محاضرات فاينمان: مبدأ حفظ الطاقة (م4 ج1)

الرجوع إلى المحاضرة السابقة

ملخص المقال:

  • الطاقة الكلية في العالم لا تتغير.
  • الطاقة هي مجموع عدة “أنواع” (أو طرق حساب)
  • طاقة الوضع بالنسبة لجاذبية الأرض= الوزن ضرب الارتفاع.

ما هي الطاقة؟

بعد أن وصفنا الأشياء عمومًا، سنبدأ في هذا الفصل دراستنا المفصلة لمختلف جوانب الفيزياء. ولتوضيح نوع المنطق والأفكار التي تستخدم في الفيزياء، سنختبر الآن واحدًا من أكثر قوانين الفيزياء أساسية: مبدأ حفظ الطاقة.

توجد حقيقة، أو قانون إن شئت، يحكم جميع الظواهر الطبيعية المعروفة إلى اليوم، وهو مطلق حسبما نعرف وليس له أي استثناء. يعرف ذلك القانون بحفظ الطاقة وينص على إن هناك كمية معينة نسميها طاقة لا تتغير مع التغيرّات العديدة التي تمر بها الطبيعة. إنه فكرة شديدة التجريد، لأنه مبدأ رياضي، الجوهر فيها إن هناك كمية عددية لا تتغير عندما يحدث شيء ما. إنه ليس وصفًا لآلية أو أي شيء ملموس، إنه مجرد حقيقة غريبة هي أننا نستطيع حساب رقم ما، ثم بعد مشاهدتنا الطبيعة تؤدي جميع حيلها [تتغير] نحسب الرقم مجددًا فيكون نفسه! (الأمر أشبه بفيل شطرنج على مربع أحمر، فبعد عدد نقلات غير معروفة التفاصيل، سيظل ذلك الفيل على ذات المربع الأحمر. إنه قانون الطبيعة). وكون الفكرة تجريدية فإننا سنوضح معناها بتشبيه.

تصور معي طفلًا، وليكن “دينيس ذا مينيس”، يملك مكعبات متشابهة غير قابلة للتحطيم أو التقسيم بتاتًا، ولنفترض أن عددها 28. في بداية اليوم وضعته والدته مع المكعبات في غرفة، ثم في نهايته عادت إليه وعدَّت المكعبات بدقة من باب الفضول، فاكتشفت قانونًا ظواهريًا هو: بغض النظر عما يفعل دينيس بالمكعبات، فهي دائمًا ستظل 28. استمر ذلك لعدة أيام حتى وجدت في أحد الأيام 27 مكعبًا فقط! لكنها علمت بقليل من التحري أن هناك واحدًا تلك السجادة، إذ يجب عليها البحث في كل مكان لتتيقن أن عدد المكعبات لم يتغير. على أي حال، بدا في أحد الأيام أن عدد المكعبات قد تغير، إذ لم تلحظ في الغرفة غير 26 فقط! لكن التحري الدقيق كشف أن النافذة كانت مفتوحة، وحالما نظرت منها لمحت المكعبين الآخرين خارجًا. وفي يوم آخر كشف العد الدقيق أن هناك 30 مكعبًا! هذا يسبب قدرًا من الحيرة، إلى أن نعلم أن “بروس” كان قد جاء في زيارة، وأحضر مكعباته معه وترك بعضها في منزل دينيس. تخلصت الأم من المكعبات الإضافية وأغلقت النوافذ ولم تدع بروس يدخل، فكان كل شيء على ما يرام إلى أن جاء وقت عدَّت فيه المكعبات ولم تجد غير 25! لكن كان في الغرفة صندوق صغير -صندوق ألعاب- همّت الأم بفتحه فصرخ دينيس وقال “لا، لا تفتحي صندوق ألعابي”. لم يُسمح لها بتفقد الصندوق، لكن الأم الحاذقة الفضولية كادت مكيدة: لعلمها أن المكعب الواحد يزن 3 أونصات، وزنت الصندوق حين رأت المكعبات جميعها موجودة خارجه، فكان وزنه 16 أونصة. وهكذا حين تريد التحقق في المرة القادمة، فإنها تزن الصندوق [المقفل] من جديد، وتطرح منه 16 أونصة [وزن الصندوق]، وتقسِّم الباقي على 3 [وزن المكعب؛ لتعرف كم منها موجود]، فاكتشفت التالي:

