Credit: M. Motta et al./Physical Review X 2020

خواص مفاجئة للسلاسل اللانهائية لذرات الهيدروجين

إن السلاسل اللانهائية من ذرات الهيدروجين من أبسط كتل المواد التي يمكن تخيلها. فهي عبارة عن صف واحد لا ينتهي من البروتونات المحاطة بالإلكترونات. لكن مع ذلك وجدت دراسة حاسوبية جديدة قامت بجمع أربعة أساليب حديثة ان هذه المادة المتواضعة تتميز بخواص كمية رائعة ومدهشة.

وعن طريق حساب الآثار الجانبية الحاصلة عند تغيير المسافة بين الذرات، وجد فريق دولي من الباحثين من معهد فلاتيرون ومشروع مؤسسة سيمونز التعاوني لمشاكل الإلكترونات الكثيرة أن خواص السلاسل الهيدروجينية قد تتغير بطرق عنيفة وغير متوقعة.

وهذه التغييرات تشمل تحول هذه السلسلة من عازل مغناطيسي إلى معدن حسب ما صرح به الباحثون في مجلة physical review x في 14 من أيلول/سبتمبر.

تمثل الطرق الحسابية المستعملة في هذه الدراسة خطوة هامة نحو تصميم مواد بخواص مرغوبة ومحددة، مثل قدرة توصيل فائقة في درجات الحرارة المرتفعة التي تسري فيها الإلكترونات بحرية بين المواد من دون حصول خسارة للطاقة، هذا ما صرح به مؤلف الدراسة شيوي زانغ.

زانغ هو باحث علمي متخصص في مركز الدراسات الحسابية للفيزياء الكمية (CCQ) في معهد فلاتيرون المنتمي الى مؤسسة سيمونز في مدينة نيويورك.

يقول زانغ: «إن الهدف الرئيسي للدراسة كان لوضع أدواتنا في مواقف واقعية. كنتيجة جانبية، اكتشفنا كل هذه الفيزياء المثيرة للاهتمام حول سلاسل الهيدروجين. لم نكن نعتقد في البداية أنها تمتلك كل هذه الأهمية».

شارك زانغ الذي يعمل أيضا كبروفيسور في الفيزياء في جامعة ويليام وماري، في قيادة البحث مع ماريو موتا من قسم الحواسيب الكمية في شركة IBM.

خدم موتا كمؤلف رئيسي للبحث بجانب كل من كلاوديو جينوفيزي من المدرسة الدولية للدراسات المتقدمة (SISSA) في إيطاليا، فينجي ما من جامعة بيجين للمعلمين، زي هاو كو من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، و راندي ساوايا من جامعة كاليفورنيا في ايرفاين.

ومن المؤلفين الإضافيين مدير مركز الدراسات الحسابية للفيزياء الكمية أندرو ميليس، هاو شي، وهو زميل باحث في مركز الدراسات الحسابية للفيزياء الكمية في مؤسسة فلاترون، ومايلز ستاودنماير الباحث العلمي في مركز الدراسات الحسابية للفيزياء الكمية.

وضح زانغ أن القائمة الطويلة من المؤلفين الذين اشتركوا في كتابة هذا البحث، الذي مجموعهم 17 مؤلف، غير شائعة في هذا الحقل. فعادة يتم تطوير هذه الاساليب ضمن مجموعات بحث فردية .

هذه الدراسة الجديدة جمعت العديد من الأساليب ومجموعات البحث سوية لتوحيد قواهم ومواجهة هذه المشكلة الشائكة.

أضاف زانغ: «أن الخطوة التالية في هذا المجال هي التقدم نحو المزيد من المشاكل الواقعية، وليس هناك نقص في عدد هذه المشاكل المتطلبة للتعاون».

بينما بإمكان الأساليب شرح خصائص بعض المواد، إلا أن مواد أخرى مثل سلاسل الهيدروجين اللانهائية، تمثل عقبة حسابية أكبر. وذلك بسبب تأثر سلوك الإلكترونات بحدة في تلك المواد لتفاعلها مع الإلكترونات الأخرى.

فعندما تتفاعل الإلكترونات مع بعضها، تتشابك ميكانيكا الكم الخاصة بهما سوية. وبعد تشابكهما، فلا يمكننا التعامل مع أي إلكترون منهما على انفراد، حتى إذا انفصلا فيزيائيًا.

العدد الهائل من الإلكترونات في كتلة من المادة 100 مليار تريليون لكل غرام تقريبًا، يدل على أن الأساليب التقليدية المعتمدة على القوة الشديدة لا تقترب من حتى من تزويدنا بحل. فهذا العدد من الإلكترونات ضخم لدرجة أنه يعتبر بدون نهاية على المقاييس الكمية.

لكن من حسن حظنا، قيام عدد من الفيزيائيين الكميين بتطوير أساليب ذكية لحل هذه المشكلة المتعلقة بعدد الإلكترونات.

