يصل بعيدا لكن لا يزول أثره قط..عن الدخان المتصاعد من الحرائق

تدوم الآثار الناجمة من الدخان لفترة أطول مع سفرها مسافة أبعد مما يمكنك تصوره، حتى بعد تبدد سحبه الأعلى كثافةً.

كان قد بدا وكأن المنطقة الغربية بأكملها تحترق لعدة أيامٍ مروعة في أوائل أيلول/سبتمبر، فقد تسببت رياح شديدة غير اعتيادية مصدرها المنحدرات الغربية لجبال روكي في إشعال نيران العشرات من الحرائق الجديدة، والتي قد امتدت من واشنطن إلى المكسيك. وقد نتج عن هذا حرق ما يقرب من مليون فدان في كاليفورنيا وحدها في الفترة ما بين 7 أيلول/سبتمبر و10 أيلول/ سيتمبر.

وغُطي جسر البوابة الذهبية الشهير الواقع في سان فرانسيسكو بضبابٍ مروعٍ برتقالي اللون. وسرعان ما تدهورت جودة الهواء، فقد ارتفعت قيمة مؤشر جودة الهواء في بعض المناطق إلى أكثر من 500، ويُعد هذا الحد الأقصى ضمن فئة الخطر، وفقًا لوكالة حماية البيئة الأمريكية. علاوة على هذا، لاحظ سكان أوروبا والساحل الشرقي للولايات المتحدة بعد أقل من أسبوع أن السماء قد اتخذت مظهرًا ضبابيًا، فقد انجرف الدخان بفعل قوة الرياح.

إنه من غير المفاجئ أن يغمر الدخان معظم المنطقة الغربية؛ إذ أُضرمت النيران في مئات الآلاف من الأفدنة. بل وفي بعض الحالات، قد شهدت المجتمعات الأقرب من ألسنة اللهب أسوأ مؤشرًا لجودة الهواء على الإطلاق. وبالحديث عن حركة الدخان، فهي حركة معقدة؛ إذ أن نهاية مسار جزيئاته تعتمد على عدة عوامل منها: شدة الحريق، تضاريس المنطقة والطقس المحلي.

يُرسَل الدخان صعودًا لأعلى على هيئة عمود عند اندلاع الحرائق، وينتقل العمود على نحوٍ أعلى كلما كانت طاقة الحريق هائلة. وقد يتسبب البعض منها في تشكل سحب ركامية شاهقة تُعرف باسم «السحب الركامية اللهيبية Pyrocumulonimbus Clouds» والتي بمقدورها مد الدخان عموديًا لعشرات آلاف الأقدام فوق الأرض، حتى ارتفاع قد يصل إلى طبقة الستراتوسفير، كما يلعب ارتفاع الدخان المنبعث دورًا حاسمًا في تحديد مكان انتهائه وكيفية تأثيره على الهواء المُستنشَق.

ويقول كريغ كليمنتس Craig Clements، وهو أستاذ في علم الأرصاد الجوية، ومدير مركز أبحاث مكافحة الحرائق المتعدد التخصصات بجامعة ولاية سان خوسيه: «إنه في حال عدم ارتفاع الدخان لمستوياتٍ عالية أو حصاره، فإنك ترى تأثيره على المجتمعات المحلية أو الإقليمية»، وأضاف: «أما في حال ارتفاعه لمستوياتٍ عالية، فيمكنه حينها أن ينتشر في مختلف أنحاء العالم»

فإن الدخان الذي قد هب بإتجاه الغرب فوق المحيط الهادئ، كان مصدره نفس الرياح الشرقية القوية التي قد فجرت نيران الحرائق في أوائل أيلول/ سبتمبر، وكانت كتلته ضخمة بحيث يسهل التقاطها بواسطة الأقمار الصناعية، وعندما تحرك عائدًا إلى السطح عند تغير إتجاه الرياح، غطى حينها مساحات شاسعة من واشنطن، أوريغون وكاليفورنيا.

بإمكان الدخان المتصاعد من العمود الرئيسي للحريق أن ينتقل رأسيًا وأفقيًا على حدٍ سواء، وأحيانًا بفعل الرياح الناجمة عن الحريق، وتختلف مستويات تركزه من النهار عنها في الليل، خاصة إذا كان السطح الأرضي معقدًا. وتُعد طبقات الانعكاس الحراري التي تتكون في الوديان هي المثال الأقرب لهذه الحالة؛ إذ تقوم رياح التصريف (نوع من الرياح السفحية الهابطة) بسحب الدخان ليلًا إلى داخل الوديان، إذ يُحاصر في درجات حرارة أكثر برودةً، وبحلول أشعة الشمس وتسخين أرض الوادي، يكون حينها بمقدور سحب الدخان الفرار صعودًا على سفح التل.