عدد المكعبات المرئية + [وزن الصندوق – 16 أونصة] / 3 أونصات = ثابت

لكن مشكلة جديدة تقع، حين تنقص المكعبات مجددًا، لكن الدراسة بتركيز بيّنت أن الماء المستخدم في حوض الاستحمام يغير منسوبه. الطفل يرمي بالمكعبات في الماء! وهي لا تستطيع رؤيتها لأن الماء قذر جدًا، لكن بإمكانها إيجاد كم من المكعبات في الماء بإضافة حدٍ جديد إلى معادلتها. وكون ارتفاع الماء هو 6 بوصات، وكل مكعب يرفع المنسوب ربع بوصة، فإن المعادلة الجديدة تكون:

عدد المكعبات المرئية + [(وزن الصندوق – 16 أونصة) / 3 أونصات] + [(ارتفاع الماء – 6 بوصة) / 0.25 بوصة] = ثابت

وهكذا كلما تزايد تعقيد عالمها، وجدت الأم سلسلة حدود تمثل سبلًا لحساب عدد المكعبات الموجودة حيث لا يسمح لها أن تنظر. نتيجة لذلك فإنها تجد معادلة معقدة، ومقدارًا يجب حسابه، وهو يبقى ذاته دائمًا في حالتها.

أين التشبيه في هذا مع مبدأ حفظ الطاقة؟ أكبر جانب يجب قصه من هذه الصورة هو أن هناك مكعبات. وبحذف الحدود الأولى من المعادلتين السابقتين [عدد المكعبات المرئية] نجد أنفسنا نحسب أشياء مجردة تقريبًا. ذلك التشبيه فيه النقاط التالية: أولًا، بعض من الطاقة يدخل إلى النظام وبعضها يخرج في أثناء حسابنا لها. لذا يجب علينا الحرص على أننا لم نُدخل أو نُخرج طاقة بغية إثبات مبدأ حفظ الطاقة. ثانيًا، للطاقة عدد كبير من الأنواع هي طاقة الجاذبية وطاقة الكتلة وطاقة المرونة، والطاقة الحركية والحرارية والكهربائية والكيميائية والإشعاعية والنووية. وهناك معادلة لكل منها، وإن جمعنا معادلات كل هذه الأنواع فإن الطاقة لن تتغير بشيء باستثناء كونها داخلة أو خارجة.

ومن المهم إدراك أن ليس لنا معرفة بماهية الطاقة في الفيزياء الحالية. فليس لدينا صورة عن أن الطاقة تأتي بنقط صغيرة بكمية محددة، كلا، الأمر ليس كذلك. مع هذا فإن لدينا معادلات لحساب بعض الكميات العددية، التي حين نجمعها تعطينا دائمًا “28” أي ذات الرقم. لكنها شيء تجريدي بمعنى أنها لا تخبرنا آلية المعادلات المختلفة ولا السبب ورائها.

طاقة الوضع الجاذبية

لا يمكن فهم مبدأ حفظ الطاقة إلا إن امتلكنا معادلة لكل صورة من صورها. واليوم أوّد مناقشة طاقة الجاذبية قرب سطح الأرض، وأوّد اشتقاق هذه المعادلة بطريقة ليس لها أي علاقة بالتاريخ، بل بنوع منطقٍ مخترع خصيصًا لهذه المحاضرة، لإعطائكم توضيحًا عن حقيقة رائعة هي أن قدرًا كبيرًا يمكن استخلاصه عن الطبيعة من بضع حقائق ومنطق محكم. إنه توضيح عن نوع العمل الذي يعمله الفيزيائيون النظريون. وهو منسق احتذاءً بحجة السيد كارنوت الممتازة عن كفاءة المحركات البخارية (نقصد هنا أن المنطق النظري كفيل بإيصالنا إلى النتيجة، ونحن لا نعني ذات النتيجة التي وصل إليها بالطبع).

فكر في آلات رفع الأثقال، في آلات ترفع وزنًا ما بإنزال وزن آخر. ولنفترض أن ليس هناك شيء يسمى بالحركة الأبدية (في الحقيقة فإن عدم وجود حركة أبدية على الإطلاق هو تعميم لقانون حفظ الطاقة). ويجب أن نكون دقيقين في تعريف الحركة الأبدية، ولنعرّفها أولًا بالنسبة لآلات رفع الأثقال: إن وجدنا بعد رفعنا وإنزالنا الكثير من الأوزان وإعادة الآلة إلى وضعها الأصلي، أن صافي النتيجة هو أننا رفعنا وزنًا فإن لدينا آلة حركة أبدية، لأننا نستطيع استغلال ذلك الوزن المرفوع لتشغيل شيء آخر. فإن كانت الآلة التي رفعت الأوزان قد أعيدت لوضعها الأصلي تمامًا وكانت مستقلة بذاتها بمعنى عدم استلامها الطاقة اللازمة لرفع الوزن من مصدر خارجي، فإن الأمر أشبه بمكعبات بروس.

