هل يمكن للكسوف الشمسي أن يسلب بصرك حقاً؟

في الـ21 من آب/أغسطس المقبل ستتاح الفرصة للناس لرؤية ظاهرة كسوفٍ كلّيٍّ للشمس في كافة أنحاء الولايات المتحدة، ذلك الحدث الذي تجلى للمرة الأخيرة في القارة الأمريكية منذ عام 1979.

يمكن أن يغوينا لتجاهل التحذيرات حول مسألة النظر باتجاه الكسوف بالعين المجردة، لكن… إياك والنظر، فالضوء المنبثق عند الكسوف قد يتسبب لك بالعمى—ومع ذلك قد تكون التحذيرات من العمى الكلّي أمراً مبالغاً به-.

تُسمى هذه الحالة باعتلال الشبكيّة الشمسي، وتحدث عندما يغمر ضوء الشمس الشبكيّة لترسله إلى الجزء الخلفي لكرة العين. تُعد الشبكيّة مقراً للخلايا الحسية المستجيبة للضوء والتي تجعل القدرة على الرؤية ممكنة. إن تسليطَ نسبةٍ زائدةٍ من شعاع الشمس منبِّّهةًً الخلايا الحسيّة التي تقوم بتحرير فائضٍ من المعلومات الكيميائية وإرسالها إلى الشبكيّة قد يتسبب بإلحاق ضررٍ بها، غالباً يكون هذا الضرر غير مؤلمٍ لصاحبه، لذلك لا يعلم الناس ما قد يحصل لبصرهم.

يعود سبب اعتلال الشبكيّة الشمسي إلى التحديق نحو الشمس (بصرف النظر عن حالتها). لكن بعض الأقليات بإمكانهم الوقوف والتحديق مباشرةً نحو نجمنا القريب المشع لمدةٍ طويلة جداً دون الشعور بأي ألم، قد تحدث من حين لآخر، تسجِّلُ الصُحف الطبية حالاتٍ لأشخاصٍ مدمنين بشكلٍ مفرطٍ على المخدرات قاموا بالنظر نحو الشمس لفتراتٍ طويلةٍ من الزمن، ما تسبب لهم بأضرار جسيمة.

يُضاف إليهم أتباع طوائف دينيةٍ وممارساتهم في عبادة الشمس التي تجعل منهم أيضاً ضحايا. فعلى سبيل المثال؛ عام 1988 أجرى أطباء عيونٍ إيطاليون علاجاً لـ 66 شخصاً تعرضوا لاعتلال الشبكيّة بعد أحد طقوسهم عند تحديقهم بالشمس.

لكن أثناء الكسوف الشمسي، يكون العديد من الأشخاص في خطرٍ مُحدق، فبتغطية الشمس جزئياً يصبح من المريح النظر إليها، والوسائل الوقائية المقاوِمة كالرموش وتضيُّق بؤبؤ العين هي غالباً أقل قدرةً على المقاوَمة الذاتية مما هي عليه في الحياة اليومية الاعتيادية.

حتى عيون الحيوانات الأليفة الضعيفة هي عُرضةٌ للإصابة أثناء النظر للكسوف مع أنها لا تنظر إلى الشمس مباشرةً بشكلٍ مقصود، ومع ذلك؛ عندما ترافقك في نزهتك لمشاهدة ظاهرة الكسوف، احرص على ارتدائها نظارةً شمسيةً واقيةً أيضاً.

الضرر على العيون:

اكتشف مراقبون مختصون في علم الفلك مؤخراً أقسى الطرق لحدوث اعتلال الشبكيّة الشمسي، عندما قام توماس هاريوت بتتبع البقع الشمسية عام 1610 لكنه لم يتطرق لنشر اكتشافه، لاحقاً عام 1612 بعدما أمعن نظره نحو الشمس وصف هاريوت تجربته قائلاً: “استمر مجال الرؤية باهتاً لمدة ساعة”.

نجد اقتباساً آخر لعالم الفلك جون غريفز من جامعة أوكسفورد يقول فيه بأنه بعد رصد الشمس لعدة مراتٍ خُيِّل له أشكالٌ على هيئة سِربٍ من الغربان في مجال بصره. أما التجربة الأكثر شهرةً فهي لإسحق نيوتن عندما حاول النظر لانعكاس ضوء الشمس من خلال المرآة لتتركه مكفوف البصر بالكامل لمدة ثلاثة أيام ويرى صوراً وتخيلاتٍ على مدار أشهر.