يكمل كليمنتس حديثه قائلًا أنه مثلما يؤثر الطقس المحلي على حركة الدخان، فقد يُغير هو الآخر في أنماط الطقس؛ فتُظلل أعمدة الدخان بضبابها الأشعة الضوئية الوافدة، وهذا ينتج عنه فارق حراري بين الهواء المستظل والآخر البين، مما يخلق ما يسمى «تيار الكثافة»، وفيه ينساب الهواء من مناطق الضغط المرتفع إلى المناطق ذات الضغط المنخفض غالبًا في إتجاه معاكسٍ للرياح السائدة، وأيضًا بموجبه قد تُحمل جزيئات الدخان بعيدًا عن مصدر الحريق.

وعلاوة على هذا، قد يحجب للضباب الدخاني الرياح المحيطة. ويُسلط كليمنتس الضوء على تيارات الحمل الحراري، إذ يوضح أن الطقس المشمس الدافئ يُعد محفزًا لها، فيقول: «إن تشكل التيارات الدافئة والدوامات يُسبب اضطرابًا في الطبقة السطحية لغلاف الأرض الجوي، المقصود هنا التربوسفير، مما ينتج عنه تباين في سرعة الرياح، وحركة أكثر عشوائيةً للنيران». لكن يولد الدخان الكثيف طبقة تحجز طاقة الإشعاع الحراري، وهذا يعني سطح أكثر برودة، وهدوء أكثر لنشاط الرياح. وعلى الرغم من كون هذا نبأ سارًا، إلا أنه يزيد من احتمال تجول الدخان وتأثر جودة الهواء لفترة طويلة، وهذا ما حدث بالفعل في منطقة خليج سان فرانسيسكو في أيلول/ سبتمبر، حينما اختلط الدخان بالضباب في مزيج سام كثيف.

يتكون دخان الحرائق من خليطٍ معقدٍ من الجسيمات التي من شأنها أن تؤثر على صحة الإنسان، وهي: بخار الماء؛ ثاني أكسيد الكربون؛ أول أكسيد الكربون؛ أكاسيد النيتروجين، مركبات عضوية متطايرة وجسيمات دقيقة. وعادةً ما تستقر جزيئات الرماد الأكبر حجمًا بالقرب من مصدرها، أما الجزيئات الدقيقة والأخرى متناهية الصغر فتبقى محلقة عاليًا لأيامٍ أو أسابيع، ما لم تجرفها الأمطار أو تمتصها السحب. أما عن الجزيئات التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر، فتتوغل عميقًا في الرئتين وتشق طريقها في مجرى الدم مما يُثير أمراض القلب والرئتين مثل: مرض الانسداد الرئوي المزمن والربو.

لذلك تحتاج المجتمعات مع نمو مواسم الحرائق وازدياد حرائق الغابات في مناطقٍ عدة كالغرب، إلى نماذج التنبؤ الدقيق، والتي من شأنها توقع كثافة الدخان وموقعه. فقد أظهرت دراسة جديدة أن التركيزات العالية من الجسيمات الناتجة من دخان الحرائق تزيد بشدة من احتمالية التماس العناية الطارئة؛ ولهذا فنحن بحاجة إلى نماذج لأنظمة تساعد مسؤولي الصحة العامة في تحذير السكان عندما يُحتمل تدهور جودة الهواء، حتى يكون حينها بمقدورهم اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية صحتهم.

تستند عادةً التنبؤات الحالية على بيانات الأقمار الصناعية والتنبؤات الجوية، وأيضًا على تقديرات الانبعاثات الناجمة من الحرائق النشطة، والتي تستند على نوعية وكمية النباتات التي أحترقت في اليوم الواحد.

ووفقًا لكليمنتس، فلا تضع معظم نماذج التنبؤات في اعتبارها ظواهر كالضباب الدخاني، لكن قد بدأ الجيل التالي منها وضع الكيفية التي يؤثر بها كلًا من الدخان والحرائق على الطقس بعين اعتبارها.

قد التهمت ألسنة لهب العديد من حرائق مطلع أيلول/ سبتمبر، عشرات الآلاف من الأفدنة يوميًا، وكانت تلك الحرائق تتغذى على الوقود الأحفوري، وتؤججها الرياح العاتية. وقد نما حريق كريك فاير الذي اندلع فى غابة سييرا الوطنية فى ولاية كاليفورنيا يوم 6 أيلول/ سبتمبر بشكلٍ إنفجاري مكونًا سحابة ركامية لهيبية هائلة وصلت لارتفاع 45.000 قدم من الغلاف الجوي، وقد بلغ أيضًا جزء كبير من الانبعاثات الناجمة عن هذا الحريق وغيره، ارتفاعات هائلة تكفي لعمل جولة في التيارات الهوائية العليا. وحُمِل الدخان عن طريق التيار النفاث شرقًا، ومن هناك قد حُدد اتجاهه وانقاد من قبل العواصف الإستوائية القادمة من المحيط الأطلنطي وسواحل خليج الولايات المتحدة. ومن ثم بدأت وسائل الإعلام المحلية التابعة للساحل الشرقي بعد أسبوعٍ من إندلاع الحريق بتقديم تقارير تُفيد بأن دخان الحرائق الغربية قد تحول إلى لون غروب الشمس البرتقالي، وأنه قد وصل إلى أوروبا بعد فترة وجيزة، لكن ولحسن الحظ، لم تتدهور جودة الهواء كما كاليفورنيا وأوريغون وواشنطن؛ إذ أن الهباء الجوي كان على ارتفاعٍ عالٍ من الغلاف الجوي.

