هل تتلاعب بك الأفلام؟ وتؤثر في مجرى حياتك؟!

التأثير القوي للسينما

على مر العصور استند الكثير من زعماء العالم على تأثير وقوة الأفلام لتحقيق أهدافهم، على سبيل المثال، في أثناء الحرب العالمية الثانية استخدم كلًا من هتلر وستالين الأفلام كوسيلة دعائية ونجحوا في تحقيق ذلك.

تمتلك السينما القدرة على تغيير آراء الناس ووجهات نظرهم، فالأفلام الجيدة دائمًا ما تؤثر في المُشاهِد ويتفاوت هذا التأثير بحسب الفيلم والشخص، وبشكل خاص، لابد للناس أن تتأثر بالأفلام نظرًا لأن الهدف الرئيسي من الفن السينمائي هو تمامًا التأثير في المتلقي وإيصال رسائل محددة.

للأفلام طرق كثيرة تؤثر بها على المجتمع وعالمنا الحديث الحالي، بعضها ذو تأثير سلبي وبعضها الآخر إيجابي، نظرًا لتطور صناعة الأفلام بشكل واسع واستحواذ الأفلام على مساحة كبيرة من حياتنا اليومية، نستطيع القول بأن تأثير السينما على الواقع أصبح هائلًا جدًا.

إحدى طرق تأثير الأفلام على المجتمع هي توسيع معارفنا عن التاريخ والحضارة.

تعتبر بعض الأفلام بمثابة دروس تاريخية للمشاهدين كونها تعرض أحداثًا واقعية قديمة، وكمثال على ذلك فيلم «Gladiator» الحائز على خمسة جوائز أوسكار وجائزة الأكاديمية لأفضل فيلم والمرشح لسبعة جوائز أخرى عام 2001م.

يعتبر هذا الفيلم من الأفلام النادرة القريبة من الكمال على الرغم من كون أغلب أحداثه خيالية مثل قصة الحب والخيانة، وذلك لأنه يصور أوضاع الحياة العامة في الزمن الماضي وحياة المحارب وأوضاع روما السياسية آنذاك، ومن المؤكد أن الأشخاص الذين شاهدوا الفيلم اكتسبوا بعض المعرفة ووسعوا فهمهم عن الثقافة الرومانية.

تكشف الأفلام أيضًا عن ثقافات مختلفة حول العالم، كمثال نموذجي على ذلك فيلم «City Of God» المرشح لأربعة جوائز أوسكار والواقعة أحداثه في ضواحي مدينة ريو دي جانيرو الفقيرة، ولأنها حقائق ومواقف تحدث يوميًا لسكان هذه الضواحي؛ التي يجهلها معظم الناس فقد أحدث الفيلم تأثيرًا واسع النطاق.

الإعلان عن المنتجات وسيلة للتأثير على المجتمع.

وهي وسيلة كبيرة وغالبًا ما يتم تجاهلها. غالبًا ما تدفع الشركات لأستديوهات الأفلام لتضمين منتجاتها فيها، حيث يميل المشاهدون إلى تقليد شخصياتهم المفضلة دائمًا، فمثلًا شرب ممثلهم المفضل لعلبة كوكا كولا يجعل الأشخاص يريدون شرائها أيضًا، مثال على ذلك فيلم «Nerve» من بطولة دايف فرانكو و إيما روبرتس، يعتبر هذا الفيلم إعلان ضخم لشركة Apple شاهده الكثير من الأشخاص وعلى الأرجح أغلبهم كانت لديهم الرغبة لشراء منتجات آبل بعد رؤيتها تعمل جيدًا في أيدي الممثلين.

وعلى خلاف «Nerve» تعتمد بعض الشركات على الإعلانات الضمنية (الخفية) للترويج لمنتجاتها بدلًا من إظهارها بقوة على مرأى المشاهدين.

أظهرت الأبحاث أن الأشخاص يرغبون دائمًا في تقليد شخصياتهم المفضلة، لذلك تخصص شركات الإنتاج أدوارًا لممثلين مشهورين لأغراض الدعاية فقط.

فإذا كان جوني ديب هو الشخصية المفضلة لبعض الأشخاص ستراهم يقلدونه تلقائيًا، أي إذا تناول رشفة واحدة فقط من علبة كوكا كولا ستجدهم يتهافتون على شراءها لمجرد كون شخصيتهم المفضلة تتناولها.

دائمًا ما يحاول الناس تقليد الأشياء المعروضة في السينما بطرق مختلفة فمثلًا يؤثر العنف الموجود في الأفلام على

المراهقين بصورة كبيرة، فقد يحاول الناس باللاوعي أن يكونوا مثل شخصية تعجبهم حتى لو كانت هذه الشخصية ذات نوايا شريرة، في عام 2012 في مدينة أورورا الواقعة في كولورادو قام شخص يدعى جيمس هولمز بقتل 12 شخصًا وجرح 17 آخرون منتصف الليل في أثناء عرض فيلم «The Dark Knight Rises»، هولمز كان من المعجبين بأفلام الأبطال الخارقين خصوصًا باتمان.

