جوردان بيترسون: «ابدأ بتظيف غرفتك» نظرية الغرفة النظيفة لتطوير الذات والمجتمع

أحيانًا الأساسيات تحدث فرقًا كبيرًا

  • يعتقد جوردان بيترسون (عالم نفس سريري ومفكر كندي) أنه فقط من خلال البدء بالاهتمام ببيئتك المحيطة المصغّرة، يمكنك أن تنتقل إلى تحدياتٍ أكبر.
  • ولدت هذه الفكرة من أبناء جيل الألفية الذين يريدون تغيير الهياكل الاقتصادية الرأسمالية على الرغم من أنه يمكن تطبيقها على نحو واسع.
  • إن عدم قدرتنا على الانتباه لبيئتنا المحيطة في عصر التشتت هذا، يقودنا لمعدلات مرتفعة من القلق والاكتئاب.

حاول عضو من اكوينوكس مؤخرًا مغادرة النادي حاملًا كومة من المناشف، وحينما أوقفته الإدارة، ظَنَّ أنهم يحاولون مساعدته في حمل المناشف إلى سيارته. لكنه كان مُحتارًا عندما علم أنه لا يمكنك سرقة ممتلكات النادي، وافترض كعميل يدفع، أن المناشف من حقه.

وبطريقة أخرى، يمكن أن نعتبر هذه القصة مثالًا يحاكي كيفية استعمال بعض الأشخاص لمناشفهم وأغراضهم الشخصية. أنا منذهل حقًا من الطريقة التي يترك فيها الرجال المناشف متناثرة على الأرض والأرائك، مع أنهم عمليًا يتحتم عليهم المرور بجوار سلة المهملات في طريقهم للخروج من غرفة الخزائن. ليست المناشف فحسب، بل معجون الحلاقة والشعر في المغاسل؛ ومعاملة المقاعد وكأنها رفوف لتجفيف الملابس المتعرقة، ولرمي الشماعات والعلب البلاستيكية ومشروبات الطاقة عليها وما إلى ذلك.

أشعر وكأنني عدتُ إلى الحضانة مرة أخرى، مع أنه كان لأقراني وقتها سلوكيات أفضل. بالنسبة لغرف تغيير ملابس النساء فلا يمكنني الحديث عنها بالتفصيل، لكن قيل لي إنها ليست أفضل حالًا.

تعرفت على أعمال جوردان بيترسون بفضل حلقة «نَظِّف غُرفتك»، وهو تسجيل إذاعي في برنامج مع جو روجان. وعلى عكس ردة الفعل العصبية الشائعة عند الرجال حين يُذكر أمامهم أنهم لا يستطيعون تنظيف فوضاهم، فقد مر هذا الحوار بسلاسة مثل نسمة من الهواء النقي.

يختلف السياق هنا فيما تبقى الفكرة الرئيسية نفسها. ولدت الفكرة من محاضرة عن جيل عصر الألفية ومحاولاتهم لتغيير الأنظمة الاقتصادية.

يعتقد البروفيسور الكندي بيترسون أن محاولات التغيير تلك مبالغ بها بعض الشيء، وأن من أعمارهم 18 عامًا من المحتمل أنهم لا يعرفون أي شيء عن الهياكل الاقتصادية. إذ يمكن تلخيص ذاك الجدال بجملة واحدة:

«إذا كنت لا تستطيع حتى تنظيف غرفتك، من أنت بحق الجحيم لتعطي مشورة للعالم».

صرح بفكرته هذه وتابع:

«ما أعنيه هو أنك إذا أردت تغيير العالم، ابدأ بنفسك ثم اتجه إلى الخارج، وبهذا تبني كفاءتك الشخصية. لا أعلم كيف بإمكانك الخروج والاحتجاج على هيكل النظام الاقتصادي برمته إذا كنت لا تستطيع إبقاء غرفتك مرتبة».

يقترح بيترسون عرض كفاءتك محليًا (أي تطوير مهاراتك الشخصية ضمن محيطك أولًا)، وإدارة ما يمكنك التحكم به بالفعل، قبل مواجهة الأسباب الأكبر التي يصعب الوصول إليها غالبًا. إذ أنه من المشين أن تتبجح في مكان ليس لك وأنت لم تتجاوز مجال كفاءتك بعد.

تعد فكرة «الكفاء الذاتية» نظرية أساسية في كتابه الأخير «12 قاعدة للحياة». على سبيل المثال تقول القاعدة الثانية: «اعتنِ بنفسك وكأنها شخص أنت مسؤول عن مساعدته. إنها طريقة أخرى للتعبير عن الحكمة الإنجيلية التي توضح كيفية التعامل مع الآخرين. وكما يوضح بيترسون فإن عدم الاعتناء بنفسك وتشذيب مهاراتك سيؤدي مستقبلًا إلى الاشمئزاز وازدراء الذات والعار، و انعدام الوعي الذاتي.

لم تعد المجتمعات جمعية، صار لدينا الكثير من الذوات، وهذا جزء من المشكلة. التركيز المُكثّف على الفرد والتميّز الفردي هو عامل مُحفز وراء صعود الحركة الشعبية (التي تهتم بحياة الناس العاديين ومطالبهم). صفوف هائلة من المجتمعات، ومجتمعات داخل مجتمعات، أفرادها ضعفاء يرفضون التفكير العقلاني ويصرخون بأنانية على الدوام «وماذا بشأني!».

