دراسة توضح فك شيفرة تطور الصبغي Y في القردة العليا

ابتكر العلماء تحليلًا جديدًا لتسلسل الحمض النووي لصبغيات Y الخاصة بالذكور من جميع الأنواع الحية لعائلة القردة العليا، والهدف من التحليل هو توضيح فهمنا لكيفية تطور صبغيات Y. إذ أن فهم تطور الصبغي Y يوفر للعلماء إمكانية دراسة خصوبة ذكور البشر، بالإضافة إلى فهم أنماط التكاثر والقدرة على تتبع سلالات الذكور في القردة العليا، والتي يمكن أن تساعد في الحفاظ على العديد من الأنواع المهددة بالانقراض.

إذ فك فريق من علماء الأحياء وعلماء الكمبيوتر في ولاية بنسلفانيا Penn State شيفرة الصبغي Y عن طريق ترتيب وتجميع تسلسل الصبغي من إنسان الغاب orangutan، والبونوبو bonobo، وقارنوا التسلسلات الناتجة بالتسلسلات الحالية للإنسان والشمبانزي chimpanzee والغوريلا gorilla. ومن خلال المقارنة، وضح الفريق أنماط التطور بصورة تتناسب مع الاختلافات السلوكية بين أنواع القردة العليا، وأعادوا بناء نموذج للصبغي Y الخاص بأسلاف القردة العليا.

نُشر البحث في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2020، وذكرت مونيكا تشيكوفا Monika Cechova، طالبة دراسات عليا في ولاية بنسلفانيا والمؤلف المشارك الأول للورقة البحثية: «إن الصبغي Y مهم لخصوبة الذكور، ويحتوي على الجينات الضرورية لإنتاج الحيوانات المنوية، ولكن غالبًا ما يُهمل في الدراسات الجينومية لأنه من الصعب جدًا ترتيب تسلسله وتجميعه، إذ يحتوي الصبغي Y على الكثير من التسلسلات المتكررة، والتي تمثل تحديًا أمام ترتيب وتجميع واصطفاف تسلسلات الحمض النووي بهدف عمل مقارنة بينهم. إذ لا توجد حزم برامج جاهزة للتعامل مع الصبغي Y، لذلك توجب علينا التغلب على هذه العقبات وتحسين بروتوكولاتنا التجريبية والحاسوبية، والتي سمحت لنا بمعالجة الأسئلة البيولوجية المثيرة للاهتمام».

يعتبر الصبغي Y واحد من الصبغيات غير الاعتيادية. إذ يحتوي على عدد قليل نسبيًا من الجينات -وتكمن أهمية هذه الجينات في عدة نقاط منها تحديد جنس الذكور وإنتاج الحيوانات المنوية- ومقاطع كبيرة من الحمض النووي DNA المتكررة، وتسلسلات قصيرة مكررة، ومتناظرات كبيرة palindromes للحمض النووي DNA، ومكررات مقلوبة؛ التي يمكن أن تشكل عدة آلاف من الأحرف الطويلة، والتي لها نفس القراءة من اليسار لليمين والعكس.

كشفت الأعمال السابقة للفريق عن بعض الأنماط غير المتوقعة عندما قورنت تسلسلات الإنسان والشمبانزي والغوريلا. على سبيل المثال، يرتبط البشر ارتباطًا جينيًا وثيقًا بالشمبانزي. رغم ذلك، وجد الفريق بعض الخصائص المختلفة، مثل أن الصبغي Y الخاص بالإنسان أكثر تشابهًا مع الصبغي Y الخاص بالغوريلا.

ذكرت كاترينا ماكوفا Kateryna Makova، أستاذة علم الأحياء في جامعة ولاية بنسلفانيا وواحدة من قادة فريق البحث: «إذا قارنت فقط هوية التسلسلات -أي إذا قارنت الأدينين A، الثايمينT، السيتوزين C، الغوانين G لكل الصبغيات- تجد أن البشر أقرب للشيمبانزي، ولكن الغريب أنك إذا نظرت إلى الجينات الموجودة، وأنواع التسلسلات المتكررة، والأشكال المتناظرة المشتركة، تجد البشر أكثر تشابهًا مع الغوريلا. بالتالي كنا بحاجة إلى تحليل بيانات الصبغي Y من أنواع أخرى من القردة العليا لاستخلاص المزيد من التفاصيل».

