اكتشاف علامات محتملة لوجود حياة فضائية على كوكب الزهرة

رصد الباحثون غاز الفوسفين، وهو غاز نادر وسام، في الغلاف الجوي المجاور لكوكبنا، مشيرًا بذلك إلى احتمالية كونه موطنًا لكائنات فضائية.

حصل هذا الاكتشاف ليس بسبب المراقبة المباشرة للحياة على كوكب آخر، ولكن لا يمكن تفسير وجود هذه الكمية الهائلة لغاز الفوسفين على كوكب الزهرة بأي عملية معروفة، مما يقود الباحثين إلى اقتراح وجود إشارات لوجود حياة فضائية في نظامنا الشمسي.

يُعتبر غاز الفوسفين على كوكب الأرض أحد الغازات كريهة الرائحة، حيث تشبه رائحته السمك العفن، ويتواجد حول برك الوحل و وروث البطاريق حيث تفرزه الكائنات اللاهوائية كالبكتيريا والميكروبات أو يُصنع في المخابر.

ولذلك، تم ذكره على أنه بصمة حيوية ممتازة أو مؤشر للحياة. وأشار الخبراء في الماضي إلى أن اكتشاف غاز الفوسفين بكميات كبيرة في الكواكب الصخرية هو مؤشر لوجود حياة فضائية، والآن وجِدَ في كوكب الزهرة.

إنَّ سطح كوكب الزهرة حار حامضي، وبالتالي فإن ظروفه المناخية تجعل وجود أي شكل من أشكال الحياة على سطحه صعبة. ولكن يُعتقد بأن البيئة في السطوح العليا للغيوم، حوالي 35 ميل للأعلى، صالحة أكثر للحياة حيث الظروف المناخية معتدلة أكثر.

هناك حيث يُعتقد أن الغاز متواجد. هذه السحب حمضية جدًا لدرجة أنها ستبدد أي وجود لغاز الفوسفين بسرعة، لذا لا يمكن تفسير وجود هذا المقدار الغاز بطريقة أخرى سوى وجود شيء ما نشط ليُشكله.

أبلغ فريق من الباحثين الدوليين بقيادة جاين غرييفس Jane Greaves من جامعة كارديف Cardiff University عن هذه الاكتشافات في مقالة سميت: غاز الفوسفين على سطوح سحب كوكب الزهرة، نُشرت في نايشر استرونومي توداي Nature Astronomy today.

يحذرون من عدم وجود طريقة للتأكد مما تعنيه هذه الاكتشافات على وجه الدقة، مختتمين المقالة باكتشاف «هذا ليس دليل قوي لوجود حياة، فقط كيمياء شاذة وغير مبررة»، والحاجة للمزيد من الدراسات للتأكد. لكنهم استبعدوا كل التفسيرات الأخرى معتمدين على ما نعرفه عن الزهرة.

قالت إميلي درابيك ماوندر Emily Drabek-Maunder، عالمة الفيزياء الفلكية من المرصد الملكي غرينتش ومؤلفة المقالة: «إما أن غاز الفوسفين نتج عن بعض العمليات الكيميائية أو الجيولوجية التي لا أحد يعلم عنها أو من الممكن أن يكون هناك سبب حيوي. دراستنا ليست جازمة بوجود دليل للحياة ومع ذلك، إيجادنا لهذا الغاز النادر في الطبقات العليا للغلاف الجوي لكوكب الزهرة أمر مثير بذاته. لا يستطيع فريقنا شرح سبب كمية غاز الفوسفين الذي وجدناها من خلال فهمنا الحالي للكوكب، عندما نحاول محاكاة ما يحدث في الغلاف الجوي النشاط البركاني، ضوء الشمس، وحتى البرق لا شيء يعيد تكوين نفس الكمية من غاز الفوسفين الذي رأيناها».

شرح ديفيد كليمينتس David Clements عالم في كلية Imperial College London في لندن ومؤلف في هذه المقالة الاكتشافات من ناحية الغموض، قائلًا: «هذا مثل ليس مسدس دخاني، وليست حتى بقايا طلقات نارية على يدي المشتبه به الرئيسي. ولكن هناك رائحة بارود واضحة في الغرفة. وتعد هذه الخطوة الأولى لاحتمالية اكتشاف أي شكل من أشكال الحياة على الطبقة العليا للغلاف الجوي لكوكب الزهرة، فبالطبع هناك العديد من الخطوات التي يجب اتخاذها قبل الاعتراف بوجود الحياة على كوكب الزهرة».

