محاضرات فاينمان: علاقة الفيزياء بالعلوم الأخرى (م3 ج2)

الجزء الأول من المحاضرة

علم الأحياء (البيولوجيا)

يختص علم الأحياء بدراسة الكائنات الحية. كان على العلماء في مهد البيولوجيا التعامل مع مشكلة وصفية هي معرفة ما هي الكائنات الحية، وهكذا اقتصر عملهم على حساب عدد الشعيرات في أطراف البراغيث. وبعد أن عولجت هذه القضايا باهتمام كبير، قصد علماء الأحياء الماكنة داخل أجسام الكائنات الحية لدراستها، التي كانت أول الأمر إجمالية بالطبع لصعوبة التوصل إلى التفاصيل الأدق.

لوحظ وجود علاقة مبكرة مثيرة بين الفيزياء والبيولوجيا، فقد ساعدت الأخيرة الفيزيائيين في اكتشاف مبدأ حفظ الطاقة؛ الذي برهنه مايار أولًا عن طريق ترابط الحرارة الداخلة والخارجة من الكائنات الحية.

إن دققنا النظر في عمليات الأحياء البيولوجية فسنرى ظواهر فيزيائية عدة، مثل ضغط الدم وضخه ودورانه وما شابه. ونلاحظ أيضًا الأعصاب، وأنوّه قبل الحديث عنها إلى معرفة الجميع بما يحدث حين ندوس على حجارة حادة، وكيف إن المعلومات تنتقل من الساق صعودًا بطريقة ما. من المثير كيف يجري ذلك. خلص البيولوجيون من دراستهم للأعصاب إلى إنها أنابيب رفيعة بجدار معقد ورقيق جدًا، تضخ الخلية الأيونات عبره، بحيث تكون الأيونات السالبة داخله والموجبة إلى الخارج منه؛ كما في مكثف كهربائي. ولننتقل إلى خاصية مثيرة في هذا الغشاء [الجدار] هي إن عند حدوث تفريغ كهربائي في مكان فيه، بمعنى إن استطاعت بعض الأيونات التحرك من مكان معين مسببةً انخفاض الجهد الكهربائي فيه، فإن التأثير الكهربائي سيطال الأيونات المجاورة فيؤثر على الغشاء بحيث يسمح بمرور الأيونات في النقاط المجاورة. وهذا التأثير يتمدد بحيث تكون هناك موجة «نفاذية» للغشاء تتحرك عبر الألياف عندما يثار أحد أطرافها بفعل الوطء على الحجارة الحادة. هذه الموجة تشبه سلسلة دومينو واقفة، من حيث إن دفع قطعة الدومينو في طرف السلسلة سيتسبب في سقوط القطع الباقية تواليًا. وهذه العملية بالطبع لا تنقل غير رسالة واحدة، ما لم ترص قطع الدومينو من جديد، وكذلك الأمر في الخلية العصبية. إنها تعيد تهيئة العصب لنقل النبضة التالية [الرسالة التالية] عبر عملية إعادة تحرير الأيونات إلى الخارج ببطء. ويتسنى لنا بهذه الطريقة معرفة ما نفعله أو على الأقل أين نحن. يجدر الذكر بإمكانية رصد هذا التأثير الكهربائي المرتبط بالنبضة العصبية بالمعدات الكهربائية. ولوجود هذه التأثيرات الكهربائية في البيولوجيا فقد كانت لفيزياء التأثيرات الكهربائية تأثير كبير في فهمنا هذه الظاهرة.

أما في الدماغ فيحدث العكس، إذ تُرسل الإشارة عكسيًا عبر العصب. ماذا يحدث في نهاية العصب؟ حسنًا، يتفرع العصب في نهايته إلى أشياء دقيقة صغيرة ترتبط ببنية قرب العضلة، تسمى الصفيحة الانتهائية endplate. وعلى الرغم من عدم الفهم الكامل للتالي إلا أن النهايات العصبية تحرر كميات صغيرة من جزيء كيميائي يسمى أستيل كولين عندما تصلها النبضات [السيال العصبي]، وتؤثر تلك الجزيئات -التي يتراوح عددها بين الخمسة إلى العشرة عند كل إطلاقة- في الألياف العضلية فتجعلها تتقلص، كم الأمر بسيط! لكن ما الذي يجعل العضلة تتقلص؟ العضلة هي عدد كبير من ألياف متقاربة تحتوي على مادتين هما الميوسين والأكتوسين، لكن الآلية التي يُعدَّل عبرها التفاعل الكيميائي الحاصل بفعل الأستيل كولين أبعاد العضلات غير معروفة إلى الآن. وبالتالي فإن العملية الأساسية في العضلات المسببة للحركة الميكانيكية غير معروفة.