شكل 4-1: آلة رفع أثقال بسيطة

في الشكل 4-1 آلة رفع أثقال بسيطة جدًا. هذه الآلة ترفع وزنًا “قوته” ثلاث وحدات. أي نضع ثلاث وحدات وزن على أحد كفوف الميزان [ليكن الأيسر]، ووحدة وزن واحدة على الكف الآخر. لكن لجعلها تعمل حقيقةً فإن علينا تقليل الوزن في الكف الأيسر قليلًا. ويمكننا رفع وزن قدره وحدة واحدة بإنزال الثلاث وحدات، إن غششنا وقللنا وزن الكف الآخر قليلًا. ندرك بالطبع أنه يجب علينا إضافة القليل إلى أي آلة رفع أثقال حقيقية لجعلها تعمل. وهذا الأمر سنهمله مؤقتًا. الآلات المثالية، غير الموجودة بالطبع، لا تتطلب أي شيء إضافي. الآلة التي نستخدمها هنا هي -إلى حد ما- انعكاسية: بمعنى إن كانت سترفع وزنًا مقداره 3 بإنزال وزن قدره 1، فإنها أيضًا سترفع وزنًا يقارب الواحد بإنزال وزن يساوي ثلاثة.

[هذه الفقرة تحتاج إلى مخيلة خصبة وسأضع خلاصتها في نهايتها إن لم تفهم التشبيه] لنتخيل وجود نوعين من الآلات، إحداهما غير الانعكاسية وهذه تشمل جميع الآلات الموجودة في الواقع، والأخرى الانعكاسية وهذه لا يمكن صنعها مهما كنا دقيقين في تصميم الأحمال والعتلات وما شابه. على أي حال لنفترض وجود شيء كالآلات الانعكاسية، وهي هنا تخفض وحدة وزن واحدة (رطل أو غرام لا يهم) بمقدار وحدة مسافة واحدة [بوصة أو سنتيمتر لا يهم]، وفي ذات الوقت ترفع ثلاث وحدات من الوزن [في الجهة الأخرى]. ولنسمي هذه الآلة الانعكاسية بالآلة أ. ولنفترض أن هذه الآلة الانعكاسية ترفع الثلاث وحدات من الوزن مسافة قدرها س. ثم نفترض أن لدينا آلة أخرى لتكن ب وهي غير انعكاسية، وهي أيضًا تخفض وحدة وزن واحدة وحدة مسافة واحدة، وترفع ثلاث وحدات وزن مسافة ص.

يمكننا الآن إثبات أن ص ليست أعلى من س، لأن من المستحيل صنع آلة ترفع الوزن أعلى مما تفعل آلة انعكاسية. ولنستعرض السبب: لنفترض أن ص كانت أعلى من س. في الآلة ب نضع وحدة وزن واحدة في كف ونخفضها وحدة مسافة واحدة، هذا سيرفع الكف الآخر ذو الثلاث وحدات وزن مسافة ص. هكذا سنستطيع خفض ارتفاع الوزن من ص إلى س -تحصيل طاقة مجانية- واستعمال الآلة الانعكاسية أ -التي تعمل بالعكس- لخفض ارتفاع الثلاث وحدات وزن مسافة س ورفع وحدة وزن واحدة وحدة مسافة واحدة. هذا سيضع وحدة الوزن الواحدة في موضعها الذي كانت عليه، ويجعل كلا الآلتين جاهز للاستخدام مجددًا! وهكذا إن كانت ص أعلى من س فإننا سنحصل على طاقة أبدية وهذا ما افترضناه مستحيلًا. لذا نستطيع حسب هذه الافتراضات استخلاص أن ص ليست أعلى من س، وبالتالي فإن الآلة الانعكاسية هي أفضل آلة يمكن تصميمها على الإطلاق. [الخلاصة هي أن الآلة الانعكاسية أفضل من غير الانعكاسية في رفع الوزن لأنها إن لم تكن كذلك فسنأخذ الوزن الفائض من غير الانعكاسية ونرفع أوزانها باستخدام الانعكاسية فنربح طاقة مجانية يمكننا تشغيلها في مكان آخر، وهذا حسبما ذكرنا في بداية المقال لا يجوز لأنه حركة أبدية].