ووصف الخبراء الغير مشاركين في هذا البحث أن النتائج «مثيرة حقًا»، مشيرين إلى أن النتائج لا تظهر أكثر من عمليات غير عادية تحدث على كوكب الزهرة. الكوكب حمضي وحار بما يكفي ليصهر رصاصًا لم يكن ضمن الكواكب النظام الشمسي الرئيسية التي راقبها الباحثين لوجود حياة عليها.

أخبر لويس دارتييل Lewis Dartnell، عالم كواكب في جامعة ويستمنستر University of Westminster، الذي لم يشارك في الدراسة صحيفة إندبيندينت: «هذه ستكون بالتأكيد بيئة جهنمية للغاية. وأنا لا أستخدم هذه العبارة باستخفاف، إنَّه حار، وحامضي للغاية».

ويقول: «لا أظن أن أيًا من علماء الكواكب، وأنا من ضمنهم، كنا لنضع الزهرة على رأس القائمة»، مشيرًا بذلك مرشح أفضل مثل يوروبا، القمر الثلجي الذي يدور حول المشتري والمريخ. «فأنت بالتأكيد لن تذهب للكوكب المجاور في الجهة المقابلة».

حصل الاكتشاف عن طريق الصدفة عندما قام الباحثون بإجراء اختبار عن قابلية إيجاد غاز الفوسفين على كوكب الزهرة كطريقة لتأسيس خط أساسي تقني. ويقول دكتور كليمنتس: «لم نكن نتوقع وجود أي شيء».

ولكن عمليات الرصد وبشكل غير متوقع اظهرت وجود كمية يمكن كشفها من الفوسفين والغيوم فوق كوكب الزهرة.

«لقد تحولت من ‘لنجرب هذا إنها مسألة مثيرة للاهتمام، حيث يمكننا وضع معايير لما يجب علينا فعله’ إلى’ يا إلهي، لقد وجدناها، وما الذي يعنيه هذا؟».

استخدم تليسكوب جايمس كليرك ماكسويل James Clerk Maxwell Telescope في الولايات المتحدة ثم تليسكوب ألما Alma telescope في تشيلي أكبر تليسكوب في العالم، للقيام ببحث آخر لتأكيد أنّه يمكن رؤية غاز الفوسفين على الغلاف الجوي كوكب الزهرة حيث رُصدت بصمة غريبة في البيانات والتي أشارت إلى أن 20 جزء من المليار من السحب على كوكب الزهرة تتكون من الفوسفين.

وتقول جاين غريفي من جامعة كارديف، وقائدة هذه الدراسة: «هذه التجربة هي نتيجة خالصة للفضول، فبالاستفادة من التقنية المتطورة لتليسكوب جايمس كليرك ماكسويل، والتفكير في الأدوات المستقبلية، ظننا أننا سنكون قادرين على استبعاد السيناريوهات المتطرفة، مثل أن الغيوم ستكون محشوة بالكائنات الحية. لقد كانت صدمة عندما وجدنا تلميح لوجود الفوسفين في طيف كوكب الزهرة».

وصفت هيلين فريسر Helen Fraser، باحثة في علم الفضاء في جامعة مفتوحة Open University، الفريق في تلك اللحظة بأنهم «متحمسون جدًا». فهي إشارة محتملة لوجود حياة. ولكن العالِمة التي في داخلي كانت حذرة جدًا. إن ما وجدناه هو الفوسفين، وهذا ليس إشارة حاسمة لوجود حياة لمخلوقات فضائية. وبعد استبعاد كافة النتائج البديلة الممكنة، والتي وصفتها دكتور فريسر كعملية طويلة للتشاور بالبحث الحالي للوصول إذا ما كان هناك أي شيء آخر يمكنه إنتاج هذه الكمية من الفوسفين، توصلنا إلى تفسير بسيط ألا وهو وجود شكل من أشكال الحياة الذي ينتج هذا الغاز. أتى هذا التقدم بعد نشر دراسة السنة الماضية تشير إلى أن الفوسفين هو إشارة أكيدة لإمكانية وجود حياة هناك. ذُكِر في بحث لمعهد ماساتشوستس أّنه لو وجِد الفوسفين في كوكب صخري لكان إشارة أكيدة لوجود حياة هناك.