تمنعنا ضخامة علم الأحياء من ذكر جميع مشاكله، مثل كيف تحدث الرؤية (ماذا يفعل النور في العين)، وكيف يعمل السمع وما شابه. لكن كل تلك الأشياء ليست أساسية للحياة من وجهة نظر البيولوجيا، بمعنى إن فِهمنا لها لا يعني فهمنا للحياة ذاتها. نوضح ذلك بذكر إن الرجل الذي يدرس الأعصاب يشعر إن عمله مهم جدًا لعدم خلو أي حيوان من الأعصاب، لكنك رغم ذلك تستطيع إيجاد حياة دون أعصاب. فالنباتات على سبيل المثال ليس لها أعصاب أو عضلات لكنها ما زالت تؤدي وظائفًا، بمعنى إنها كائنات حية. لذا يجب علينا النظر أعمق لدراسة معضلة البيولوجيا؛ ونكتشف حين نفعل ذلك إن جميع الكائنات الحية تشترك في صفات كثيرة جدًا. أكثرها شيوعًا تركيبها جميعًا من خلايا، تضم في داخلها آلية كيميائية معقدة لتنفيذ الأشياء. في الخلايا النباتية على سبيل المثال توجد آلية لالتقاط الضوء وإنتاج الغلوكوز، الذي يستهلك لاحقًا في الظلام للحفاظ على حياة النباتات. وحين يأكل الحيوان نباتًا فإن هذا الغلوكوز يُحفِّز فيه سلسلة من التفاعلات الكيميائية المشابهة كثيرًا للتمثيل الضوئي في النباتات وتأثيره المعاكس في الظلام.

توجد في خلايا الأنظمة الحية شتى التفاعلات الكيميائية المعقدة التي يتغير عبرها المركب إلى آخر ثم آخر. ولتصوّر كَمِّ الجهود العظيمة المبذولة في دراسة الكيمياء الحياتية؛ انظر إلى الشكل أدناه فهو يلخص معرفتنا الحالية عن تفاعل واحد فقط من سلاسل التفاعلات التي تحدث في الخلايا، بل ربما يلخص نسبة منه وحسب.

شكل 3-1: دورة كريبس (دورة حمض الستريك)

نرى في الشكل أعلاه سلسلة جزيئات تتحول بتعاقب أو دورة عوضًا عن خطوات صغيرة. تعرف تلك الدورة الهوائية بدورة كريبس. وعلى الرغم من أن كل التفاعلات الكيميائية والخطوات بسيطة من حيث التغيّر الذي حدث في الجزيء، إلا أن إنجاز هذه التغيّرات مختبريًا أمر صعب نسبيًا، وهذا اكتشاف عالي الأهمية في الكيمياء الحياتية. وإن امتلكنا مركبًا وآخر يشبهه كثيرًا، فإن الأول لا يتحول إلى الثاني ببساطة، لوجود حاجز طاقة بينهما أو «تل». وانظر إلى هذا التشبيه: إن أردنا نقل جسم من مكان في التل إلى مكان آخر بذات المستوى لكن في الجانب الآخر، فإننا نستطيع دفعه متجهين عبورًا القمة لكننا سنحتاج إلى طاقة لذلك بالطبع. كذلك الأمر بالنسبة للتفاعلات الكيميائية فأغلبها لا يحدث بسبب عرقلة «طاقة التنشيط». لغرض إضافة أي ذرة إلى التفاعل فنحن نحتاج إلى تقريبها بحيث يمكن حدوث بعض إعادة الترتيب فترتبط. لكن إن لم نستطع إعطائها الطاقة المناسبة لتقريبها كفايةً فإن العملية لن تكتمل، فكأنها ترتفع عبر التل جزئيا ثم تعاود السقوط. على أي حال، إن استطعنا امساك الذرات بكفنا حرفيًا ودَفعنا الذرات وسحبناها بحيث نفتح ثغرة تدخل عبرها الذرة الجديدة ثم أغلقناها فإننا نكون قد اكتشفنا طريقة للالتفاف حول التل دون الحاجة إلى طاقة إضافية، فيحدث التفاعل بسلاسة. وهذا ليس خيالًا محضًا لأن الخلايا تحتوي على جزيئات كبيرة جدًا (أكبر من تلك التي كنا نصف تغيّرها بكثير) تمسك الجزيئات الأصغر بطريقة معقدة، وبفضلها يجري التفاعل بسلاسة. هذه الجزيئات الكبيرة كانت تسمى فيرمنتس لأنها اكتشفت أول مرة -برفقة الكثير من التفاعلات في الدورة أعلاه- في عملية تخمر السكر fermentation of sugar لكنها اليوم تعرف بالإنزيمات التي يُسهِّل وجودها حدوث التفاعل.

