[the_ad_placement id="scine_before_content"]

سأصدق التطور عندما أرى قرداً يلد طفلاً بشرياً، وفي الحقيقة…أليس من المفترض أن تنقرض القرود؟

يهتم الخَلقيون بهذه الأسئلة ويعتبرونها دليلاً من منهجية التطوّر لإثبات عدم صحة النظرية، وغالباً ما تكون هذه الأسئلة موجهةً من أُناس عقلانيين. على أي حال فالأمر ينطوي تحت سوء فهمٍ للنظرية، وتعتمد الإجابة على هذه الأسئلة خصوصاً على ما يَعنيه الشخص بكلمة “قرود”.

الإجابة المختصرة:

البشر لم يتطوروا من القرود المعاصرة، بل إن البشر والقرود المعاصرة يشتركون بسلفٍ مشتركٍ منقرضٍ كان قرداً بالتأكيد، ففي شجرة الحياة التطورية للكائنات، البشر والقرود المعاصرة أقارب(أبناء أعمام).

توضيحٌ من الواقع:

جدي توفي من سنين عديدة، لكنه بالتأكيد ترك أحفاداً خلفه، منهم أنا، أختي، وأبناء أعمامي. فالسؤال “لو تطور البشر من القرود، لماذا ما زالت القرود موجودة؟” هو نفس السؤال “إن كنت منحدراً من جدك، فكيف ما يزال أبناء أعمامك موجودين؟”.

في الحقيقة، هذا سؤالٌ لا معنى له، أنا وأبناء عمي لنا جدٌّ واحد، ولا يوجد أيُّ سببٍ يستدعي فناءهم!.

كيف تنتوع الأنواع؟

نعود مرةً أخرى إلى السؤال “إذا تطور البشر من القرود لماذا لا زالت القرود موجودة؟”.

ويبدو أن كل من يَتبنّى هذا السؤال، يقع في سوء فهمٍ لكيفية إنتواع وتطور الأنواع، وهناك احتمالان حول زاوية نظر صاحب السؤال عن التطور:

  • تتطور (تتحول) الأنواع الرئيسة إلى أنواع متحدّرة، ما نعنيه هُنا بكلمة “تحوّل” أي لا يمكن أن يبقى النوع الرئيسِ على قيد الحياة من اللحظة التي بدأ بها بالتحول إلى نوعٍ جديدٍ تكيفاً مع الظروف.
  • الأنواع المنحدرة تنافس الأنواع الرئيسة على البقاء على قيد الحياة، ما يؤدي إلى انقراض السلف.

والاحتمالان لا يمكن أن تكمن بهما أيّة صحة، لو كان أحدهما صحيحاً، فإن عدد الأنواع على الأرض لن يزداد أبداً، و”شجرة الحياة” التطورية للأنواع لا يمكنها أن تكون شجرةً حتى.

في الحقيقة، إن هناك تفرعاتٍ كثيرةً في شجرة الحياة، ومعنى التفرع هذا في الشجرة هو ظهور نوعين جديدين من نوعٍ واحد، ويحدث هذا التفرع غالباً عندما تعزل الظروف بين أفراد النوع بطريقةٍ أو بأُخرى، مما يسبب تبايناً وراثياً بينهم.

السبب الرئيسِ للاختلاف الوراثي هذا بين أفراد النوع هو استمرارية تكيّف كلا المجموعتين مع ظروفٍ مختلفةٍ في بيئتين مختلفتين عن بعضهما.

بغض النظر عن مناخ المنطقتين، حتى لو كانتا متشابهتين مناخياً، فإن التباين الوراثي لابد أن يحدث، لأن التغييرات العشوائية في التركيب الجيني وفي منطقتين معزولتين يعني أن المجموعتين تتطوران باتجاهين مختلفين، ويزداد التباين هذا بمرور الزمن، لدرجةٍ لا يمكنهما عندها التزاوج فيما بينهما، فتُعتبران بذلك نوعين مختلفين.