لا يزال العلماء غير ملمّين تماماً بمعلوماتٍ كافيةٍ حول انتشار حالاتٍ لإصاباتٍ بصريةٍ ناتجةٍ عن رؤية الكسوف الشمسي. في إحدى الدراسات التي أُديرت في أوروبا عام 1999 عقب رؤية ظاهرة الكسوف، نجم عنها 45 حالةً لأشخاصٍ يُحتمل أنهم أُصيبوا باعتلال الشبكيّة الشمسي، وخلال ظهورهم في إحدى العيادات العينية بمدينة ليستر في المملكة المتحدة بعد التعرّض لأشعة الكسوف.

تم تشخيص 40 مريضاً منهم وتأكيد أنهم يعانون من أضرارٍ أو ربما أعراضٍ لهذه الأضرار، وخمسة من هؤلاء الـ40 فقط ظهرت عليهم تغيّراتٌٌ في شبكيّة العين.

وقال عشرون مريضاً منهم أنهم شعروا بألمٍ في عيونهم، بينما أقرّ العشرون الآخرون بأنهم واجهوا مشاكل في الرؤية. 12 شخصاً من المجموعة الثانية صرحوا بأن بصرهم عاد إلى طبيعته بعد سبعة أشهر، أربعةٌ منهم مازالت تطاردهم رؤىً لأشباحٍ تَلَت الضرر في حقل بصرهم كبقعٍ هلالية الشكل يمكن رؤيتها في الضوء الخافت.

[بما أن الشمس بعيدةٌ عن الأرض مسافة 93 ميلاً فلماذا لا نستطيع النظر نحوها مباشرةً؟]

“سلسلة أبحاثنا تثبت -على عكس الاعتقاد السائد- أن الغالبية الساحقة ممن تعرضوا لاعتلال الشبكيّة الشمسي ليسوا مكفوفين بالكامل” بحسب ما كتبه الباحثون في جريدة The Lancet عام 2001. على أية حال، نشر الباحثون تحذيرات -فمؤخراً أظهرت الدراسات التي تلت ظاهرة الكسوف حالات أشد حرجاً للمرضى- زاعمين بأن تحذيرات وسائل الإعلام واسعة النطاق بألّا يحاول أحدٌ النظر لكسوف الشمس ربما كانت السبب في الحد من معدل الضرر عند تكرّر حادثة الكسوف سابقاً.

المشاهدة الآمنة للكسوف:

يقترح البحث أيضاً أنه رغم إمكانية علاج جزءٍ كبيرٍ من آثار الضرر، قد يكون بعضها بعيد الأمد. في إحدى الدراسات التي أجريت عام 1995 عقِب معاينة 58 مريضاً عانوا من إصاباتٍ بصريةٍ تعود أسبابها إلى مشاهدتهم الكسوف الذي حصل في تركيا عام 1976، استمر العلاج خلال الشهر الأول بعد الكسوف، وذلك وفقاً لما جاء في تقرير الباحثين في جريدة Graefe’s Archive لطب العيون السريري والتجريبي، وبمرور 18 شهراً فأيّ نوعٍ من الضرر الذي ظل قائماً قد استمر حتى الـ15 سنة.

في الوقت الذي يبدو فيه العمى الكلي الناتج عن رؤية الكسوف أمراً مؤلماً، فإنه بإمكان ذلك أيضاً ترك وصمةٍ طويلةٍ الأمد على البصر عند عدم تطبيق الإجراءات الوقائية المناسبة.

بحسب إرشادات وكالة ناسا تُعتبر الطريقة الأكثر أمناً لمشاهدة الكسوف الشمسي هي استخدام الفلترات الشمسية المصممة خصيصاً لذلك والتي غالباً ما تتوفر في متاجر التيليسكوب، أو بارتداء العيار 14 من نظارة اللَّحّام (من يلحم المعادن) المتوفرة في المحلات المتخصّصة بمهنة اللحّامين، أو باستخدام المناظير ذات الفتحات الدقيقة — وهي بالأساس فتحةٌ في قطعة من الورق المقوى أو الورق العادي— التي يمكن استخدامها أيضاً لمشاهدة الكسوف بشكلٍ غير مباشرٍ بتمرير انعكاس الشمس على الأرض أو على شاشة.

تذكر: إن النظر باتجاه الشمس حتى وإن كانت مغطاة جزئياً بالقمر بإمكانه أن يُلحق ضرراً هائلاً لعينك أو يسبب لك العمى. إياك وتوجيه ناظريك إلى كسوفٍ شمسيٍّ جزئيٍّ دون التطرق لاستخدام وسيلةٍ وقائيةٍ مناسبةٍ لبصرك.

المصادر: 1