الإنزيمات كبيرة جدًا ومعقدة، وكل منها مختلفٌ مصنوعٌ ليسيطر على تفاعل محدد، لكنها جميعًا مخلَّقة من مواد أخرى تسمى بروتينات. علمًا أن تسميات الإنزيمات مذكورة في كل تفاعل في الرسم 3-1 (وقد يشترك الإنزيم الواحد في تفاعلين). ونؤكد على إن الإنزيم لا يشترك في التفاعل بذاته، بمعنى أنه لا يتغير، بل يسمح بحركة الذرات من مكان إلى آخر. إنه مثل آلة في مصنع؛ ينتقل بين الجزيئات مكررًا وظيفته باستمرار. ويجب أن يكون هناك توريد لذرات معينة وطريقة للتخلص من ذرات أخرى ليستمر بعمله. خذ الهيدروجين على سبيل المثال: هناك إنزيمات مزودة بوحدات خاصة تنقل الهيدروجين إلى جميع التفاعلات الكيميائية. فهناك أربع إنزيمات مسؤولة عن تقليل الهيدروجين وهي مستخدمة في مواضع مختلفة من دورتنا أعلاه. ومن المثير أن الآلية التي تحرر الهيدروجين في موضع ما، هي ذاتها التي تنقله وتستعمله في مكان آخر.

أهم خصيصة في دورة الرسم 3-1 هي عملية تحويل الـGDP إلى GTP (ثنائي فوسفات الغوانوزين إلى ثلاثي فوسفات الغوانوزين) لأن المركب الأخير فيه طاقة أكثر من المركب الداخل في التفاعل. ومثلما هناك «صناديق» في بعض الإنزيمات لنقل ذرات الهيدروجين فإن هناك «صناديق» أخرى خاصة بنقل الطاقة، من ضمنها مجموعة ثلاثي الفوسفات. إن للـGTP طاقة أكبر من تلك التي في الـGDP لذا فإن كانت الدورة تسلك اتجاهً واحدًا فإننا ننتج جزيئات عالية الطاقة يمكنها تسيير دورات أخرى تحتاج إلى الطاقة، مثل انقباض العضلات. فالعضلة لن تنقبض بغياب جزيء الـGTP. ولو وضعت ليفًا عضليًا في المياه وأضفت إليه جزيء GTP -بوجود الإنزيم المناسب- فإن الليف سيتقلص محولًا هذه الجزيئة إلىGDP . لذا فإن النظام الحقيقي هو في تفاعل تحول هاتين الجزيئتين؛ إذ تُستخدم جزيئة GTP المُدخرة من النهار لتشغيل الدورة بعملية عكسية في الظلام. والإنزيم -كما تلاحظ- لا يهتم باتجاه سير التفاعل، لإنه سينتهك أحد قوانين الفيزياء إن فعل.