ومازال الأخصائيون النفسيين يجهلون دافع هولمز وراء عمليات القتل هذه، إلا أن أحد النظريات تقول بأن هولمز استشاط غضبًا من الفيلم لأنه يدنس شخصيته المفضلة، وهنالك نظرية أخرى معروفة تقول بأن هولمز شبّه نفسه بالجوكر، الشخصية الشريرة في الفيلم، الذي أراد نشر الفوضى والإرهاب عن طريق العنف، حيث يتخيل الجوكر بأن الناس العاديين هم غير حقيقيون وقد أشار هولمز الى ذلك بالضبط حين قال «أنهم أناس غير حقيقيون».

وعلى الرغم من المبالغة في طرح هذا المثال إلا أن مشاهدة المراهقين للأفلام العنيفة تجعلهم يودون التصرف بعنف شديد هي حقيقة، ففي عام 1971 ارتفع معدل ارتكاب الجرائم في أميركا بعد صدور فيلم «A Clockwork Orange»، فكان الاعتقاد، أن بعض الأشخاص تأثروا بالشخصيات المضطربة نفسيًا في الفيلم وبأفعالهم الشنيعة؛ لدرجة غياب أي رادع لرغباتهم بارتكاب الجرائم.

تحفِّز الأفلام الناس على تقليد شخصياتهم وممثليهم المفضلين في أمورًا أخرى غير العنف، فشاهدة أفلام تحتوي على مقاطع يظهر فيها مراهقين يدخنون غالبًا ما تجعل المراهقين يرغبون بالتدخين فعلًا، ليست بالمفاجأة الكبيرة، ها؟!

تتبع معظم أستديوهات الأفلام الكبيرة سياسة صارمة حول استخدام التبغ في أفلامها، حيث تنص على أن الأفلام المصنفة تحت 13 عامًا يجب أن تكون خالية تمامًا من أي مظهر من مظاهر التدخين أو أي استخدام آخر للتبغ لأنها تؤثر على المراهقين بطريقة تجعلهم يظنون أن التدخين لا بأس به لأن شخصيتهم المفضلة كانت شخصية مدخنة، على كل حال ما يقرب من نصف هذه الأفلام التي تنتجها الأستديوهات الكبيرة تتضمن استخدام التبغ وهي ملزمة بدفع غرامة مالية عند حدوث ذلك.

ولكن يوجد تأثيرات إيجابية للتقليد أيضًا، عند وجود شخصية ناجحة ومحبوبة من قبل الجمهور تحفز المشاهدين وتدفعهم باللاوعي ليجتهدوا ويكونوا مثلها.

تساعد الأفلام على نمو الاقتصاد وازدهاره.

على سبيل المثال، دمى شخصيات الأفلام، فلكل فيلم ذائع الصيت، تُصنع دمى الشخصيات وتُوزّع، ويشتريها المعجبون لِقيمة جمعها وجماليتها.

إنها تفتقر لأي تأثير حقيقي على حياة الناس، فهي فقط للمتعة.

ولا تكلف صناعة هذه الدمى أموالًا طائلة فهي تصنع إما من المطاط أو البلاستيك أو كليهما، ولكن بسبب قيمتها المعنوية العالية يشتريها المعجبون بأسعار باهظة جدًا، بهذه الطريقة يُزيد الناس الوارد المالي للدولة، والشركات، والمصانع الخاصة.

ليست فقط دمى الشخصيات، أي نوع من البضائع يفي بالغرض.

فعلاوة على ذلك، يشكل بيع الوجبات الخفيفة في السينما قبل كل عرض 85% من إجمالي ربح المسرح الكلي، بعض هذه الأموال يعود للدولة على شكل ضرائب.

كذلك بيع التذاكر يجني أموالًا للدولة على الرغم من أن معظم هذه الأموال تذهب للشركة المنتجة، وهذا ليس التأثير الوحيد للأفلام على الاقتصاد، فصناعة الأفلام بحد ذاتها لها أهمية كبرى، يجد الكثير من الأشخاص وظائف في صناعة السينما خصوصًا في الولايات المتحدة حيث يعمل ما يقارب 0.1% من إجمالي سكان الولايات المتحدة في صناعة الأفلام على الرغم من أن ذلك قد يبدو نسبة قليلة إلا أنها تعتبر كبيرة جدًا بالمقارنة مع المجالات الأخرى.

فاعلية الأفلام تشمل ما هو أكبر من أموال تذهب للدولة وبالتالي تطوير الاقتصاد؛ فهي تعمل على ازدهار شركات الإنتاج وبالتالي استقطاب المزيد من العاملين في هذا المجال.

للأفلام القدرة على كلا «تحسين» و «تدمير» صحة الفرد.