وكما ذكرنا، هذا التباين يحدث عبر أزمانٍ طويلةٍ جداً، أي أنه لا يمكن أبداً تحديد النقطة الزمنية التي لم يعد يستطع عندها الكائن التزاوج مع أفراد جنسه من النوع الآخر.

في سلسلةٍ من الأشكال متدرجةٍ على نحوٍ ضئيلٍ غير محسوسٍ من كائنٍ ما شبيهٍ بالقرد أكثر من الإنسان كما يتواجد الآن، سيكون مستحيلاً تعيين مرحلةٍ محددةٍ يجب عندها استعمال مصطلح إنسان

تشارلز داروِن، سلالة الإنسان

التباعد يؤدّي إلى التفرع ثم إلى التنوع.

سأصدق التطور عندما يَلد قردٌ طفلاً بشرياً:

مرة أخرى نقول: البشر لا ينحدرون من القرود، بل يتشاركون معهم سلفاً مشتركاً، والسلف المشترك يبدو شبيهاً بالقردة أكثر منه بالإنسان، وسندعوهُ قرداً لو رأيناه منذ حوال 25 مليون سنة ماضية.

لكن على الرغم من أن البشر تطوروا من سلفٍ كنا سندعوه قرداً لو رأيناه، إلا أنه ليس هنالك حيوان يلد نوعاً جديداً فوراً، أو على الأقل يلد كائناً مختلفاً للغاية عن نفسه كإختلاف الإنسان عن القرود، والشمبانزي.

هذا ليس ما تتحدث عنه نظرية التطور، إن التطور ليس فقط عمليةً تدريجيةً كمسألةٍ حقيقية، بل إنها ينبغي أن تكون تدريجيةً إن كانت ستقوم بأيِّ دورٍ تفسيريّ.

إن القفزات الكبيرة في الجيل الواحد (كما سيكون عليه الحال في ولادة القرد بشراً) غير مرجّحةٍ، بنفس درجة الخلق الإلهيّ تقريباً، ومُستبعدةٌ لنفس السبب.

في النهاية، هل تطورنا من القرود أم لا؟

كما ذكرنا في البداية، الجواب يعتمد على ما تقصده بكلمة “قرود”.

تنقسم القرود المعاصرة إلى مجموعتين مختلفتين: قرود العالم القديم المعاصرون (موطنهم في أفريقيا، آسيا، وجبل طارق)، قرود العالم الحديث المعاصرون (موطنهم في أمريكا الوسطى والجنوبية)، ويشكل مجمل هذه القرود جزءاً من شجرة الحياة، والتي تشملنا أيضاً.

منذ حوالي 40 مليون سنة، تفرعت شجرة الحياة لقرود العالم القديم، حيث هاجرت مجموعةٌ منها إلى أمريكا متجاوزةً المحيط الأطلسي (كان الأطلسي ضيقاً جداً في تلك الأيام)، ثم تطورت هذه المجموعة المهاجرة إلى قرود العالم الحديث المعاصرة.

بعد 15 مليون سنة من تفرع القسم الرئيسِ إلى قرود العالم الحديث المعاصرون، تفرع مرةً أخرى. واحدٌ من فروعها تطور إلى قرود العالم القديم المعاصرة، وآخر إلى القرود العليا والبشر، حيث أننا نشترك مع القرود العليا أيضاً بسلفٍ مشتركٍ آخر.

الرسم مبسّط بشكل واسع.

الآن يمكننا القول أن البشر وقرود العالم القديم المعاصرون، يشتركون بسلفٍ مشتركٍ أكثر تطوراً (أقرب لبعضهم) من قردة العالم القديم والحديث. على سبيل المثال، يمتلك البشر وقرود العالم القديم المعاصرون نفس عدد الأسنان، بينما قرود العالم الحديث المعاصرون تمتلك عدداً مختلفاً.

كم كان سيكون لطيفاً لو أن معارضي التطور تجشموا عناءَ تعلّمِ أبسط مبادئِ ما يعارضونه

المصادر: 1 - 2 - 3