تزايد الآثار الضارة للمواد الكيميائية المنزلية

يعمل العلماء على جمع قائمة متزايدة عن مواد كيميائية اصطناعية تعرف بمسببات اضطرابات الغدد الصماء، والتي أصبحت بالتدريج منتشرة في المياه، والهواء، والطعام والدم، ولها ارتباط بالعديد من المشاكل الصحية. وحتى في الجرعات الصغيرة هناك سبب للشك في أن هذه المواد الكيميائية، التي تأخذ وقتًا طويلًا للتحلل في البيئة، يمكن أن يكون لها عواقب وخيمة على صحتنا.

هذه الكيميائيات تخربط عمل الغدد التي تفرز الهرمونات وتخزنها، فتؤثر على مختلف أجزاء أجسامنا وأدمغتنا، وبعضها يستخدم في الطعام، والتغليف، ومستحضرات التجميل، والسلع المنزلية، والمنظفات، والأقمشة، والإلكترونيات، والمبيدات الحشرية.

في عام 2015 كلفت جمعية الغدد الصماء لجنة من الخبراء فحددت 15 مادة كيميائية مسببة لاضطراب الغدد الصماء (EDCs) مرتبطة بمشاكل الصحة (وليست مسببة لها، فذلك أمر يصعب تحديده). في 2017، أدرجت الأمم المتحدة قائمة بـ45 مادة كيميائية معروفة قادرة على التأثير على عمل الهرمونات. ونشر فريق من الباحثين في كلية الطب بجامعة نيويورك، وجامعة ديوك، وجامعة نيويورك، ومؤسسات أخرى -سلسلة مكونة من ورقتين بحثيتين عن المواد الكيميائية المسببة لاضطرابات الغدد الصماء في دورية The Lancet Diabetes & Endocrinology.

هَدَفَ الفريق إلى: “توسيع تقرير سابق عبر تحديد الارتباط المهم بين التعرض والنتيجة للمواد الكيميائية، خاصة فيما يتعلق بالمواد الكيميائية التي لم تكن هناك أبحاث واسعة عنها منذ عدة سنوات مضت، مثل مركبات البيرفلوروكيل وبولي فلورو ألكيل (PFAS)، وإثيرات ثنائي الفينيل متعدد البروم (PBDEs)”.

ويكشف تحليلهم الحديث للأبحاث الأولية عن أدلة قوية بشكل خاص فيما يتعلق بالربط بين السمنة، والسكري، ونقص الوزن عند الولادة، وانخفاض جودة السائل المنوي، ومتلازمة تكيس المبايض، وانتباذ بطانة الرحم، وسرطان الثدي. وكشف الفريق أيضًا أن العلاقة بين مواد PBDEs (المستعملة بشكل واسع كمثبطات للهب) والمشاكل الصحية ليست بقوة علاقة مواد PFAS، مع هذا فقد وجد المؤلفون أدلة على أن هذه المواد الكيميائية قد تؤثر على انخفاض جودة السائل المنوي، ومتلازمة تكيس المبايض، والسمنة عند الأطفال، وضعف تحمل الجلوكوز، وتقليل المسافة الشرجية عند الأولاد.

وهناك المزيد، إذ يقول المؤلفون إن أدلة أعظم تراكمت على أن التعرض قبل الولادة إلى مركبات ثنائي الفينول، ومبيدات الفوسفات العضوية، ومثبطات اللهب قد يكون مرتبطًا بالأمور المعرفية مثل اضطراب تشتت الانتباه، لكن لا يزال هناك حاجة للمزيد من الأبحاث مجددًا.

وحتى هذه اللحظة يجب ملاحظة أن معظم الأبحاث حول هذه المواد الكيميائية لا تزال في المهد وأجريت الكثير منها على نماذج حيوانية، بالرغم من أن التحليل الحالي يحتوي على دراسات أجريت على البشر. الكثير من النتائج كانت مختلطة، ففي حين أن هناك على سبيل المثال بعض الدراسات حول الانتباذ البطاني الرحمي وEDCs، لكن النتائج كانت متباينة، وتؤثر حالة مماثلة للدراسات التي أُجريت على الحيوانات المنوية ويصعب تحديد الأسباب المباشرة. ومع ذلك، فإن قلق علماء الغدد الصماء حول هذه المواد الكيميائية تزايد منذ عقود، والأبحاث في طور اللحاق بالركب.

وكتب الفريق: “عند مراجعتنا لمئات الدراسات المنشورة، أكدنا على العديد من التحديات في الكشف عن العلاقات المعقدة بين التعرض للمواد الكيميائية المسببة للأمراض في الغدد الصماء، والمرض والإعاقة طوال العمر”. والجدل في الوقت الحالي حول وجود الأدلة الكافية لاتخاذ الإجراءات الوقائية على الأقل إلى حين التأكد من أن هذه المواد الكيميائية آمنة. وكتب المؤلفون أيضًا: “بالرغم من الحاجة إلى التقييم المنهجي لاحتمالية قوة علاقات التعرض، إلا أن الأدلة السابقة تدعم اتخاذ إجراءات عاجلة لتقليل التعرض للمواد الكيميائية المكونة لمشاكل في الغدد الصماء”.

ويقول المؤلفون إن مراجعتهم تعزز الأدلة الخاصة بالمواد الكيميائية التي تعيق عمل الغدد الصماء المدرجة سابقًا. وفي نفس الوقت تفسح المجال للأدلة الخاصة بالمساهمين الجدد في القضايا الصحية، ونتيجة لذلك يتجادل الباحثون حول إمكانية أن يكون تأثير المواد الكيميائية على الغدد الصماء أحد أهداف التنمية المستمر لعام 2030 لمنظمة الأمم المتحدة.

وكانت وكالة الحماية الأمريكية (EPA) أول المحذرين من المخاطر الصحية للـ PFAS في عام 2001. ومنذ ذلك الوقت، وجدت هذه المواد الكيميائية في دماء جميع الأمريكيين تقريبًا. وبينما لوكالة الحماية الأمريكية حدود للأمان من هذه المواد الكيميائية، لكنها لا تفرض القواعد، ويعتقد بعض العلماء أن ذلك غير مهم.

ومن المهم عدم القفز إلى الاستنتاجات، خصوصًا وأن هناك بعض الرسائل السابقة التي تدعي أن مياه الصنبور لم تعد آمنة للشرب. ليست كل الادعاءات بأن المواد الكيميائية سيئة يمكن الوثوق بها، أو نحتاج إلى أخذها في الحسبان. والمناقشات العلمية حول التأثيرات الكامنة لبعض المركبات المحددة أصبحت قوية بشكل متزايد، والمعارضات يبدو أنها من مصادر لها مصالح خاصة في الصناعات التي تستخدم هذه المواد الكيميائية.

وكتب الفريق: “كانت السنوات الخمس الأخيرة من الأبحاث حول مخاطر المواد الكيميائية على الغدد الصماء تركز بشكل جدي على المخاطر الكبيرة المحسوسة في صحة الإنسان. وبالرغم من وجود إجراءات يتبعها الأفراد لتقليل تعرضهم للخطر، لكن الطريقة المحددة لإحداث فرق على المستوى السكاني يكون من خلال التنظيم”.

نشرت الورقة البحثية في دورية The Lancet Diabetes & Endocrinology

المصادر: 1