهور، ابتداءً من أزهار الطحلب البطي الدقيقة(صغيرة الحجم) وصولاً لزهرة الجثة التي يبلغ ارتفاعها عدة أمتار، فإنه من الصعب تخيل أنها تنحدر جميعاً من نوعٍ واحدٍ فقط.

تشارلز دارون نفسه شعر بالحيرة من الكيفية التي تنوعت بها النباتات المزهرة في بدايات تطورها. الآن وقد اكتشف العلماء ما قد يبدو عليه سلف الزهرة، قد تساعدهم هذه الدراسة على التوصل إلى الكيفية التي انتشرت بها الأزهار في العالم.

تعتبر الحفريات الطريقة الأكثر ضماناً للتعرف على الكائنات الحية التي عاشت في الماضي، ولكنها صعبة المنال بالنسبة للزهور الأولى، حيث تعود أقدم الأزهار المحفوظة إلى حوالي 130 مليون سنة -أي على الأقل بعد مرور 10 ملايين سنة من الوقت الذي يعتقد فيه الباحثون أن سلف جميع النباتات المزهرة كان حياً- ولكن هناك طريقة أخرى لمعرفة الأنواع التي اختفت منذ فترةٍ طويلة، وذلك من خلال إلقاء نظرةٍ دقيقةٍ على أشكال أحفادهم الحديثة، وتَتَبُّع تاريخ تلك الأشكال إلى جذع شجرتها العائلية.

وتحقيقاً لهذه الغاية، يشارك عشرات الباحثين في مشروع الزهرة الإلكترونية، حيث تُجمع البيانات من الأوراق العلمية لإنشاء أكبر قاعدة بياناتٍ عن بنية الأزهار الحديثة، مثل أعضائها الجنسية وتصاميم تويجاتها. شمل التحليل أكثر من 13,000 نقطة بياناتٍ تعود إلى وصف عالم الأحياء التطورية الشهير جان باتيست Jean Baptiste Lamarck في عام 1783.

من خلال جمع تلك البيانات مع شجرة العائلة القائمة على الحمض النووي ومعلوماتٍ عن الحفريات، اختبر العلماء الملايين من التشكيلات فيما يتعلق بكيفية تغيّر الزهور عبر الزمن لتحديد البنية والشكل الأكثر احتمالاً للزهور الأولى.

بالرغم من أن “الزهرة السلف” التي أعاد تشكيلها الفريق لا تبدو مختلفةً جذرياً عن العديد من الأزهار الحديثة، إلا أنها تمتلك مجموعةً من السمات غير موجودةٍ اليوم.

مثل العديد من الزهور اليوم، فقد احتوى السلف المشترك على كلٍّ من الأجزاء الذكرية والأنثوية في نفس الزهرة، أما ترتيب وأعداد تويجاتها وأجهزتها التي تنثر وتستقبل حبوب اللقاح فكلها تقع ضمن نفس دائرة أحفادها الحديثين، ولا توجد صفةٌ واحدةٌ تبرز بشكلٍ واضحٍ كصفةٍ قديمة، ولكن أيضاً لا توجد زهرةٌ حديثةٌ واحدةٌ تطابق تركيبها بالضبط.

إحدى الاكتشافات التي ستذهل بعض الباحثين كذلك أن تويجاتها وغيرها من الأعضاء نظمت في دوائر متحدة المركز في مجموعاتٍ من ثلاثة، بدلاً من التركيب اللولبي.

رتبت تويجات بعض من أقدم فروع شجرة عائلة النباتات المزهرة التي ما تزال على قيد الحياة، مثل شجيرة أمبوريلا ‘Amborella’ القديمة، بشكلٍ لولبي، وقد افترض العديد من الباحثين أن الشيء ذاته ينطبق على الزهرة الأولى.

لكن هيرفي سوكيه Hervé Sauquet عالم الأحياء التطورية في جامعة جنوب باريس، يقارن هذه النباتات مع مجموعة الثدييات القديمة التي تمتلك مناقير غريبة، والثديات المائية التي تضع البيض في أستراليا. على الرغم من أن بعض صفاتهم من المحتمل أن تكون من بقايا أصولهم القديمة، فإنها أيضاً تعكس مئات الملايين من السنين من التطور الحديث لبيئاتها المحددة . “نحن نبين فقط بأن هذا ينطبق على الأمبوريلا أيضاً” هذا ما يقوله سوكيه.

يشيد تشاك بيل Chuck Bell عالم الأحياء النباتية التطورية في جامعة نيو أورليانز في لويزيانا، بطريقة العمل التي تجمع بين العديد من الأنواع المختلفة من البيانات، من الحمض النووي إلى الحفريات وصولاً إلى بنية الزهور الحديثة. “من هذه الناحية، هذا مدهش” يقول بيل، إلا أنها تقترن أيضاً مع مبدأ الريبة، خاصةً وأن العديد من النباتات المزهرة في التاريخ لم يعد من الممكن دراستها.

“الكثير من الأنواع ماتت في الـ 200 مليون سنة الماضية” يلاحظ أليكس هاركس Alex Harkess عالم النبات التطوري في مركز دونالد دانفورث للعلوم النباتية في سانت لويس بولاية ميسوري.

أما بالنسبة لسؤال داروين، فإن الدراسة تشير إلى جوابٍ غير متوقع: من المرجح أن الزهور الأولى لم تصبح متنوعةً بسبب إضفاء تعقيداتٍ أكثر، وإنما بالأساس ﻷنها أصبحت “أبسط”، قم بإزالة بضعة مكوناتٍ فقط من هذا السلف “وسنستطيع بناء نصف تنوع الزهور الحية بسرعةٍ كبيرة” يقول سوكيه.

ترجمة: همام مهدي

تدقيق لغوي: نور الحاج علي

تدقيق علمي: نوال ادامغار

المصادر: 1