لكن هناك سبب آخر أيضًا يجعل الفيزياء بالغة الأهمية بالنسبة للبيولوجيا والعلوم الأخرى ألا وهو التقنيات التجريبية. بل إن رسوم ومخططات الكيمياء الحياتية المرفقة ما كانت لتوجد لولا تطور الفيزياء التجريبية الكبير. هذا لأن أعظم أداة لتحليل هذا النظام شديد التعقيد هي وَسمُ كل ذرة تستخدم في التفاعل. فإن أضفنا إلى الدورة بعض ثاني أكسيد الكربون الموسوم «بعلامة خضراء» ثم رصدنا موضع العلامة الخضراء بعد ثلاث ثوان ثم بعد عشر ثوان وهكذا، فإننا سنقتفي أثر التفاعل. قد تسأل ما هي هذه «العلامات الخضراء»؟ فأجيبك إنها نظائر مختلفة. لنتذكر قبل التعمق أكثر إن الخصائص الكيميائية للذرات تُحدد بعدد الإلكترونات وليس بكتلة النواة. وبأخذ الكربون مثالًا: يمكن أن توجد برفقة البروتونات الستة التي في نواته ستة نيوترونات أو سبعة. ما يعني أن ذرتي الكربون C12 وC13 هما ذات العنصر، لكنهما يختلفان في الوزن والخصائص نووية وهكذا نستطيع تمييزهما [C12 هو عنصر كربون يحتوي على 6 بروتونات و6 نيوترونات في النواة، أما C13 فهو كربون ب6 بروتونات و7 نيوترونات، وهكذا. وهذه تسمى بالنظائر الكيميائية وهي مطابقة للعناصر الأصلية في الخواص الكيميائية أي تتصرف مثلها عند التفاعل لأن لديها ذات عدد الإلكترونات]. بالتالي نستطيع اقتفاء أثر التفاعل باستخدام تلك النظائر ذات الأوزان المختلفة، أو حتى النظائر المشعة مثل C14 التي توفر دقة أفضل في تتبع الكميات الأصغر.

عودة إلى الإنزيمات والبروتينات: ليست كل البروتينات إنزيمات والعكس غير صحيح، فالإنزيمات جميعها بروتينات. بعض البروتينات ليست إنزيمات، كتلك المتواجدة في العضلات، أو البروتينات الهيكلية كما في الغضاريف والشعر والجلد وغيرها. البروتينات مادة خاصة جدًا بالحياة: إنها تشكل جميع الإنزيمات علاوة على دخولها في تركيب الكثير من باقي مكونات الأحياء. ولها بنية مميزة وبسيطة، فهي سلاسل -أو حلقات- من أحماض أمينية مختلفة. هناك عشرون حمضًا أمينيًا جميعها يستطيع الترابط مع أقرانه ليشكل حلقات ترتكز على رابطة CO-NH.

البروتينات ليست أكثر من تراكيب مختلفة لتلك الأحماض الأمينية العشرين. كل حمض أميني يؤدي غرضًا مختلفًا: بعضها مثلًا فيه ذرة كبريت في مكان ما، وحين تجتمع ذرتا كبريت في بروتين ما فإنهما يشكلان رابطة، أي أنهما يربطان السلسلة في نقطة ما فيخلقان حلقة. وبعضها فيه ذرة أكسجين إضافية تجعل المادة حامضية، وبعضها لديه صفات قلوية. ولبعض الأحماض مجاميع كبيرة ترتبط بإحدى الجهات فتجعل الحمض يشغل مساحة كبيرة. وأحد الأحماض الأمينية المسمى برولين ليس حقًا حمضًا أمينيًا بل حمض إيميني. والفرق بينهما بسيط [حمض الأمين فيه مجموعة أمين بعكس الإيمين] ينتج عنه صنع البرولين عقفةً في السلسلة التي يشترك فيها.

إن أردنا تصنيع بروتين معين فسنأمر بهذه المحددات: ضع واحدة من خطافات الكبريت هنا، ثم أضف إليها شيئًا ليشغل بعض المساحة، وأرفق بهما شيئًا لخلق عقفة في السلسلة. وهكذا سننتج حلقة مترابطة غريبة الشكل فيها بعض البنى المعقدة؛ ويفترض أن جميع الإنزيمات تصنع بهذا الشكل.

أحد أكبر الإنجازات في السنين الحديثة [انتبه إلى أن عمر المحاضرة يزيد عن النصف قرن] كان في اكتشاف الترتيب المكاني الدقيق لذرات بعض البروتينات، والتي تتضمن بين الخمسين إلى الستين حمضًا أمينيًا في صف. لقد حُدِدَ موضع ألف ذرة في نسق معقد في بروتينين أحدهما الهيموغلوبين، بل هي أقرب إلى الألفين إن عددنا ذرات الهيدروجين. لكن أحد جوانب هذا الاكتشاف المحزنة هي عدم قدرتنا على رؤية شيء من خلال هذا النمط، فلا نفهم لماذا يعمل البروتين بالطريقة التي يعمل بها. وهذه بالطبع ستكون المشكلة التالية.

