هل الرياضيات حقيقية؟ سؤالٌ أذكى مما قد تتخيل

بينما كانت تحضر نفسها للعمل مؤخرًا، استخدمت غرايسي هام Gracie Ham التيك توك بالتعمق بالأسس القديمة للرياضيات، فجاءت بسؤال جوهري للغاية، ألا وهو: «كيف لأحدهم أن يأتي بمفهوم كعلم الجبر؟».

كما طرحت أسئلة عن غاية العالم الإغريقي فيثاغورس من استخدامه للرياضيات، وأخرى عن لغز قديم فيما إذا كانت الرياضيات علمٌ حقيقي أم هو مجرد شيء من صنع البشر.

علق العديد بتعليقات سلبية على المنشور، ولكن أخرون -من ضمنهم علماء رياضيات- وجدوا الأسئلة عميقة وثاقبة للغاية.

هل الرياضيات علمٌ حقيقي؟

تجادل الفلاسفة والرياضيون عن هذا لعدة قرون، البعض يعتقد بأن الرياضيات عالمية، وآخرون يعدّونها حقيقيًة كأي شيٍء أخر اخترعه البشر.

بفضل غرايسي، انضم مستخدموا تويتر للنقاش بقوة. بالنسبة لي، جزء من الإجابة يكمن في التاريخ.

من وجهة نظر أحدهم، تستخدم الرياضيات كلغة عالمية لوصف العالم من حولنا. فعلى سبيل المثال، حاصل مجموع تفاحتين وثلاث تفاحات هو دائمًا خمسة، بصرف النظر عن وجهة نظرك.

ولكن الرياضيات أيضًا هي لغة يستخدمها البشر، فهي بذلك ليست بمنأى عن الثقافة. أظهر لنا التاريخ بأن الثقافات المتعددة كٌل لها فهمها الخاص للرياضيات.

لسوء الحظ، ضاع معظم هذا الفهم القديم الآن. تقريبًا من بين كل حضارة قديمة هنالك القليل من النصوص المتناثرة هي كل ما تبقى من المعرفة العلمية لديهم.

رغم ذلك، هنالك حضارة قديمة أورثت وفرة هائلة من النصوص.

علم الجبر البابلي

بعدما كانت مدفونة في صحارى العراق الحديث لما يقارب 4000 عام، اكتشِفت ألواح طينية تعود لبابل القديمة وقد كانت سليمة.

ولكن حساباتهم كانت مختلفة عن حساباتنا، لم يستخدموا صفرًا أو أرقامًا سالبة. حتى أنهم رسموا خرائط لحركة الكواكب دون استخدام التفاضل والتكامل كما نفعل نحن.

أما عن أهمية سؤال “غرايسي هام” عن أصول الجبر، أن البابليون عرفوا أن الأرقام 3 و4 و5 تتوافق مع أطوال الأضلاع والقطر في المستطيل. وكانوا يعرفون أيضًا أن هذه الأرقام تفي بالعلاقة الأساسية 3² + 4² = 5² التي تضمن أن الأضلاع متعامدة.

فعل البابليون كل هذا بدون استخدام المفاهيم الجبرية الحديثة. سنعبر عن نسخة أكثر عمومية لذات الفكرة باستخدام نظرية فيثاغورس: أي مثلث قائم الزاوية له أضلع بطول أ و ب والوتر ج يحقق أ² + ب² = ج².

أهمل البابليون المتغيرات الجبرية والنظريات والبديهيات والبراهين ليس لأنهم كانوا جهلة بل لأن هذه الأفكار لم تتطور بعد. باختصار، بدأت هذه البُنى الاجتماعية بعد أكثر من 1000 عام، في اليونان القديمة.

استخدم البابليون الرياضيات بنجاح وبصورٍة مثمرة، وحلوا المشاكل دون اعتماد أي من المفاهيم الحديثة نسبيًا.

لم كان كل ذلك؟

تتسائل غرايسي أيضًا عن كيفية توصل فيثاغورس إلى نظريته. الجواب المختصر هو: لم يحصل ذلك.

ربما سمع فيثاغورس من ساموس (نحو 570-495 قبل الميلاد) عن الفكرة التي نربطها الآن باسمه في أثناء وجوده في مصر. ربما كان هو الشخص الذي قدمها إلى اليونان، لكننا لا نعرف حقًا.

لم يستخدم فيثاغورس نظريته لأي شيء عملي. حيث كان مهتمًا في المقام الأول بعلم الأعداد وتصوف الأرقام، بدلاً من الرياضيات وتطبيقاتها.

ومن ناحية أخرى، ربما استخدم البابليون معرفتهم بالمثلثات القائمة لأغراض أكثر واقعية، على الرغم من أننا لا نعرف حقًا. ولدينا أدلة من الهند وروما القديمة تُظهر استخدام الأبعاد 3-4-5 كطريقة بسيطة ولكنها فعالة لإنشاء زوايا قائمة في بناء المذابح الدينية والمِساحة.

بغياب الأدوات الحديثة، كيف تجعل الزوايا القائمة قائمة تمامًا؟ تعطي النصوص الدينية الهندوسية القديمة إرشادات لعمل مذبح نار مستطيل باستخدام التكوين 3-4-5 مع جوانب بطول 3 و4 وطول مائل 5. تضمن هذه القياسات أن للمذبح زوايا قائمة في كل ركن.

أسئلة كبيرة

في القرن التاسع عشر، قال عالم الرياضيات الألماني ليوبولد كرونيكر: «الله صنع الأعداد الصحيحة، وكل ما عدا ذلك هو عمل الإنسان».

أتفق مع هذا الرأي، في الأقل بالنسبة للأعداد الصحيحة الموجبة -الأعداد الصحيحة التي نستخدمها للعد- لأن البابليين لم يؤمنوا بالأرقام الصفرية أو السالبة.

كانت الرياضيات حاضرًة منذ وقت طويلٌ جدًا، حتى ما قبل اليونان القديمة وفيثاغورس.

هل هذا حقيقي؟ تتفق معظم الثقافات عن بعض الأساسيات، مثل الأعداد الصحيحة الموجبة والمثلث القائم 3-4-5. تقريبًا، كل شيء آخر في الرياضيات يحدده المجتمع الذي تعيش فيه.

المصادر: 1