ونرى أيضًا أن جميع الآلات الانعكاسية يجب أن تَرفع إلى ذات الارتفاع تمامًا. افترض أن الآلة ب انعكاسية أيضًا، في هذه الحالة فإن حجة أن ص ليست أعلى من س ما زالت جيدة كأي وقت مضى، لكن يمكننا عكس حجتنا باستعمال الآلات بترتيب معاكس وإثبات أن س ليست أعلى من ص. وهذه لملاحظة رائعة فعلًا لأنها تتيح لنا تحليل الارتفاع الذي ستَرفع إليه الآلات شيئًا ما دون الحاجة إلى معرفة آليتها الداخلية. فإن صنع أحدهم سلسلة عتلات دقيقة ضخمة ترفع ثلاث وحداتٍ مسافةً معينة بإنزال وحدة وزن واحدة وحدة مسافة واحدة، وقارنّاها مع عتلة بسيطة تعمل ذات الشيء لكنها انعكاسية، فإننا سنعلم أن الآلة التي صنعها ذاك الشخص لن ترفع وحدة الوزن أعلى من العتلة الانعكاسية بل ربما أقل. وإن كانت آلته انعكاسية فإننا سنعلم بالضبط المسافة التي سيرفع إليها الوزن. لتلخيص ذلك نقول: بغض النظر عن آلية عملها فإن كل آلة انعكاسية تخفض وزن رطل واحد مسافة قدم واحدة، سترفع وزن ثلاثة أرطال إلى نفس المسافة دائمًا هي “س”. من الواضح أن هذا قانون عام بفائدة عظيمة. والسؤال التالي الذي سنناقشه هو: ما هي س؟

شكل 4-2: آلة انعكاسية

افترض أن لدينا آلة انعكاسية سترفع إلى المسافة س ثلاث وحدات وتنزل وحدة واحدة: نضع ثلاث كرات في حامل لا يتحرك كما في الشكل 4-2. ونضع كرة على حامل يبعد عن الأرض قدمًا واحدًا. تستطيع الآلة رفع ثلاث كرات بإنزال كرة مسافة قدم واحد. نرتب الآن المنصة التي تحمل الكرات الثلاث بحيث تكون بأرضية ورفين تفصل بينهم مسافة قدرها س، وهي نفس المسافة التي تفصل بين الحوامل الثلاثة التي تحمل الكرات على اليسار في الشكل (a). أولًا، ندحرج الكرات أفقيًا من الحامل إلى الرفوف (b)، ونفترض أن هذا لن يستهلك طاقة لأننا لم نغير أي ارتفاع. والآن ستعمل الآلة الانعكاسية: تخفض الكرة على اليسار إلى الأرض [قدم واحد] وترفع الرف مسافة قدرها س (c). وبعد ترتيب الرفوف لتتساوى الكرات مع المنصة من جديد، نعيد الكرات إلى الحوامل (d)، نحن نعيد الآلة إلى وضعها الأصلي بإنزال الكرات. والآن صار لدينا ثلاث كرات على الرفوف الثلاثة العلوية وكرة في القاع. الشيء الغريب أننا نوعًا ما لم نرفع كرتين منهم أبدًا لأن -كما تلاحظ في الرسم- الرف الثاني والثالث كان فيهما كرتين من الأصل. وهكذا فإن التأثير الحقيقي الناتج من هذا الفعل هو رفع كرة واحدة مسافة قدرها 3س. والآن: إن كان 3س أكبر من قدم واحد فإننا نستطيع إنزال الكرة لإعادة الآلة إلى وضعها الأصلي (f)، وتكرار العملية من جديد. ولهذا فإن 3س لا يمكن أن تتجاوز مسافة قدم واحد، لأنها إن فعلت فسنستطيع تحصيل حركة أبدية. ويمكننا بالمثل إثبات أن مسافة قدم واحد لا يمكن أن يتجاوز 3س بجعل الآلة تعمل بالعكس، كونها انعكاسية.