كيف تعرف الإنزيمات ماذا تصبح؟ حسنًا، كما تنتج الذبابة حمراء العين ذبابة مثلها، فإن معلومات نمط الإنزيمات الكلي عن كيفية صنع صبغة حمراء يجب أن يمرر من ذبابة إلى أخرى. وهذا لا يحدث بفعل بروتين بل بفعل مادة في نواة الخلية تسمى الدنا DNA (اختصار للحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين). وهذه تحمل المعلومات المتعلقة بكيفية تخليق الإنزيمات، وهي المادة الجوهرية التي توَّرث بين الخلايا بدليل إن معظم خلايا الحيوان المنوي تتكون من الدنا، إنه المخطط. إن تسأل كيف يبدو هذا المخطط؟ وكيف يعمل؟ فالجواب في إن المخطط يجب أن يستطيع إعادة إنتاج نفسه أولًا؛ وأن يستطيع توجيه البروتين ثانيًا وآخرًا. فيما يتعلق بإعادة الإنتاج فيمكننا التفكير في أن ذلك يحدث بذات الطريقة التي تتكاثر عبرها الخلايا: الخلايا تنمو ببساطة ثم تنقسم نصفين. قد تقول: والمثل ينطبق على جزيئات الدنا بحيث تنمو في الحجم ثم تنقسم بالتساوي؟ لا، إن الذرات حتمًا لا تنمو ثم تنقسم! ويستحيل إعادة إنتاج جزيئة دون طريقة أذكى.

شكل 3-2: مخطط توضيحي للدنا

دُرست بنية الدنا لفترة طويلة، كيميائيًا أولًا لتحديد مكوناتها وبالأشعة السينية ثانيًا لمعرفة نمطها. والنتيجة كانت الاكتشاف العظيم التالي: تتألف جزيئة الدنا من سلسلتين ملتفتين حول بعضهما. هاتان السلسلتان متناظرتان مع البروتينات شكليًا لكنهما مختلفتان جدًا كيميائيًا، والعمود الفقري لكل منهما يتمثل بسلسلة من السكر ومجاميع الفوسفات، كما موضح في الشكل 3-2. ولننتقل إلى كيف تحتوي السلسلة على توجيهات: إن شطرنا السلسلتين بالنصف فسنحصل على ترتيب BAADC… [راجع الشكل]، ويمكن لكل كائن حي أن يحتوي على ترتيب مختلف. وهكذا فلربما يحتوي هذا الترتيب المحدد في الدنا -بطريقة ما- على المعلومات المطلوبة لتخليق البروتينات.

هناك أزواج محددة من التشابك cross-links متصلة بجزيئات السكر على طول الخط، تربط السلسلتين ببعضهما. وهي ليست بنوع واحد بل هناك أربعة أنواع [تعرف بالقواعد النيتروجينية الأربعة المكونة للأحماض النووية] هي الأدينين والثايمين والسيتوسين والغوانين، لكن لنسميها A, B, C, D. المشوّق هنا [في سلسلتي الدنا بالطبع] أن أزواج محددة فقط تستطيع أن تقابل بعضها، مثلًا A يقابل B وC يقابل D. هذان الزوجان يوضعان في السلسلتين بحيث يتوافقان، وتكون بينهما طاقة جذب كبيرة. يجدر الذكر والتوكيد أيضًا على أن C لا يقابل A كما B لا يقابل D؛ إنها تتوافق بأزواج حصرية يتقابل فيها A مع B وC يقابل D. وهكذا إن وجد C فإن المقابل له سيكون D بالتأكيد [في سلسلتي الدنا]. وبغض النظر عن نوع الحرف الموجود في إحدى السلسلتين فإن ذلك الحرف له حرف متمم محدد في السلسلة المقابلة.

ماذا عن إعادة إنتاج الدنا؟ افترض أننا شطرنا السلسلة إلى نصفين، فكيف يمكننا خلق واحدة مثلها تمامًا؟ حسنًا، إن وجد في مواد الخلية قسم تصنيع يزوّدها بالفوسفات والسكر ووحدات A, B, C, D غير متصلة بسلسلة، فإن الوحدات الوحيدة التي ستتصل بسلسلتنا المشطورة ستكون الجزيئات المطابقة. فالوحدات المكملة لترتيب BAADC… هي ABBCD…. وهكذا فإن ما يحدث هو أن السلسلة تنشطر نصفيًا في أثناء انقسام الخلية، كل نصف يكون مع خلية. وتصنع كل نصف سلسلة عند الانفصال جزءًا مكملًا جديدًا [نصف سلسلة].

