الكشف عن عائلة الجينات الدافعة لتطور الفقاريات

صدر بحث جديد عن جامعة كولورادو بولدر University of Colorado Boulder يوضح أن الفقاريات تمايزت عن اللافقاريات نتيجة ظهور مجموعة جديدة من الجينات منذ ما يقارب 500 مليون سنة. تمثل الجينات المكتشفة دليلًا يوثّق حلقة مهمة في مسار تطور الفقاريات وامتلاكها لصفات جديدة.

تُظهر نتائج الدراسة التي نُشرت في دورية Nature أن عائلة الجينات المكتشفة توجد لدى الفقاريات فقط، وتمتلك دورًا مهمًا في تشكيل هيكل الرأس والسمات الأخرى التي تتميز بها الفقاريات في أثناء مرحلة التطور الجنيني.

ذكر دانيال ميديروس Daniel Medeiros مؤلف الدراسة الأول وأستاذ علم البيئة وعلم الأحياء التطوري: «تمتلك جميع الحيوانات نفس البنية التركيبية الأساسية. لكن الدراسة الجديدة توضح أن الفقاريات لديها بعض التراكيب المميزة الإضافية، وقد استطعنا تحديدها».

تُعرف هذه التراكيب الخاصة في الفقاريات باسم مسار إشارات البطانة Endothelin signaling pathway، وهي مجموعة من الجينات التي تؤثر في كيفية تواصل الخلايا مع بعضها البعض. إذ وجد الباحثون أن عائلة الجينات المكتشفة مسؤول عن السماح لخلايا القمة العصبية neural crest cells بالتكاثر والتخصص إلى أدوار مختلفة في جميع أنحاء الجسم.

ملاحظة: خلايا القمة العصبية neural crest cells عبارة عن خلايا تمتلك القدرة على التمايز إلى سمات فقارية فريدة مثل الأجزاء الهيكلية والخلايا الصبغية والجهاز العصبي المحيطي.

عزت النظريات التطورية ظهور سمات جديدة في الكائن الحي إلى تضاعف الجينوم، وكان تعليلها جيدًا؛ فحين يتضاعف الجينوم يمكن لنسخ جديدة عن جينات موجودة أن تؤدي أدوارًا مختلفة في الكائن الحي. وبما أن الأفكار السابقة بنيت على أساس المراقبة فإن ميديروس أراد اختبار ما إذا كان التضاعف الجيني هو الذي وهب الفقريات القدرة على التميز، أم كان لظهور عائلة جينات جديدة دور في ذلك.

لذلك اختبر ميديروس وزملاؤه إمكانية ظهور سمات جديدة ناتجة عن عائلة جينات جديدة، من خلال تقنية التعديل الجيني ليرقات لامبري البحر larvae of sea lamprey، وهو نوع من الأسماك عديمة الفك.

تُحدّد في خلال عملية التعديل الجيني عائلة الجينات المسؤولة عن تطور الفقاريات ثم تُزال. بالتالي إذا كان تنبؤ ميديروس وزملاؤه صحيحًا، فإن إزالة عائلة الجينات المذكورة ستؤدي إلى تحويل يرقات لامبري البحر إلى دودة تشبه اللافقاريات invertebrate-like worm، وهي عملية مذهلة تعيدنا إلى الماضي، إذ تمثل هذه الدودة أقرب سلف تطوري للفقاريات.

ذكر ميديروس بعد إجراء التجربة: «وجدنا أن إزالة عائلة الجينات الجديدة هذه، يزيل معظم السمات الرئيسية للفقاريات التي تميزها عن اللافقاريات».

ورغم أن التضاعف الجيني ما يزال يمثل جزءًا مهمًا من العملية التطورية -كون عائلة الجينات الجديدة هذه أيضًا تتضاعف في الفقاريات- إلا أن الباحثين وجدوا أنه ليس بعامل حاسم مثل ظهور عائلة الجينات الجديدة في نشوء أنواع مميزة من خلايا القمة العصبية التي طورتها الفقاريات.