يعد بناء المجتمع والمشاركة فيه من الأساليب الفعالة لتخفيف القلق والاكتئاب اللذان يسببان الإرهاق عندما نشعر بالعزلة. المشكلة أن وسائلنا في التعبير، أي وسائل التواصل الاجتماعي، مجرد صدى. قد يكون تنظيف حائط أخبار تويتر لديك خطوة ضرورية أخرى في هذه العملية، أي عملية ترتيب ذاتك وبناء كفاءتك.

وقد صارت سمة الشرود شائعة في عصر الإنترنت، مثال بسيط واقعي يكشف لك هذا، ففي غرفة تغير الملابس في صالة الألعاب الرياضية، وبينما نحن نحمل الجهاز في أيدينا، نفقد الوعي المكاني. فلا ننتبه لما حولنا، شخصٌ آخر سيقوم بتنظيف المناشف ومسح كريم الحلاقة (أو التقاط قصاصات الأظافر، نعم، هذا أيضًا). كم مرة اصطدم بك شخص لأن انتباهه مشتت؟ وكم مرة اصطدمت أنت بشخص؟

عندما لا تكون قادرًا على توجيه نفسك مكانيًا، فإن عدم وعيك بالآخرين ولما يجري حولك سيكون حتميًا. أحد الأمثلة البسيطة الذي لا أصدق أنني مضطر لكتابته، لكن كوني عايشته مراتٍ عديد فإنه يستحق الذكر.

لا يوجد أحذية في صف اليوغا، عدد من الأعضاء يرتدون النعال في أرجاء الصالة الرياضية. وبدلًا من وضع الصنادل على رف الأحذية، يدخلون ببساطة ويتركونها على المدخل، مما يجبر الأعضاء الآخرين على القفز أو التعثر بها عندما يدخلون إلى الغرفة. الرف يقع على بعد أرباع أقدام فقط. سواء كان ذلك امتيازًا لهم أو نقصًا في وعيهم الذاتي (أو كليهما، إذ يسير الاثنان جنبًا إلى جنب)، تكون النتيجة دائمًا غرفة فوضوية.

استمد بيترسون جدله ونظريته من فكرة المراهقين لتغيير الأنظمة الاقتصادية، وإليكم مثال صارخ آخر: التغير المناخي، إن البشر هم أكثر المخلوقات إهدارًا في تاريخ الكوكب. قدرتنا على التلاعب بالمصادر الطبيعية وتحويلها إلى مواد بلاستيكية وكيميائية وأطنان من المنتجات غير النافعة التي تطفو الآن حول المحيطات هي سبب أساسي لانبعاثات الكربون. وبدلًا من التيقُّظ للخطوة الأولى وتنظيف غرفنا، نقوم بدفن رؤوسنا بهواتفنا.

قد تكون كلمة «كوندو» Kondo كلمة رنانة مألوفة (وهاشتاغ مزعج على انستغرام أيضًا)، لكن الحقيقة أن مبادئ فلسفة الشنتو Shinto تستحق إلقاء النظر عليها.

يجب على سكان الغرب أن يتعلموا أكثر عن الثقافة اليابانية، والتركيز خصوصًا على فكرة الجماعية، وفلسفة الانحناء أي ببساطة تقليل التركيز حول «الأنا».

تكمن تعاليم الكوندو في البساطة والأناقة: أن تُعامِلَ كل شيء كما لو كانَ مُقدسًّا. ركز انتباهك على البيئة المحيطة، وعندها لن تتحسن البيئة حولك وحسب، بل ستلاحظ تحسنًا فيك أنت أيضًا. ففي ثقافة مرهقة ومليئة بالعمل الشاق مثل أمريكا، سيكون التركيز على الأشياء الموجودة أمام أعيننا مباشرة مفيدًا ويمكن أن يفعل الكثير من العجائب لنظامنا العصبي الجمعي. بات تعلّمُ فلسفة التركيز مهمةً فردية صعبة في مجتمعات تشتت الوعي.

ويوضح لنا سبب كتابته «لـ 12 قاعدة للحياة» في مقدمة الكتاب، إذ يقدم بيترسون لمحة عامة عن طريقة تضمن نجاحنا الجماعي:

«يجب على كل مِنّا تحمل أكبر قدر ممكن من المسؤولية عن الحياة الفردية والمجتمع والعالم. علينا أن نخبر بعضنا الحقيقة، ونُصلح ما هو رديء وبالٍ، ونعيد بناء كل ما هو قديم وما عفا عليه الزمن. فبهذا الأسلوب يمكننا ويجب علينا أن نقلل المعاناة التي تُسمم العالم.تكمن مهمتنا في التساؤل كثيرًا. التساؤل حول كل شيء.”

هل لدينا الإرادة لفعل كل شيء؟ «هناك شخص ما غيري سيفعل ذلك»، تلك الفكرة السلبية تؤثر في كل الطبقات الاقتصادية والأعراق والأجناس.

قد لا أتفق مع بيترسون أن جيل الألفية لا يفقه شيئًا حول الاقتصاد، فهم يرثون المستقبل الذي نصنعه ويجب أن يُسمح لهم بالتعبير عن آرائهم. لكنه بالتأكيد مُحق حول أبسط مبدأ يمكننا تخيله: نظّف غرفتك واهتم بنفسك.

المصادر: 1