كيف تؤثر الموسيقى على تفكيرنا وأحاسيسنا وانفعالاتنا؟

من أهم المواضيع التي تَطرأ في علم النفس المختص بالموسيقى هو كيفية تأثير الموسيقى على الحالة العاطفية. فإن قدرتها على إثارة انفعالات عاطفية قوية، مثل الاسترخاء والانتشاء في نفس المستمع.

ترتبط المشاعر الإيجابية بالتجارب الموسيقية وقد تؤدي الموسيقى الباعثة للمتعة إلى إطلاق النواقل العصبية المرتبطة بنظام المكافأة مثل الدوبامين. ويُعد الاستماع إلى الموسيقى طريقة سهلة لتغيير الحالة المزاجية وتخفيف التوتر. فيستعين الناس بها في حياتهم اليومية لتنظيم وتعزيز والحد من العواطف غير المرغوب بها مثل الإجهاد والتعب. فكيف للاستماع إلى الموسيقى أن يُحفز المشاعر والمتعة لدى المستمعين؟

1- لذة الموسيقى:

للاستمتاع بالموسيقى التأثير ذاته على مناطق المتعة في الدماغ تمامًا كالملذات الأخرى مثل تناول الطعام أو ممارسة الجنس أو تعاطي المخدرات. تُشير الدلائل إلى أن المحفزات الفنية كالموسيقى ربما تؤثر على المسارات الدوبامينية في الدماغ التي ترتبط بتعزيز سلوكيات الرغبة الشديدة والإدمان.

في إحدى الدراسات استمَع المشاركون إلى أغانيهم المفضلة بعد تناول النالتريكسون Naltrexone وهو دواء يوصف طبيًا على نطاق واسع لعلاج اضطرابات الإدمان، وجد الباحثون أنه بعد تناول الأشخاص المشاركين في الدراسة لهذا الدواء فقدوا إحساس المتعة بأغانيهم المفضلة.

ومع ذلك، لا يُبدي الجميع ردود فعل عاطفية شديدة تجاه الموسيقى إذ هناك نحو 5٪ من الناس لا يصلهم إحساس الاسترخاء عند الاستماع إلى الموسيقى. ويُطلق على عدم القدرة على الاستمتاع بالموسيقى انعدام التلذذ الموسيقي musical anhedonia.

2- الموسيقى المتوقعة:

قد تبعث الموسيقى شعور بالمتعة سواء كانت متوقعة أم لا. وكلما كان مسار الموسيقى مفاجئ كلما كانت التجربة الموسيقية أكثر إثارة للدهشة. فنحن نفضل الموسيقى المفاجئة والأكثر تعقيدًا.

3. صقل العواطف:

هناك عنصر فكري أيضًا عندما يتعلق الأمر بالاستمتاع بالموسيقى، فمسارات الدوبامين لا تعمل بمعزل عن غيرها وستتأثر مناطق أخرى كبيرة في الدماغ. مما يعني أن استمتاعنا للموسيقى قد يكون بسبب الجزء العاطفي من الدماغ والقشرة المخية الجديدة neocortex.

وتُظهر الدلائل بأن الأشخاص الذين يتفاعلون عاطفيًا باستمرار مع المحفزات الفنية الموسيقية يُكَوِنون ترابطًا قويًا للمادة البيضاء بين قشرتهم السمعية والمناطق المرتبطة بالمعالجة العاطفية. أي إن المنطقتين ترتبطان بكفاءة أكثر.

4- الذكريات:

أشار الطبيب الراحل اوليفر ساكس Oliver Sacks، بأن الذكريات هي إحدى الطرق المهمة التي تثير بها الموسيقى المشاعر. وقد نحتفظ بالعواطف والذكريات المرتبطة بالموسيقى لفترات أطول حتى بعد نسيان أشكال أخرى من الذكريات وقد يعود سبب ذلك إلى إشراك أجزاء كثيرة من الدماغ عند الاستماع إلى الموسيقى مما يؤدي إلى تحفيز اتصالات و إنشاء ارتباطات.

5- الانفعالات:

غالبًا ما تَخلِق الموسيقى رغبة قوية بالحركة في أثناء الاستماع إليها كالرقص وتحريك القدم أو تحريك إيقاعاتنا الداخلية كتباطئ وتسارع معدل ضربات القلب لتندمج مع الإيقاع الموسيقي أي أننا نطفو ونتحرك مع الموسيقى.

6.المحاكاة العاطفية:

لا تؤثر الموسيقى على المشاعر الفردية فحسب، بل على مستوى العلاقات بين الأفراد والمجموعات أيضًا.

يَعكِس المستمعون ما تُعبر عنه الموسيقى على شكل ردود أفعال، مثل الأسى عند الاستماع إلى الموسيقى الحزينة والابتهاج مع الموسيقى السعيدة. وكذلك تؤثر على مزاج المتسوقين ورواد المطاعم.

7. سلوك المستهلك:

تؤثر الموسيقى الخلفية على سلوك المستهلكين. فقد كَشفت نتائج إحدى الدراسات التي أجريت على المتسوقين في قسم المشروبات في متجر ما عند تشغيل موسيقى فرنسية وأخرى ألمانية، بأن النبيذ الفرنسي كان يباع أكثر من النبيذ الألماني عند تشغيل الموسيقى الفرنسية في حين ازدادت مبيعات النبيذ الألماني عند تشغيل الموسيقى الألمانية.

8- تعديل المزاج:

يبحث الناس عن ملجأ عند مرورهم بأوقات عصيبة لتجنب الحزن والأسى. فتقدم لهم الموسيقى وسيلة لترتيب مشاعرهم. ويستمع الناس إلى الموسيقى لأسباب عديدة منها لبعث النشاط والمحافظة على التركيز عند القيام بمهام معينة أو لطرد الملل. تُمَكنهم الموسيقى الحزينة من الابتعاد عن المشاعر المرتبطة بالمواقف المؤلمة كالانفصال أو موت أحدهم والتركيز على جمال الموسيقى بدلًا من ذلك.

ويمكن لكلمات الأغاني التي تتماشى مع تجربة المستمع أن تعطي تجسيدًا لمشاعره وتمكنه من التعبير عن ما يجد صعوبة بالإفصاح عنه.

9- إدراكنا للوقت:

بإمكان الموسيقى تغيير إدراكنا للوقت لكونها محفز عاطفي قوي. ونلاحظ بأن الوقت يمر سريعًا وكأنه يطير عند الاستماع إليها. فنسمع الموسيقى بالعادة في غرف الانتظار لتقليل شعور الأفراد بطول مدة الانتظار أو في المحلات التجارية لحث المتسوقين على البقاء لمدة أطول وشراء المزيد.

الاستماع إلى الموسيقى الممتعة يصرف انتباهنا عن الوقت ويبدو بأن الإحساس بقصر الوقت يرتبط بالاستماع إلى الموسيقى الهادئة ذات الإيقاع البطيء.

10- إيجاد الذات:

تُعتبر الموسيقى وسيلة مؤثرة وربما تساعد على تنمية شخصية الفرد. يُكَون الشباب حسًا بالهوية من خلال الموسيقى كما نرى في فيلم Blinded by the Light، إذ نلاحظ قوة تأثير أغاني الفنان Springsteen في نفس جافيد Javed ولمسِها لتجربته على المستوى الشخصي ومساعدته على إيجاد صوته الدفين الذي لم يعلم بوجوده. وشجعته كلمات أغانيه على التشبث بأحلامه والعثور على الحب وإثبات نفسه.

المصادر: 1