النتيجة هي أن 3س ليست أكثر أو أقل من قدم واحد، وهكذا نكتشف بالنقاش وحده قانون أن س= 1/3 قدم. وتعميم القانون واضح هو: إن إنزال رطل واحد مسافة معينة في آلة انعكاسية يتيح لها رفع أرطال مسافةً تساوي مسافة الرطل الواحد مقسومة على عدد الأرطال. بعبارة أخرى: حاصل ضرب ثلاثة أرطال مرفوعة بالمسافة التي رفعت إليها (س في حالتنا هذه) يساوي حاصل ضرب رطل واحد بالمسافة التي أنزل إليها (قدم واحد في حالتنا). وإن ضَربنا الأوزان الموجودة حاليًا بالارتفاع الذي هي فيه فوق الأرض، ثم شغلنا الآلة وضربنا الأوزان مع الارتفاعات التي أصبحت فيها فإن الناتج لن يتغير. (يجب علينا تعميم المثال حيث حركنا وحدة وزن واحدة فقط، إلى حالة عندما ننزل وحدة واحدة نرفع عدة أوزان مختلفة، لكن هذا سهل).

نسمي حاصل ضرب الأوزان بالارتفاعات طاقة الوضع الجاذبية [أو الجذبوية، أو الطاقة الكامنة للجاذبية]، وهي الطاقة التي يمتلكها الجسم بسبب مكانه في الفضاء نسبة إلى الأرض. والعلاقة لطاقة الوضع الجاذبية بما أننا لسنا بعيدين جدًا عن الأرض (تضعف هذه الطاقة بابتعادنا) هي:

طاقة الوضع الجاذبية لجسم= الوزن  الارتفاع

إنه نوع جميل جدًا من المنطق. المشكلة الوحيدة هي في إنه ربما ليس صحيحًا (بعد كل شيء الطبيعة ليست مجبرة على الخضوع لمنطقنا). على سبيل المثال ربما تكون الطاقة الأبدية ممكنة في الواقع، ربما تكون بعض الافتراضات خاطئة، أو ربما ارتكبنا خطئًا في المنطق، لذا من الضروري التحقق باستمرار. لكن في الحقيقة تَبيَّن اختباريًا أنه صحيح.

الاسم السائد للطاقة المتعلقة بنسبية المكان إلى شيء آخر هو طاقة الوضع [هي ذاتها الطاقة الكامنة]. وفي حالتنا هذه نسميها طاقة الوضع الجذبوية بالطبع. لكن إن كنا نعمل على طاقة كهربائية بدلًا من الجاذبية، أي إن كنا نرفع شحنات بالنسبة لشحنات أخرى بكثير من العتلات فإن محتوى الطاقة هنا سيسمى طاقة الوضع الكهربائية. المبدأ العام هو أن التغير في الطاقة هو القوة ضرب المسافة التي دُفعتها القوة [تحركتها]، وهذا عمومًا تغير في الطاقة:

التغير في الطاقة= القوة  المسافة التي تؤثر فيها القوة

وسنعود إلى كثير من أنواع الطاقة الأخرى ونحن نستمر في محاضراتنا.

شكل 4-3: مستوى مائل

مبدأ حفظ الطاقة مفيد جدًا في استنتاج ماذا سيحدث في عدد من الظروف. لقد تعلمنا في المدرسة الثانوية الكثير من القوانين عن البكرات والعتلات المستخدمة بطرق مختلفة، والآن يمكننا رؤية أن تلك “القوانين” هي جميعًا ذات الشيء، وأننا لا نحتاج إلى حفظ 75 قاعدة لمعرفتها. مثال بسيط هو مستوى مائل ناعم يمثل وترًا لمثلث أبعاده في الشكل 4-3. نعلق وزنًا مقداره رطل واحد على المستوى المائل ونربطه ببكرة معلق بها من الجانب الآخر وزن مقداره ن. نحن نرغب في معرفة وزن ن اللازم لموازنة الرطل الواحد على المستوى فكيف نعرف ذلك؟ إن افترضنا أنه متوازن فالعملية انعكاسية بحيث يستطيع التحرك صعودًا ونزولًا، ونستطيع التفكير في التالي: في الحالة الأولية (a) يكون الرطل الواحد في القعر والوزن ن في القمة. وعندما ينزلق الوزن ن إلى الأسفل بطريقة انعكاسية فإن الرطل سيكون في القمة والوزن ن سيبعد عن الوضع الذي كان عليه مسافة البعد المائل، أي الوتر، وهي خمس أقدام. أي أننا رفعنا الرطل مسافة 3 أقدام وأنزلنا الوزن ن مسافة 5 أقدام. بالتالي فإن الوزن ن= 3/5 رطل [حاصل ضرب وسطين بطرفين كما شرحنا سابقًا]. لاحظ أننا اشتققنا هذا من حفظ الطاقة لا من متجهات القوة. هذا ذكاء لكنه نسبي، فنحن نستطيع الوصول إلى ذات النتيجة بطريقة أكثر براعة. اكتشفها عالم الرياضيات سيمون ستيفين ونقشت على شاهد قبره (إن حصلت على مرثية مثل تلك على قبرك فستكون قد أبليت حسنًا). يوضح الشكل 4-4 أن وزن ن يجب أن يكون 3/5 رطل لأن السلسلة لا تنتقل من مكان إلى آخر. إنه دليل على أن طرف السلسلة الأسفل متوازن بذاته، بحيث إن السحب من الخمسة ضرب الأوزان على الجانب يجب أن يوازن السحب من الثلاثة ضرب الأوزان على الجانب الآخر، أو أيًا كانت نسبة الضلعين. وهكذا ترى بالنظر إلى المخطط أن ن يحب أن تساوي 3/5 رطل.