ذكر الحاصل على الدكتوراه حديثًا من مختبر ميديروس والأستاذ في جامعة كاليفورنيا في بركلي، تايلر سكوير Tyler Square: تكمن أهمية الاكتشاف في أن من النادر العثور على أدوار واضحة للجينات التي تنفرد بها الفقاريات.

أضاف سكوير: «اعتقدنا أن التضاعف الجيني هو أهم خطوة في عملية التطور. ولكن بعد هذه الدراسة، يتضح أن ظهور الجينات الجديدة والتضاعف الجيني كلاهما مهم».

الهندسة العكسية للسمكة الأولى

يُدرك العلماء أن الأسماك هي الفقاريات الأولى التي انحدرت عنها جميع الفقاريات الأخرى بما في ذلك نحن البشر.

ولكن من الملاحظ أن الأسماك الأولى لا توجد في السجل الأحفوري، والسبب هو امتلاك الأسماك البدائية لهياكل عظمية صغيرة وناعمة، بالتالي لم تُحفظ في السجل الأحفوري جيدًا.

إذًا كيف يمكن للعلماء أن يحددوا مصدر السمكة الأولى، وكيف انحدرت عنها جميع الفقاريات؟

ذكر ميديروس: «بدلاً من التركيز على الحفريات، يمكننا استخدام أدوات مثل البيولوجيا الجزيئية وعلم الوراثة لمحاولة فهم كيف حدث التطور، الأمر أشبه بعلم حفريات جيني. وبأبلغ مصطلحات علم الوراثة الجيني: نحن نحاول عمل هندسة عكسية لتطور مخلوق. هذا أقرب شيء ممكن من الحديقة الجوراسية Jurassic Park».

اختار العلماء لامبري البحر لتجارب الهندسة العكسية. قال سكوير عنه: «بينما يفكر معظم الناس في كائن قبيح يمتلك عدد أسنان كبير ومتفرق، فإننا نجد أن لامبري البحر يكون ظريفًا في طفولته كيرقة صغيرة».

لامبري البحر عبارة عن سمكة عديمة الفك، انفصلت في مسار تطوري مستقل عن الأسماك الأخرى قبل قرابة 500 مليون سنة. وتعتبر من النماذج المهمة لدراسة تطور الفقاريات بسبب احتفاظها بالعديد من سمات الفقاريات القديمة، بالتالي توضح للباحثين المراحل المبكرة من تطور الفقاريات.

أضاف سكوير: «لامبري البحر والإنسان كائنان مختلفان للغاية، ولكن يمكننا معرفة أوجه التشابه بينهما من خلال إجراء هكذا دراسات. وتوضح الدراسة أيضًا نقاطًا أساسية متشابهة ليس في للثدييات والبشر وحسب، بل في جميع الحيوانات الفقارية الموجودة».

استخدم سكوير وزملاؤه النسخة الأولية من أداة التعديل الجيني كريسبر CRISPR لاكتشاف مدى أهمية العائلة الجينية الجديدة في جعل الفقاريات على ما هي عليه. وأشاد سكوير بأهمية هذه التقنية وضرورتها لهذه الدراسة.

إذ أتاحت تقنية كريسبر للباحثين إمكانية اختبار الفرضيات عمليًا عن طريق إزالة مجموعة من الجينات. والمثير أن هذه هي الدراسة الأولى التي يستخدم فيها فريق بحثي تقنية التعديل الجيني كريسبر في لامبري البحر. إذ استخدمت تقنية كريسبر سابقًا في بعض الفقاريات مثل الفئران والضفادع وسمك الزرد فقط.

أضاف ميديروس: «تسقِّط تقنية كريسبر دراسات علم الوراثة على كائنات مختلفة. إنها أداة دقيقة جدًا، وتمنحنا إمكانية الإجابة عن الأسئلة التطورية».

المصادر: 1