وقالت كلارا سوزا سيلفا Clara Sousa-Silva، عالمة الأبحاث في قسم علوم الأرض والغلاف الجوي والكواكب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والتي كانت المؤلفة الرئيسية لتلك الدراسة وكانت جزءًا من الفريق المكتشِف: «هنا على الأرض الأوكسجين هو الدليل على الحياة، ولكن الأشياء أخرى إضافة إلى الحياة تنتج الأوكسجين أيضًا. من المهم الأخذ بعين الاعتبار أن تتكون جزيئات غريبة كالمعتاد، ولكن إذا وجِدت هذه الجزئيات على كوكب آخر، فسيكون هناك تفسير وحيد».

يأمل العلماء الآن القيام بالمزيد من التجارب لفهم أفضل للعمليات التي تحدث على كوكب الزهرة وإذا ما كان يوجد تفسير آخر لوجود غاز الفوسفين غير وجود حياة فضائية.

والتي تتضمن مراقبة كوكب الزهرة عبر الزمن ومعرفة ما إذا كانت كمية الفوسفين تتغير خلال السنة. ويمكن للعلماء حينها إيجاد فترات التغير والذروة بمرور الوقت، والتي يمكن أن توفر فكرة أوضح عن مصدر غاز الفوسفين.

ولكن أهم خطوة هي إرسال مركبة فضائية إلى كوكب الزهرة لدراسة الغلاف الجوي من خلال تحليقها حول الغيوم التي يُعتقد أنها تحتوي على حياة ودراسة ما يوجد هناك. ويقول دكتور درابيك موندر Drabek-Maunder: «إذا أردنا تأكيد وجود حياة على الزهرة فيجب علينا إرسال مركبة فضائية لدراسة الغلاف الجوي بدقة».

يقول دكتور كليمنتس: «الحل الأفضل هو إرسال مهمة فضائية لإحضار بعض من الغلاف الجوي لدراسته على الأرض. بافتراض وجود حياة هناك، يمكننا تطبيق جميع التجارب في المختبر من لفهم أعمق لما يحصل, وبالدراسة الفعلية للكيمياء الحيوية يمكننا معرفة كيف يمكن لأي شكل من أشكال الحياة أن تتواجد».

يتوقع العلماء أن أي حياة على كوكب الزهرة من الممكن أن تكون وحيدة الخلايا مثل البكتيريا التي تعيش في القطرات السائلة التي تشكل السحب التي تحوم حول الكوكب. تتكون قطرات السائلة من حمض كبريتي بنسبة 90% تقريبًا، وهي حمضية أكثر بمليار مرة من أكثر الأماكن حموضة على سطح الأرض، وبذلك فمن المحتمل وجود اختلاف جوهري عمّا يوجد على كوكبنا.

لكن سوف يحاول العلماء الكشف أيضًا عن العمليات الأساسية التي تسمح للحياة بالازدهار والتكاثر، والتي ستجيبنا عن أعمق الأسئلة عن الحياة نفسها.

ويقول بروفيسور دارتنيل: «الخطوة التالية بعد تأكيدنا لوجود حياة هناك هي التحقق ما إذا كان ذلك مرتبط بنا، هل لديهم حمض نووي أو بروتينات كما لدينا، أم هم غرباء تمامًا؟».

إذا كان الجواب الثاني، إذًا فهناك مصدر آخر مستقل للحياة، والذي لم ينقل من كوكبنا إلى الزهرة. يقول برفيسور دارتنيل: «كانت الكواكب في بدايات تشكل النظام الشمسي «تعطس بفعالية» على بعضها البعض، بطريقة يمكن أن تنقل الحياة فيها بين عوالم مختلفة».

إذا حدث الأمران بشكل منفصل، فقد يشير ذلك أن الحياة انتشرت عبر الكون. وبما أن الأمر حصل في الكوكب المجاور فمن الممكن أنّ الشيء نفسه حصل في مكان آخر وأكثر بعدًا في الكون.

قال الدكتور درابيك موندر: «إذا تشكلت حياة بشكل مستقل على كوكب الزهرة، فمن المحتمل أن الحياة هو أكثر شيوعًا مما كنا نعتقد».

المصادر: 1