شكل 4-4: مرثية ستيفين

لنوضح الآن مبدأ الطاقة بمشكلة أكثر تعقيدًا، انظر إلى المرفاع اللولبي في الشكل 4-5. يستخدم فيه مقبض بطول 20 بوصة لتدوير البرغي الذي فيه عشرة حزوز لكل بوصة. نرغب في معرفة القوة اللازم تسليطها على المقبض لرفع طن واحد (2000 رطل). قل إننا نريد رفع الطن بوصة واحدة، يجب إذًا تدوير المقبض عشر مرات، علمًا أنه يقطع مسافة قدرها 126 بوصة في كل دورة. وهكذا فإن المقبض سيقطع 1260 بوصة لرفع المرفاع بوصة واحدة. يجدر الذكر أننا إن استخدمنا بكرات مختلفة وما شابه فإن القوة اللازمة للرفع ستكون أصغر بالطبع. على أي حال نجد أن القوة اللازمة في حالتنا تساوي 1.6 رطل، وهذه نتيجة مبدأ حفظ الطاقة.

شكل 4-5: مرفاع لولبي
شكل 4-6: حبل موزون مرتكز من أحد طرفيه

لندرس الآن مثالًا أكثر تعقيدًا في الشكل 4-6. وهو عصا أو قضيب بطول 8 أقدام ومسنود من أحد طرفيه. في منتصفه يوجد وزن قدره 60 رطلًا، ووزن آخر يبعد عن المسند قدمين قدره 100 رطل. بإهمال وزن القضيب، كم هي قوة الرفع الواجب أن نسلطها على نهايته الحرة بغية إبقاءه متوازنًا؟ افترض أننا ثبتنا بكرة في الأعلى وربطنا عبرها النهاية الحرة للقضيب بحبل مع وزن آخر، فكم يجب أن يكون مقدار ذلك الوزن الآخر بغية إبقاء القضيب متوازنًا؟ نتخيل أن الوزن ينزل بمسافة ما، ولتكن أربع بوصات لتسهيل الأمر علينا، فكم سترتفع الأحمال عندها؟ يرتفع الوزن في الوسط بمقدار بوصتين، والوزن الآخر قرب المسند بمقدار بوصة واحدة. بالتالي فإن مبدأ أن مجموع حاصل ضرب القوى بالارتفاعات ثابت لا يتغير، سيخبرنا أن الوزن المطلوب مضروب بأربع بوصات، زائد الستين رطلًا مضروبة ببوصتين، زائد المئة رطل مضروبة ببوصة واحدة يجب أن يساوي صفر:

4(الوزن المطلوب) + 2(60) + 1(100) = 0

إذًا الوزن المطلوب = 55 رطلًا

وهكذا يجب أن يكون الوزن يساوي 55 رطلًا ليوازن القضيب. وبهذه الطريقة يمكننا فهم قانون “الاتزان” وعلم سكون (ستاتيكا) تراتيب الجسور المعقدة.. إلخ. يسمى هذا المنهج بمبدأ الشغل الافتراضي لوجوب أن نتخيل تحرك الهيكل قليلًا بغية تطبيق هذا الاحتجاج، حتى إن كان الهيكل لا يتحرك حقًا أو غير قابل للتحريك من الأساس. نحن نستعمل الحركة البسيطة المتخيلة لتطبيق مبدأ حفظ الطاقة.

تابع قراءة الجزء الثاني من المحاضرة

المصادر: 1