تاليًا يأتي سؤال: كيف بالضبط يحدد ترتيب وحدات A, B, C, D… ترتيب الأحماض الأمينية في البروتين؟ حسنًا، هذا هو السؤال الجوهري غير المحلول في بيولوجيا اليوم. لكن أجزاء المعلومة أو أولى مفاتيح اللغز هي التالي: توجد جسيمات صغيرة في الخلية تسمى ريبوسومات، ومن المعلوم إنها هي المصنع حيث تخلق البروتينات. لكنها ليست في النواة حيث يوجد الدنا وإرشاداته! يبدو أن هناك خطب ما. لكن من المعلوم أيضًا إن هناك جزيئات صغيرة تنفصل عن الدنا، وهي أجزاء صغيرة جدًا منه وليست جزيئة الدنا الكبيرة الحاوية على المعلومات بذاتها. هذه الجزيئة تسمى الرنا RNA [الحمض النووي الريبوزي] وهي ليست جزءًا أساسيًا، بل كأنها نسخة عن الدنا، أو قل نسخة مصغرة. من المعلوم إن هذا الرنا ينقل بطريقة ما رسالة إلى الريبوسوم يرشده فيها إلى نوع البروتين المطلوب تخليقه. وحين تصل إليه يخلق الريبوسوم البروتين، وهذا معلوم أيضًا. لكن في الجانب الآخر فإن تفاصيل كيف تدخل الأحماض الأمينية وترتب وفقًا للكود في الرنا ما تزال غير معلومة حتى اللحظة. ما زلنا لا نعلم كيف نقرأ الإرشادات، وحتى إن علمنا وجود ترتيب A, B, C, C, A على سبيل المثال فإننا لن نستطيع إخبارك أي بروتين سيخلق بالضبط.

أقول جازمًا ألا علم آخر ينافس علم الأحياء حاليًا في سرعة التطور. وإن كنا لنسمي أعظم افتراض يرشد الواحد باستمرار في محاولته فهم الحياة، فسيكون افتراض إن جميع الأشياء تتكون من ذرات، وإن جميع ما تفعله الأحياء يمكن فهمه باهتزاز الذرات وحركتها.

كيف أصبحت هكذا؟

لتكون الفيزياء مفيدة للعلوم الأخرى بطريقة نظرية، أي بطريقة غير اختراعها للمعدات. فإن العلم في السؤال المطروح على الفيزيائيين عن جسم ما، يجب أن يصف هذا الجسم بلغة الفيزياء. فإن سألوا فيزيائيًا «لماذا يقفز الضفدع؟» لن يستطيع الإجابة. لكن إن أخبروه عن ماهية الضفدع وكيف إن هناك جزيئات كثيرة وأعصاب وهلم جرا، فإن الموضوع سيختلف. وإن أخبرونا عن كيف هي الأرض أو النجوم قليلًا أو كثيرًا فإننا سنستطيع حله. يجب أن نعرف موقع الذرات لنستفيد من الفيزياء، ويجب أن نعرف نوع الذرات لنستفيد من الكيمياء، وإلا لن نستطيع تحليل السؤال. وهذا ليس إلا محددًا واحدًا بالطبع.

هناك مشكلة من صنف مختلف في العلوم الشقيقة لا توجد في الفيزياء، سنسميها -لعدم وجود مصطلح أفضل- بالسؤال التاريخي: كيف أصبحت على هذا النحو؟

فنحن وإن فهمنا كل شيء عن البيولوجيا سنظل نرغب في معرفة كيف نشأت وتطورت كل الأحياء على الأرض. تساعدنا هنا نظرية التطور التي هي جزء مهم من البيولوجيا. أما في الجيولوجيا (علم الأرض) فنحن لا نوّد معرفة كيف تتكون الجبال وحسب، بل كيف تكونت الأرض في المقام الأول، وأصل النظام الشمسي وهكذا. وهذا يُرَغِّبُنا بالطبع في معرفة نوع المادة التي كانت موجودة في العالم. أما عن مشكلة علم الفلك ففي كيف تطورت النجوم؟ وكيف كانت الحالة الأولية؟ وقد اكتشف قدر كبير عن كيف تطورت النجوم بالفعل، وكيف نشأت العناصر التي خلقنا منها، بل وحتى قدر ضئيل من أصل الكون.