بالتالي، رتب الفريق تسلسل الصبغي Y الخاص بالبونوبو، وهو أحد الأنواع القريبة من الشمبانزي، وإنسان الغاب، ويعتبر أيضًا أحد الأنواع الأكثر ارتباطًا بالبشر. وبعد استخراج وترتيب التسلسلات الجديدة، لاحظ الباحثون أن البونوبو والشمبانزي يشتركان في النمط غير المعتاد للمعدلات المتسارعة لتغيير تسلسل الحمض النووي وفقدان الجينات، مما يشير إلى أن هذا النمط التطوري ظهر في السلف المشترك للبونوبو والشمبانزي، أي قبل الانفصال التطوري بين النوعين تحديدًا. من ناحية أخرى، فإن الصبغي Y الخاص بإنسان الغاب، والذي يمثل مجموعة خارجية بهدف مقارنته مع التسلسلات المستخرجة للصبغي Y الخاص بالأنواع الأخرى. بعد المقارنة، لاحظ العلماء توافق نتائج تسلسل الصبغي مع توقعاتهم، واعتمد العلماء في تنبؤهم على علاقة الصبغي Y الخاص بإنسان الغاب مع القردة العليا الأخرى.

ذكر راهولسيمهام فيجيسنا Rahulsimham Vegesna، طالب دراسات عليا في ولاية بنسلفانيا ومؤلف أول مشارك في البحث: «فرضيتنا هي أن التغيير المتسارع الذي نرصده في الشمبانزي والبونوبو يمكن أن يكون مرتبطًا بعادات التزاوج، في الشمبانزي والبونوبو، تتزاوج أنثى واحدة مع عدة ذكور خلال دورة واحدة. مما يؤدي إلى حدوث منافسة بين الحيوانات المنوية، أي أن الحيوانات المنوية الناتجة عن عدة ذكور تحاول تخصيب بويضة واحدة. مما يؤدي إلى توليد حالة من الضغط التطوري، والتي تزيد من سرعة عملية التغيير على الصبغي Y الخاص بالشمبانزي والبونوبو مقارنة بالقردة الأخرى ذات أنماط التزاوج المختلفة. ولكن رغم توافق الفرضية مع النتائج التي توصلنا إليها، إلا أنها بحاجة إلى تقييم في دراسات لاحقة».

بالإضافة إلى إثارة بعض التفاصيل حول كيفية تطور الصبغي Y في الأنواع الفردية من القردة العليا، استخدم الفريق أيضًا تسلسلات القردة العليا لإعادة بناء الشكل الذي قد يبدو عليه الصبغي Y في أسلاف القردة العليا الحديثة.

أضافت فيجيسنا: «يساعدنا امتلاك الصبغي Y الخاص بالأسلاف على فهم كيفية تطور الصبغي. على سبيل المثال، نلاحظ أن العديد من المناطق المتكررة والمتناظرة على الصبغي Y كانت موجودة فعلاً على صبغي الأسلاف. وهو دليل يوضح لنا أهمية هذه الميزات للصبغي Y في جميع القردة العليا، ويسمح لنا باكتشاف كيفية تطور هذه الميزات في كل نوع منفصل».

يعتبر الصبغي Y واحد من الكروموسومات غير الاعتيادية، إذ لا يمتلك شريك مطابق له على عكس معظم الصبغيات. ببساطة، يحصل كل إنسان على نسختين من الصبغيات من 1 إلى 22، ثم تحصل الإناث على صبغيين X، أما الذكور فيحصل كل فرد منهم على صبغي واحد X والآخر Y.

يمكن للصبغيات الشريكة تبادل الأقسام في عملية تسمى «إعادة التركيب recombination» وهي عملية مهمة للحفاظ على الصبغيات تطوريًا.

ولكن، نظرًا لأن الصبغي Y ليس له صبغي شريك، فقد تم افتراض أن التسلسلات الطويلة المتناظرة على الصبغي Y تمتلك القدرة على إعادة التركيب مع ذاتها، بالتالي تبقى قادرة على الحفاظ على جيناتها، ولكن لم تكن الآلية معروفة في ذلك الوقت.

أضافت تشيكوفا: «استخدمنا البيانات من خلال تقنية التقاط تشابك الصبغيات Chromosome conformation capture Hi-C، إذ وفرت التقنية طريقة لالتقاط التنظيم ثلاثي الأبعاد للصبغي، بالتالي محاولة معرفة العامل المساعد في تسهيل عملية إعادة التركيب الذاتي self-recombination. ما وجدناه هو أن مناطق الصبغي التي تتحد مع بعضها البعض يُحتفظ بها بالقرب من بعضها البعض من خلال بنية الصبغي».

ذكر بول ميدفيديف Paul Medvedev، الأستاذ المشارك في علوم الكمبيوتر والهندسة والكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية في ولاية بنسلفانيا والقائد الآخر لفريق البحث: «يطرح العمل على الصبغي Y الكثير من التحديات، توجب علينا تطوير أساليب متخصصة وتحليلات حسابية لمراعاة الطبيعة التكرارية لتسلسل الصبغي Y. مشروع فك شيفرة الصبغي Y عبارة عن إنجاز متعدد التخصصات، ولم يكن ليحدث بدون الجمع بين علماء الحاسبات وعلماء الأحياء».

المصادر: 1