هذه الدراسة الجديدة قامت بجمع أربعة من هذه الطرق وهم:

  1. طريقة مونتي كارلو المتغيرة.
  2. طريقة مونتي كارلو للانتشار الشبكي المنتظم.
  3. طريقة مونتي كارلو للحقل الشبكي المساعد.
  4. طريقة مجموعة إعادة تطبيع مصفوفة الكثافة القياسية و المشرحة.

كل واحدة من هذه الطرائق الحديثة لديها نقاط قوة وضعف. ولكن استعمالهم بشكل متوازٍ ومنسجم بوسعه ان يزودنا بصورة أوضح، حسب ما صرح به زانغ.

قام عدد من الباحثين ومن ضمنهم مؤلفي هذه الدراسة الجديدة، باستعمال هذه الطرق سابقا في عام 2017 لحساب مقدار الطاقة التي تمتلكها كل ذرة في سلسة الهيدروجين نتيجة للفراغ في السلسة.

هذا التقدير المعروف بمعادلة الحالة، لا يزودنا بصورة كاملة حول خواص السلسلة. ولكن عن طريق تحسين اساليبهم استطاع الباحثون تحقيق ذلك.

فعند الفراغات الكبيرة، وجد الباحثون أن الإلكترونات تبقى مقيدة ببروتوناتها الخاصة بها. وحتى عند مسافات كبيرة، تعرف الإلكترونات إحداها الأخرى وتبقى متشابكة. وذلك لعدم استطاعة الإلكترونات التنقل من ذرة الى أخرى بنفس السهولة، فالسلسلة تتصرف كعازل كهربائي.

ومع اقتراب الذرات من بعضها، تحاول الإلكترونات تشكيل جزيئات من ذرتي هيدروجين لكل جزيئة.

ولثبات البروتونات في أماكنها، فلا تستطيع هذه الجزيئات أن تتشكل. فتقوم الإلكترونات بدلا من ذلك بالتلويح لإحداها الأخرى، حسبما قام زانغ بوصفها.

سوف تقوم الإلكترونات بالميلان نحو ذرة مجاورة لها. وفي هذه الحالة، إذا وجدت إلكترونًا يميل نحو أحد جيرانه، فستلاحظ أن الإلكترون المجاور يستجيب له. وهذا النمط من الانجذاب بين زوجين من الإلكترونات سيستمر في كلا الاتجاهين.

عند تحريك ذرات الهيدروجين بشكل أقرب لبعضهما الآخر، اكتشف الباحثون أن سلسلة الهيدروجين ستتحول من كونها عازل إلى معدن تتمكن فيه الإلكترونات من الحركة بحرية بين الذرات.

وطبقًا لنموذج بسيط من الذرات المتفاعلة يعرف باسم «نموذج هوبارد أحادي الأبعاد» فلا يجب أن يحدث هذا الانتقال، فمن المفترض أن تتنافر الإلكترونات مع بعضها بمقدار كافٍ لمنع حركتها.

في ستينيات القرن الماضي، تنبأ الفيزيائي البريطاني نيفيل موت بوجود تحول من عازل إلى معدن بناء على ميكانيكا تتضمن ما يدعى بالاكسيتونز، وكل واحد منها يتكون من إلكترون يحاول التحرر من ذرته والفجوة التي يتركها بعد تحرره.

اقترح موت وجود تحولًا مفاجئًا سببه انقسام هذه الإكسيتونز، وهذا شيء لم تره الدراسة الجديدة لسلسلة الهيدروجين.

بدلًا من ذلك، قام الباحثون باكتشاف تحول عازل إلى معدن أكثر دقة. فعند اقتراب الذرات من بعضها، تتعرض الإلكترونات للخلع بشكل تدريجي من المركز الداخلي المرتبط بإحكام حول صف البروتونات إلى أن يصبح بخارًا رفيعًا متصلًا بشكل ضعيف للصف ويُظهر هذا البخار بنى مغناطيسية مثيرة للاهتمام.

يقول زانغ ان سلسلة الهيدروجين اللانهائية سوف تصبح معيارًا رئيسًا في المستقبل عند تطوير الأساليب الحسابية، وسيكون بوسع العلماء أن يشكلوا السلسلة باستعمال أساليبهم الخاصة للتأكد من دقة وكفاءة نتائجهم مقارنة بهذه الدراسة الجديدة.

هذا البحث الجديد يمثل قفزة نوعية في السعي نحو استعمال الأساليب الحسابية لتشكيل مواد واقعية، حسب قول الباحثين .

في ستينيات القرن الماضي، اقترح الفيزيائي البريطاني نيل اشكروفت أن الهيدروجين المعدني، على سبيل المثال، قد يصلح استخدامه كموصل فائق عند درجات الحرارة المرتفعة، بينما لا توجد السلسلة الهيدروجينية ذات البعد الواحد في الطبيعة، لأنها ستتهاوى إلى بنية ثلاثية الأبعاد، يقول الباحثون أن الدروس التي تعلموها تشكل خطوة هامة في السعي نحو تطوير الأساليب والمعرفة الفيزيائية المطلوبة لعرقلة المزيد من المواد الواقعية.

المصادر: 1