حيث بينت دراسات أن محبيّ المغامرة يعشقون مشاهدة أفلام الرعب لما تقدمه لهم من متعة حقيقية، لكن معظم هؤلاء الناس لا يدركون أن الخوف أثناء مشاهدة الفيلم يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وسرعة النبض مما قد يؤدي إلى الإصابة بنوبة قلبية وأحيانًا الوفاة، كما حدث في أثناء عرض فيلم «The Passion Of Christ» توفيت امرأة بعد تعرضها لنوبة قلبية مفاجئة نتيجة مشاهدتها للفيلم. نعم، إنها حالة خاصة، ولكن المبدأ ينطبق أيضًا على مقياس أصغر.

ولكن بالطبع، قد تكون الأفلام ذات نفع على صحتك أيضًا، فالأفلام الكوميدية تساعد على تقليل ضغط الدم وعلى توسّع الأوعية الدموية، حيث أظهرت بعض الدراسات أن 15 دقيقة من الضحك الشديد أثناء مشاهدة فيلم ما، لها نفس تأثير التمرُّن على الجهاز القلبي الوعائي.

تمنح الناس فرصًا للتخيل، وإلهامًا لما يريدوا أن يكونوا عليه.

على الرغم من أن هذا قد يبدو رائعًا، إلا أن هناك كما هو الحال دائمًا بعض الجوانب السلبية، نأخذ على سبيل المثال فيلم «The Wolf Of Wall Street» المرشح لخمسة جوائز أوسكار والمقتبس عن قصة حقيقية عن حياة سمسار وول ستريت جوردن بلفورت المليونير الفاسد المتكبر الأناني الخبيث.

نرى جوردن في مشاهد كثيرة ينفق أمواله على أشياء سخيفة ويفعل ما يشاء ويتصرف بطريقة غير أخلاقية لمجرد امتلاكه للمال إلا أنه يحب فعل ذلك ويستمتع في حياته، ونتيجة لذلك قد يرغب الجمهور بتقليد أسلوب الحياة الباذخ هذا.

انتهى الفيلم بدخول جوردن السجن، لاحظنا أنه لا يشعر بأي ندم على سلوكه الفاسد فعلى العكس من ذلك، رأيناه راضيًا تمامًا عن نفسه فهو لم يتعلم من أخطائه ولم يصحح سلوكه السيء، والفيلم لم يكن اعتذارًا على طمع جوردن.

بمشاهدة هذا الفيلم، سيرى الكثير كم هو رائع أن تكون غنيّ ومتكبر، وقد يفكرون لا شعوريًا بأنه لا آثار سلبية أبدًا لهذا السلوك وقد يتطلعون لتطبيقه.

غير أن العوامل الإيجابية هذه المرة قد تفوق العوامل السلبية، فالأفلام تلهم الناس للدخول في صناعة الأفلام وصنع الأحلام، فربما يكون معظم الممثلين والمخرجين والمصورين قد شاهدوا بعض الأفلام عندما كانوا صغارًا وكانت مصدر إلهام لهم لفعل شيء ما لأنفسهم في المستقبل.

هذا جانب مهم للغاية في كيفية تأثير الأفلام على المجتمع، إنها مصدر إلهام، حيث تلهم الناس لتحقيق أحلامهم ومتابعتها، وأيضًا إلهامهم لدخول صناعة السينما.

ليس ذلك فحسب، تقدم الأفلام دروسًا قيمة، كهدف للتأثير بالجمهور ولإيصال رسالة معينة، وبالتالي يغير العديد من الأفراد مبادئهم ومعتقداتهم تبعًا لما شاهدوه.

الأفلام بالفعل قوية جدًا!

على الرغم من تسميتها بالفن السابع، إلا أن السينما بالتأكيد من أكثر الأشكال الفنية تأثيرًا على المجتمع، فالناس لا تتابع وتتأثر بفنون النحت والعمارة، كما الأفلام المنتشرة في كل مكان، لذلك يراها الناس كل يوم ويتأثرون بها.

في النهاية، تؤثر الأفلام على المجتمع إيجابًا وسلبًا في ذات الوقت، فهي تساعد على ازدهار الاقتصاد، وإلهام الأفراد، وفي توسيع معارفنا الأساسية للعالم من حولنا، وهي أيضًا بإمكانها خلق العنف، والعادات السيئة، وجعل الناس أكثر جشعًا، وإيصال رسائل سيئة للعامة.

نظرًا لكون الأفلام فن مؤثر، فعلى شركات الإنتاج الكبيرة أن تكون حذرة في ما تتضمنه إنتاجاتها بما أن حتى أصغر الأشياء قد تؤثر بالمشاهد، وكذلك على الأفراد أن يكونوا حذرين فيما يتلقوه من الأفلام، كون أصغر الأشياء تدفعهم للقيام بشيء سيء أو لتغيير شخصياتهم.

تأثير الأفلام على المجتمع واضح جدًي، ليس ذلك فحسب، بل إنها أيضًا تقولب العالم الحديث الذي نعيش فيه وتساعد على تنمية الأشخاص، كل ما يمكن للجميع فعله الآن هو التفكير بشكل صحيح وناقد وعدم السماح للأفلام بتغيير هويتهم كليًا.

المصادر: 1