وديان تحمل أدلة على وجود حياة سابقة في المريخ

إن معرفة ما إذا كان الكوكب الأحمر دافئًا ورطبًا او باردًا وجليديًا يمكن ان يتيح نظرة أوضح عما إذا كان صالحًا للعيش.

لاحظ الباحثون أن الوديان القديمة في المريخ شبيهة بالوديان الموجودة حول جزيرة ديفون في أرخبيل القطب الشمالي الكندي. وسواء على الارض أو في المريخ فأن الوديان التي خلفتها القنوات الجليدية مميزة بكونها تتدفق صعودًا.

يحتوي النصف الجنوبي من المريخ على المئات من شبكات الوديان التي حيرت العلماء منذ فترة طويلة من الزمن. كما يعتقد الجيولوجيين أن هذه الوديان ناجمة عن عوامل التعرية التي خلفتها المياه المذابة. مما يشير الى أن المريخ في البداية كان كوكب دافئ نسبيًا. ألا أن النماذج الحاسوبية السابقة أشارت إلى أن الكوكب الأحمر كان بادرًا ومتجمدًا خلال تلك الفترات الزمنية.

مؤخرًا كثب علماء الكواكب بحثهم في نشأت وديان المريخ وقارنوها بمثيلتها من التكوينات على الارض. وجد الباحثون أن المياه المتدفقة تحت الطبقات الجليدية قد ساهمت بشكل كبير بتكوين هذه الوديان، وبالتالي فإن هذا يؤكد أن الكوكب الأحمر كان باردًا متجمدًا في فترات مبكرة من تأريخه. وقد نشر فريق الباحثين هذه الدراسات في صحيفة نيتشر جيوساينس Nature Geoscience في 3 من أغسطس/آب.

تقول آنا جراو جالوفر Anna Grau Galofre، عالمة الكواكب في جامعة ولاية أريزونا في تيمبي Arizona State University in Tempe، والمؤلفة المشاركة في الدراسة: «هل كان المريخ في الأساس كوكبًا متجمدًا مع وجود كميات ضئيلة من المياه السائلة على سطحه؟ أو هل كان كوكبًا مغمور بنظام مائي مماثل لنظام الأرض؟ فيما مضى نوعين من الأدلة أثارت حيرة العلماء، تقول جراو جالوفر: «النماذج الحاسوبية تشير إلى أن المريخ كان جليدياً في بداية تأريخه، أما الأدلة الجيولوجية فإنها تشير إلى وجود الأمطار والمحيطات والبحيرات في المريخ».

تشير جالوفر إلى أن النتائج الجديدة تسد الفجوة بين هذين المصدرين للمعلومات، ويمكن أن تساعد العلماء توسيع بحثهم عن الأدلة حول وجود حياة على المريخ.

تكونت الوديان التي درستها جالوفر وزملائها منذ ما يقارب 3.9 إلى 3.5 مليار سنة أي منذ أن انبثقت الحياة على الأرض. وتتوزع وديان المريخ فوق المرتفعات الجبلية في النصف الجنوبي من الكوكب، وتتراوح أبعادها بين الضيقة جداً، والممتدة لأميال قليلة إلى شبكاتٍ واسعة ومعقدة تشبه روافد الأنهار الأرضية مثل نهر النيل، أو الميسيسبي.

درست غراو جالوفر وزملاؤها 10276 واديًا تنتمي إلى 66 شبكة مختلفة. وبناءً على شكل تلك الوديان وخصائصها الطبيعية الأخرى، تمكن الباحثون من تحديد أنواع عمليات التعرية التي ساهمت بتشكيلها. كما وجد الباحثون أن الأودية تشكلت بعدة طرق مختلفة، فمن بين 48 وادياً تملك سماتٍ مميزة، وجدوا أن 3 وديانٍ من المحتمل أنها تشكلت نتيجة جريان المياه الجوفية الآتية من الينابيع، و9 منها تشكلت نتيجة عوامل التعرية بواسطة الأنهار الجليدية، و14 منها بسبب الأنهار، بينما حُفرت الوديان المتبقية نتيجة جريان المياه الذائبة تحت الصفائح الجليدية.

يتشابه النوعان الأخيران من الوديان إلى حدٍ كبير، ويبدو أن لهما نفس أصول النشأة.

تقول جالوفر: «أنها مجرد مياه تتدفق على السطح، ولكن يمكنها أن تتدفق تحت الجليد، أو تكون مكشوفة وتلامس الهواء». تشير جالوفر إلى أن القنوات المائية التي تجري تحت الجليد تشبه إلى حدٍ ما أنابيب المياه في أنظمة السباكة.

هذه الوديان تذكّر جالوفر وفريقها بالوديان الموجودة حول جزيرة «ديفون» Devon Island في أرخبيل القطب الشمالي في كندا. فقد لاحظ الباحثون أن الوديان التي سببتها القنوات الجليدية -سواء على الأرض أو المريخ- متشابهة إلى حدٍّ كبير لأنها محفورة من الأسفل للأعلى. يحدث هذا بسبب ضغط الصفيحة الجليدية للماء الموجود في القنوات تحت الجليد مما يؤدي إلى انتقال الماء من المناطق ذات الغطاء الجليدي السميك إلى المناطق الأقل سمكًا. تقول جالوفر: «لا يمكن إن ترى قناة مائية تتدفق نحو التل إلا إذا كان هنالك نهرًا».

قد يشير وجود الوديان الناتجة من الأنهار والصفائح الجليدية إلى أن بعض المناطق في مرتفعات المريخ القديمة ظلت خالية من الجليد. تقول جالوفر: «قد يعني ذلك أن كوكب المريخ قد سادته مناخات مختلفة في فتراتٍ زمنية مختلفة. ربما انتشر الجليد على نطاقٍ واسع في مرحلة ما على سطح المريخ، ولكن في مرحلةٍ أخرى، تراجع هذا الجليد وذاب بما يكفي ليكون الأنهار».

ومع ذلك، لم يتضح بعد متى حدثت هاتان الفترتان، أو أيهما حدث أولاً. تقول جالوفر: «قد تحمل العينات التي جمعتها مركبة «بيرسيفرانس» التي أطلقتها ناسا مؤخراً في النهاية الإجابة أخيراً عن هذا السؤال».

قد يكون وجود الصفائح الجليدية مبكرًا على المريخ جعله أكثر قابلية للحياة. حيث يوفر الغطاء الجليدي فرصة لوجود حياةٍ تحته إذا كان غنيًا بقنوات المياه بشكلٍ ثابت. كما سيوفر الغطاء الجليدي عزلاً حراريًا للكائنات الحية المحتمل وجودها ضد التقلبات الكبيرة في درجات الحرارة على السطح، وستحميها أيضاً من الإشعاع الشمسي.

تزدهر الحياة على الأرض عبر مجموعة كبيرة من الموائل المختلفة، كما يشير «روبن وردزورث» Robin Wordsworth، عالم الكواكب في جامعة هارفارد الذي لم يشارك في البحث. يقول في رسالةٍ بالبريد الإلكتروني إلى بوبيولار ساينس Popular Science: «إذا كان المريخ باردًا بالفعل خلال مرحلةٍ طويلة في بداياته، فإن ذلك يستوجب توسيع البحث عن أشكال الحياة القديمة لتشمل مدىً متنوعًا من البيئات. إن استنتاج الباحثين بأن العديد من شبكات الوديان على المريخ قد تشكلت تحت الجليد؛ يوفر منظورًا جديدًا مذهلًا لطبيعة مناخ المريخ المبكر الغامض».

المصادر: 1