Credit: CC0 Public Domain

كيف يبقى الدماغ مستقرًا بالرغم من وجود عوامل تشويشية داخلية وخارجية متنوعة؟ الرياضيات توضح

سواء كنت تلعب لعبة بوكيمون غو في الحديقة وسط نقيق العصافير والنسيم الرقيق، والأطفال يلعبون لعبة الالتقاط بالجوار منك، أو كنت تلعب في الحجرة والساعة تدندن في خزانة الكتب، وقطة تهرهر على الأريكة، ووضع اللعبة ثابت وواضح، ستكون خطوتك القادمة بما يخص اللعبة بغض النظر عن الظروف المحيطة بك، وستبقى مركزًا على الخطوة التالية في اللعبة بالرغم من وجود طيف واسع من المشاعر الداخلية وتشتت البعض القليل من الخلايا العصبية.

كيف يتغلب الدماغ على الاضطرابات الغير متوقعة والعديدة لخلق أفعال مستقرة؟ تُجيب دراسة أجراها علماء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) عن طريق نموذجًا رياضيًا يوضح نشوء هذا الاستقرار الناتج عن العديد من الآليات البيولوجية المعروفة.

صوّر النموذج الذي أنشأه الفريق -وهو أكثر تأصلاً من الجهد المقصود للتحكم المعرفي بالانتباه- ميلاً نحو الاستقرار المتين الذي بُني في الدوائر العصبية بفضل الاتصالات أو ما يدعى بالمشابك التي تشكلها الخلايا العصبية مع بعضها.

تُظهر المعادلات التي اشتقوها، ونشروها في علم الأحياء الحاسوبي بالمكتبة العامة للعلوم، بأن الشبكات العصبونية المشاركة بتقدير الأفعال سوف تتشارك في إطلاق كمون فعل مشترك، حتى لو كان بعضها مشتتًا أحيانًا بسبب التشويش الفكري للشخص ذاته، أو بسبب المنبهات الحسية المحيطة به.

كيف ينشئ الدماغ الشعور بهذه الديناميكية للنشاط العصبي، قال المؤلف إيرل ميلر أستاذ علم الأعصاب في معهد (Picower) للتعلم والذاكرة، وأستاذ في قسم الدماغ والعلوم المعرفية (BCS) في (MIT): «الدماغ ضوضائي، وهناك شروط بدء مختلفة، كيف يستطيع الدماغ تحقيق تصويرًا مستقرًا للمعلومات عند مواجهة كل هذه العوامل التي يمكن أن تحدث من حوله؟».

لمعرفة ذلك، تعاون مختبر ميلر الذي يدرس كيفية تصوير الشبكات العصبية للمعلومات، مع زميل في (BCS) الأستاذ في الهندسة ميكانيكية جان جاك سلوتين، والذي يدير مختبر الأنظمة الغير ثابتة (المرنة) في (MIT). استخدم سلوتين للمشكلة الطريقة الرياضية لتحليل التقلص، وهو مفهوم طوّر في نظرية التحكم (السيطرة)، بجانب الأدوات التي طوّرها مختبره لتطبيق الأداة.

تظهر الشبكات العقدية مسارات تبدأ من نقاط مختلفة وتتقارب في النهاية ضمن مسار واحد، كانصباب الأنهار في مجمعات المياه (السد مثال)، وتنطبق هذه الحالة حتى عندما يتواجد عدة مدخلات. فهي لا تتأثر بالضوضاء والتشويشات، وتسمح بدمج عدة شبكات عقدية مع بعضها البعض دون فقدان الاستقرار العام، بآلية مشابهة تمامًا للدماغ الذي يدمج عادة المعلومات ذات المصادر المتعددة. قال سلوتين: «في نظام كالدماغ حيث تمتلك مئات المليارات من الاتصالات تصبح الأسئلة حول ماذا سيحافظ على الاستقرار وما أنواع القيود التي تُفرض على البنية الهيكلية، هامة جدًا».

الرياضيات تعكس الآليات الطبيعية

قاد ليو كوزاشكوف -طالب دراسات عليا في مختبرات ميلر وسلوتين- الدراسة من خلال تطبيق تحليل التقلص على قضية استقرار التقديرات (التصورات) في الدماغ. ووجد بأن المتغيرات والأطراف الرياضية في نتائج المعادلات التي تفرض الاستقرار بشكل خاص تعكس خصائص وعمليات المشابك العصبية: من الممكن أن تصبح الدوائر العصبية المثبطة أقوى، والدوائر العصبية المستثارة أضعف، وعادة ما يكون كلاهما في حالة توازن محكم بالنسبة لبعضهما البعض، والعصبونات تنشئ وصلات أقل من إمكانياتها بكثير (كل خلية عصبية يمكن أن تصنع 10 مليون اتصال إضافي وسطيًا).

يقول كوزاشكوف: «هذه الأشياء جميعها اكتشفها علماء الأعصاب، لكنهم لم يربطوها مع خاصية الاستقرار، بمعنى، أننا نجمع بعض النتائج العلمية المختلفة في هذا المجال لشرح هذه الظاهرة الشائعة».

الدراسة الجديدة التي شملت أيضًا مايكل لاندكويست في مختبر ميلر، كانت بالكاد أول من تعامل مع حالة استقرار الدماغ، لكن المؤلفون يراهنون بإنتاجها نموذجًا أكثر تقدمًا من خلال حساب متغيرات المشابك العصبية وإتاحة طيف واسع من التغيرات ضمن الحالات الأولية، مضيفًا كوزاشكوف أنها أيضًا تقدم أدلة رياضية على هذا الاستقرار.

على الرغم من التركيز على العوامل التي تضمن الاستقرار، لاحظ المؤلفون أن نموذجهم لا يصل لحد الحكم على الدماغ بعدم المرونة والإرادة. إن قدرة الدماغ على التغيير- على التعلم والتذكر- شيء متأصل في وظيفته كقدرته على العمل المستمر لإنشاء سلوكيات مستقرة.

يقول ميلر: «لا نتساءل كيف يتغير الدماغ، بل نتساءل كيف يحافظ الدماغ على نفسه من كثرة التغير؟».

ومع ذلك، ينوي الفريق مواصلة التكرار على النموذج، من خلال حساب أكثر شمولية لكيفية إنشاء العصبونات لموجات عصبية فردية من النشاط الكهربائي، وليس فقط مجال هذا النشاط.

إنهم يعملون أيضًا على مقارنة تنبؤات النموذج بالبيانات من خلال التجارب التي أدت فيها الحيوانات المهام مرارًا وتكرارًا، وكانت بحاجة لإجراء نفس التقديرات العصبية على الرغم من التعرض للتشويش العصبي الداخلي المحتم، مع اختلافات في المدخلات الحسية الصغيرة على الأقل.

أخيرًا، يدرس الفريق كيف يمكن للنماذج أن تساعد في فهم الحالات المرضية المختلفة للدماغ. يلاحظ كوزاشكوف أن الانحرافات في التوازن الدقيق للنشاط العصبي الاستثاري والتثبيطي في الدماغ تعتبر حاسمة في الصرع. ومن أعراض مرض باركنسون أيضأ فقدان الجذور العصبية لاستقرار الحركة. يضيف ميلر أن بعض المرضى الذين يعانون من اضطرابات طيف التوحد يكافحون لتكرار الإجراءات بشكل ثابت (مثل تنظيف الاسنان بالفراشة) عندما تختلف الظروف الخارجية (مثل تنظيف الأسنان بغرفة مختلفة).

المصادر: 1