وجد العلماء تشابهًا مذهلاً بين صداقات الغوريلا والبشر

تمتلك الغوريلا التي تعيش في مجموعات كبيرة عدد أكبر من الأفراد للاختيار بينهم، لكن في دراسة حديثة أشارت إلى عدد أقصى من العلاقات الوثيقة لدى الغوريلا -كما البشر- (ما يعرف برقم دنبار).

حيث أدى الارتباط بين حجم الدماغ وحجم المجموعة إلى الفكرة الشهيرة القائلة بأنه بإمكان البشر الحفاظ على نحو 150 صداقة مستقرة فقط –وهذا مايعرف بأسم رقم دنبار Dunbar’s number، نسبةً لعالم النفس التطوري البريطاني روبن دنبار Robin Dunbar.

ومع ذلك، فإن زيادة حجم المجموعة لا يعني بالضرورة زيادة العلاقات قوةً أو تعيقدًا.

من خلال الرابط بين حجم الدماغ والوقت المتاح لبناء علاقات وثيقة كل يوم، يُعتقد أن الرئيسيات غير البشرية تستطيع الحفاظ على نحو 50 علاقة مستقرة، لكن وفي دراسة جديدة على الغوريلا في راواندا وجدت أنه في مجموعة عادية من 12 إلى 20 فرد، لا تزداد العلاقات الاجتماعية تعقيدًا.

في حين أن العلماء ليسوا متأكدين من سبب وجود هذا النمط، إلا أنهم يرجحون السبب إلى الوقت والجهد الذي تستغرقه الرئيسيات للحفاظ على دائرة اجتماعية قوية.

يقول عالم الأنثروبولوجيا روبن موريسون Robin Morrison: «تقترح دراستنا أن التنوع الاجتماعي يقل في المجموعات الكبيرة، حيث يجب على الغوريلا الحفاظ على عدد أكبر من العلاقات- التي تقع غالبيتها في منطقة العلاقات الضعيفة».

غالبًا ما كان يفترض أنه كلما كبرت المجموعة كلما أصبحت الحياة الاجتماعية للحيوانات أكثر تنوعًا وتعقيدًا. فوفقًا لفرضية دنبر الاجتماعية، فهذا هو السبب الحقيقي لامتلاك الرئيسيات أدمغة أكبر- فتأريخيًا قد احتجنا لمهارات عقلية لتطوير والحفاظ على نمو الدائرة الاجتماعية.

لكن الرابط بين حجم المجموعة وتعقيداتها الاجتماعية قد لا يكون واضحًا للغاية.

بالاعتماد على بينات تم جمعها خلال عشرات السنين من 13 مجموعة من الغوريلا تضم أكثر من 150 فرد، تتبع الباحثون مقدار الوقت الذي تمضيه الغوريلا في الحركة والأكل والتعشيش مع بعضها البعض.

أوضح موريسون: «في العديد من الرئيسيات يتم قياس التفاعلات الاجتماعية بكمية الوقت الذي يمضيه الأفراد مع بعضهم البعض، بالرغم من ذلك، فالغوريلا تقضي وقتًا أقل مع بضعها مقارنة بالرئيسيات الأخرى. بدلًا من ذلك يتمحور مجتمع الغوريلا حول البحث عن الفرد الذي يجب أن يجلس بجانبه والذي يجب أن يبتعد عنه».

يعرف هذا بأسم «بيانات القرب» proximity data، وبعد جمعها لعدة سنين وجد الباحثون أن حجم المجموعة لا يرتبط بالضرورة بتنوع العلاقات الاجتماعية.

ليعلل الباحثون اختصارًا: «قياس التعقيد الاجتماعي على مستوى المجموعة قد لا يمثل التعقيد الاجتماعي لدى أفراد هذه المجموعة».

مما يعني أن لدى الغوريلا –مماثلًا للإنسان- عدد محدود من العلاقات الوثيقة التي يتمكن من الحفاظ عليها، مع روابط ضعيفة مع البقية. ماهو أكبر من ذلك، فتمامًا مثل جنسنا البشري بعض الغوريلا تمتلك مهارات تواصل أفضل من غيرها.

كما تقول عالمة الأحياء لورين برنت Lauren Brent التي درست التطور الاجتماعي في جامعة إكستر University of Exeter: «لم تكن المجموعات الكبيرة ذات تنوع اجتماعي أكثر فحسب، لكن الأفراد الذين يعيشون في هذه المجموعات لديهم مستويات متغايرة من التعقيد الاجتماعي- فكان لبعض الغوريلا تنوعًا اجتماعيًا أكثر من الآخرين، وهذا دليل آخر على أنه سواء كنت إنسانًا أو غوريلا أو أي نوع آخر من الحيوانات الاجتماعية، فلا يرتبط الجميع بمستوى اجتماعي واحد».

تحافظ إناث وذكور الغوريلا على تنوع اجتماعي مشابه، لكن وما أن يكبروا في السن يبدأ الجنسين بالانفصال. ومن ناحية أخرى، فإناث الغوريلا تحافظ نسبيًا على علاقات متنوعة ومستقرة خلال حياتها، بينما يميل الذكور إلى قطع العلاقات مع أقرانهم في فترة المراهقة قبل العودة إلى دور اجتماعي أكبر لاحقًا في حياته.

فيما لو ركز الباحثون على حجم المجموعة لما تمكنا من العثور على هذه التعقيدات الخفية. في حين أن عدد الغوريلا في المجموعة يستطيع أن يعطينا عن عدد اللقائات التي تحدث في العادة، لكنه يبقى عاملًا صغيرًا في حياة الغوريلا الاجتماعية.

استنتج الباحثون: «إن الدراسات التي تعتمد على حجم المجموعة وحدها لقياس التعقيدات الاجتماعية قد تكون محدودة النطاق، خاصةً عندما يتعلق الأمر بفهم السلوك المعرفي للأفراد، وعلى العكس أيضًا، هذا يعني أن التنوع في العلاقات الاجتماعية وحدها قد لا يحدد التعقيد الاجتماعي بشكلٍ كامل».

إذا كنا نريد حقًا فهم النطاق التعقيدي للعلاقات الاجتماعية لدى الرئيسيات، فسنحتاج لاستخدام منهاج أكثر شمولًا. فمقارنة حجم الدماغ والمجموعة ليس كافيًا.

وفي النهاية تضيف تارا ستوينسكي، الرئيس والمدير التنفيذي لصندوق Dian Fossey Gorilla: «تعد مراقبة وحماية الغوريلا الجبلية المهددة بالانقراض على المدى الطويل أمرًا بالغ الأهمية، ليس فقط للحفاظ عليها لكن لما يمكننا تعلمه من هذه الأنواع الذكية -ذات الطابع الاجتماعي- حول كيفية تطور السلوكيات الاجتماعية المعقدة كالتي لدى جنسنا».

المصادر: 1