أما عن الفيزياء فلا يوجد فيها سؤال تاريخي يُدرس في الوقت الحالي. فليس لدينا سؤال مثل «كيف أصبحت قوانين الفيزياء هذه على ما هي عليه؟»، لأننا لا نتصور -حاليًا- أن قوانين الفيزياء تتغير مع الزمن وكانت مختلفة سابقًا عما هي عليه اليوم. هي قد تكون كذلك بالفعل لكن في اللحظة التي نكتشف فيها ذلك فإن السؤال التاريخي للفيزياء سيضاف إلى تاريخ الكون، وحينها سيتحدث الفيزيائيون عن مشاكل كتلك التي عند علماء الفلك والجيولوجيين والبيولوجيين.

أخيرًا فإن هناك مشكلة فيزيائية قديمة تشيع في عدة مجالات وغير محلولة حتى اللحظة. إنها ليست عن إيجاد جسيمات جديدة بل عن شيء منذ مدة طويلة بعمر مئات السنين. ورغم أهميتها للعلوم الشقيقة إلا أن لا فيزيائيًا استطاع تحليلها رياضيًا بدقة. إنها مشكلة تحليل الموائع المضطربة أو الدورانية. إن راقبنا تطور نجم فإننا سنصل إلى نقطة نستنتج فيها إنه سيبدأ في الحَمَلان [نقل الحرارة بالحمل]، وبعدها لن نستطيع استنتاج ماذا سيحدث. ثم ينفجر هذا النجم بعد عدة ملايين من السنين ولا يمكننا معرفة السبب. نحن نعجز عن تحليل الطقس. ونجهل أنماط الحركة في باطن الأرض. إن أبسط صياغة لهذه المشكلة هي بأخذ أنبوب ماء طويل جدًا ودفع الماء عبره، والآن، كم هو الضغط المطلوب لدفع كمية معلومة من المياه عبر الأنبوب؟ والجواب ألا أحد يستطيع تحليل العملية من حيث المبدأ الأول وخصائص المياه. نحن نستطيع تحليل الموضوع ببساطة إن كان الماء يجري ببطء أو استخدمنا مائعًا لزجًا كالعسل؛ فستجد الطريقة موجودة في كتبك [إن كنت طالبًا في كلية الهندسة أو الفيزياء أو ما شابه]. لكن الشيء الذي لا يمكننا فعله هو التعامل مع الماء الفعلي «الرطب» الجاري عبر أنبوب. وهذه هي المشكلة الأساسية التي ينبغي علينا حلها يومًا ما، ولم نفعل إلى الآن.

قال شاعر مرة «الكون كله في كأس نبيذ». أرجح الظن أننا لن نعلم أبدًا مقصده من كتابتها لأن الشعراء لا يكتبون ليُفهَموا. لكننا نستطيع رؤية الكون بأكمله فعلًا بالنظر إلى كأس نبيذ بتمعن. فهناك الأشياء الفيزيائية مثل السائل المتموج الذي يتبخر حسب الرياح والجو، والانعكاس في الكأس، والذرات التي نراها بمخيلتنا. الكأس ذاته هو تكرير لصخور الأرض، ونرى في مكوناته أسرار عمر الكون وتطور النجوم. ما مصفوفة المواد الكيميائية المعقدة الموجودة في النبيذ؟ وكيف نشأت؟ حسنًا هناك الخمائر، والإنزيمات والركازات والناتج. في النبيذ نجد التعميم الأكبر القائل: كل الحياة تخمر. لا أحد يستطيع اكتشاف كيمياء النبيذ دون اكتشاف سبب العديد من الأمراض، كما فعل لويس باستور.

كم هو شديد هذا الأحمر الداكن؛ مقحمًا ذاته في وعي الناظر إليه! إن قسمت عقولنا بغية الملاءمة هذا الكأس من النبيذ -هذا الكون- إلى أجزاء -علم الأرض والأحياء والفيزياء والنفس وغيرها- فتذكر أن الطبيعة لا تعرف هذا التقسيم! لذا دعنا نوحد كل شيء من جديد، ولا ننسى غايته الأصلية. لندعه يهبنا لذة نهائية أخرى: اشربه وانس كل شيء!

انتقل إلى المحاضرة التالية

المصادر: 1