تعتمد هيئة الطقس الوطنية على الأقمار الصناعية في الرصد والتنبؤ بحركة الدخان، فإذا تلتقط أجهزة مثل مقياس التصوير الطيفي متوسط الدقة التابع لناسا MODIS صورًا يومية عن طريق قمرين صناعيين مختلفين، كما يلتقط مقياس الطيف الإشعاعي التصويري متعدد الزوايا MISR المحمول على متن القمر الصناعي «تيرا» التابع لناسا صورًا من تسع زوايا مختلفة.

يقول جريجوري شيل Gregory Schill، وهو عالم أبحاث في مختبر العلوم الكيميائية التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي NOAA، أنه على الرغم من أهمية الأقمار الصناعية في تعقب الدخان، إلا أنها تتتبعه عند حدٍ معين؛ إذ أن بإمكانها فقط رصد أعمدته إما من أعلى أو عبر زوايا مائلة، وتقتصر حمولتها على الأجهزة الأخف وزنًا؛ لذلك قد عكف الباحثون على دراسة الحرائق بمساعدة أجهزة أرضية وجوية فائقة الحساسية، بهدف التعلم قدر المستطاع عن تركيب وسلوك الدخان، وكذلك عن تفاعلاته مع الغلاف الجوي.

ويُكمل شيل حديثه قائلًا أن تبدد الدخان، لا يعني أن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد. ففي أثناء سفره هو وباحثون آخرون إلى مناطق نائية فوق المحيطين الهادئ والأطلسي في الفترة بين عامي 2016 و2018، بطائرة كانت تضم أجهزة بالغة الحساسية من أجل بعثة التصوير الإشعاعي المقطعي للغلاف الجوي، قد دُهش هو وفريقه حينما وجدوا أن في المتوسط نحو ثلث الجزئيات الأساسية في طبقة الهواء السفلي (التروبوسفير) تتكون من الدخان، وهي طبقة تمتد سطح الأرض وحتى ارتفاع يُقدر بنحو من خمسة إلى تسعة أميال.

وقد استعان شيل وفريقه أيضًا بجهاز مقياس الطيف الكتلي الليزري PALMS، وهو جهاز تابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، في تحليل الجزيئات الفردية من الدخان لدراسة تركيبها. ووجدوا أنه يتألف من خليطٍ من جزيئات فاتحة اللون كالكبريتات والجزيئات العضوية، وأخرى داكنة اللون مثل الكربون الأسود. وبسؤاله عن التأثير الناجم عن تلك الجزيئات على الغلاف الجوي، أجاب شيل: «إنه أمرًا معقدًا». فتقوم الجزيئات الداكنة بامتصاص الضوء، بينما تعكسه الأخرى الأفتح لونًا، لكن كما يقول شيل فإن «الكيفية التي تؤثر بها تلك الجزيئات على المناخ، تعتمد على ما أسفلها من سطح».

فتأثير الجزيئات الداكنة التي تعلو سطحًا مظلمًا كالمحيط، ليس بالقوي (بالنسبة للحرارة)، لكن قد تتسبب نفس الجزيئات في ارتفاعٍ ملحوظٍ في درجات الحرارة حينما تعلو الجليد. أما الجزيئات فاتحة اللون، فهي لها تأثير التبريد على عكس الأخرى داكنةً اللون.

يخلق الدخان المنتشر في أماكنٍ بعيدةٍ بصورة جماعية على الرغم من عدم قابليته للرصد من قبل الأقمار الصناعية، نوعًا من التعتيم شبيهًا بالذي تسببه أعمدة الدخان الكثيفة الناجمة من حرائق الغابات النشطة. ويُصرح شيل في وقتٍ فيه الباحثين في حيرة من أمرهم حول السبب الذي قد يجعل الجزيئات تؤثر على المناخ على المدى البعيد، بأن التأثيرات الواقعة على المناخ العالمي من قبل هذا الدخان الأخف شدةً، هي تأثيرات لا يستهان بها هي الأخرى.

في نهاية المطاف، استقبلت مناطق من واشنطن وأوريغون أمطارًا ترحيبيةً بعد عشرة أيام من سلسلة حرائق أوائل سبتمبر، صفت خلالها السماء مؤقتًا، ومضى خلالها الناس يتنفسون الهواء الطلق بعمق، ويستمتعون بمنظر السماء الزرقاء. لكن ولسوء الحظ، لم تدم تلك المهلة طويلًا؛ إذ اندلعت الحرائق مجددًا يوم 27 أيلول/سبتمبر، ولكن هذه المرة في منطقة واين كنتري بكاليفورنيا ومقاطعة شاستا. وبهذا يتكرر النمط السائد؛ حيث المزيد من كلا من: عمليات الإجلاء ورجال الإطفاء والدخان.

المصادر: 1