إحالة طائرة كونكورد الأسرع من الصوت إلى التقاعد!

طمح خبراء الطيران الفرنسيون والإنكليز منذ منتصف الخمسينيات لتصميم وبناء طائرة تجارية يمكنها السفر بسرعة تصل إلى ضعف سرعة الصوت، ونقل الركاب من زاوية إلى أخرى من العالم بزمن أقل من نصف المدة التي تلزم الطائرات التقليدية. وكان السؤال حينها: «هل نملك ما يكفي من المال والمعرفة والاهتمام الحكومي لتسهيل مشروع كهذا؟ وإذا توفر ما سبق، فهل ستقلع هذه الطائرة؟». جاءت الإجابة على هذه التساؤلات في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1970، عندما حلق طيار الاختبار أندريه توركات Andre Turcat بالطائرة -التي أطلق عليها اسم كونكورد Concorde- فوق المحيط الأطلسي محققًا سرعة وصلت إلى 1320 ميلًا في الساعة. كانت شركة الطائرات البريطانية British Aircraft Corporation BAC وشركة France’s Sud-Aviation الفرنسية، اللتان كثفتا استثماراتهما في قطاع التكنولوجيا، على يقين من أن الركاب من جميع أنحاء العالم سوف يجوبون السماء قريبًا، مُمضين رحلاتهم في أوقاتٍ قياسية. بدت حينها رحلة توركات في طائرة الركاب مماثلة لمهمة نيل أرمسترونج Neil Armstrong، إذ قادت البشرية إلى تجاوز حدود جديدة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي للأرض.

ستصبح كونكورد طائرة تجارية، تحمل ما يصل إلى 100 راكب في وقت واحد وتطير بسرعة هائلة، فيغادر المسافرون مطار هيثرو في لندن London’s Heathrow Airport في الساعة 9 صباحًا، ويصلون مدينة نيويورك في الساعة 7 صباحًا بتوقيت المدينة، أي خلال 3 ساعات فقط.

بدلًا من أن يشكل هذا النموذج الخطوة التالية في تطور السفر عبر الجو، أصبح مصدر إزعاج لا يمكن الدفع عنه، وأصابه الشلل بسبب الشكاوى الصادرة عن دعاة حماية البيئة، مثقلًا بنفقات لا تحصى، لينتهي حلم الكونكورد بحلول عام 2003 بإيقاف جميع الطائرات العاملة الـ14 بشكل دائم.

ترجع جذور الاهتمام بالسفر الجوي الأسرع من الصوت إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما توصل القائمون على صناعة الطائرات البريطانية إلى استنتاجات رصينة بشأن ازدهار قطاع الطيران، فبعد اقتصار المملكة المتحدة على تصنيع طائرات الشحن والطائرات المقاتلة خلال الحرب العالمية الثانية، لم تجد المملكة موطئ قدم ثابت في قطاع الطيران، في حين أدت نهاية الحرب إلى ازدياد الاهتمام بالسفر عبر الجو، إذ سيطرت الولايات المتحدة الأمريكية على اختبار طائرات الركاب، وسوق الطائرات ذات السرعة الأقل من سرعة الصوت.

وبدلاً من الدخول في المنافسة، قرر المهندسون البريطانيون والفرنسيون إنشاء فئة جديدة تمامًا، إذ قدمت الطائرات المقاتلة التي كسرت حاجز الصوت الأمل في إمكانية إضافة هذه الميزة إلى طائرات نقل الركاب. عند إنشاء لجنة طائرات النقل الأسرع من الصوت Supersonic Transport Aircraft Committee STAC، خُيّل للإنكليز مستقبلًا يمكنهم فيه بيع 150 إلى 500 طائرة أسرع من الصوت لشركات الطيران بحلول السبعينيات. تمكنت STAC من جذب اهتمام فرنسا بالقدر الكافي للدخول في شراكة لتطوير الطائرات في عام 1960، مع إنشاء أول نموذج أولي بحلول عام 1968، ووصلت تكلفة تطوير المشروع وصقله إلى 2.3 مليار دولار، رغم إعلان بعض الاقتصاديين أن التكلفة قد تكون ثلاثة أضعاف ذلك.

عانت كونكورد خلال تلك الفترة من تراجع الدعم من حكومتي فرنسا وبريطانيا. ففي عام 1964، أوقف رئيس الوزراء هارولد ويلسون Harold Wilson العملية بشكل نهائي تقريبًا، قبل أن يتعرض للتهديد بدعوى قضائية من قبل تشارلز ديغول Charles de Gaulle الداعم لمشروع الكونكورد. اعتقد مناصرو الكونكورد أن القائمين على قطاع النقل الجوي المزدهر في الولايات المتحدة سيطلبون طائرات الكونكورد حتى لا يتخلفوا عن الركب.

بدلاً من ذلك، قوبلت كونكورد بمعارضة صريحة، فبعد اكتمال أول رحلة ركاب من لندن إلى البحرين في كانون الثاني/يناير 1976، سمحت الولايات المتحدة بإجراء تجربة لمدة 16 شهرًا في مطار دالاس في واشنطن Washington’s Dulles Airport، في حين طالب القائمون على مطار جون كينيدي في مدينة نيويورك New York City’s JFK Airport بإلغاء هذه التجارب نهائيًا، إذ نشأ جو من التردد بسبب المخاوف بشأن التلوث الضوضائي والعواقب البيئية، فبالإضافة إلى ما تنتجه الكونكورد من دوي صوتي في المطارات القريبة من المناطق السكنية مسببة إزعاج السكان، اعتُقد أيضًا أن الـ100 طن من الوقود المحترق خلال الرحلة من نيويورك إلى لندن سببت انبعاثات خطيرة يمكن أن تهدد طبقة الأوزون.

قوبلت بعض الرحلات القادمة من قبل المتظاهرين بلافتات كتب عليها «امنعوا الدوي» Ban the Boom، واتخذ الطيار الشهير تشارلز ليندبيرغ Charles Lindbergh موقفًا مناهضًا للسفر الأسرع من الصوت، مع الإشارة إلى مخاطره المحتملة. وفي الوقت نفسه، امتنعت شركات الطيران الكبرى مثل TWA وPan Am عن شراء طائرات كونكورد، معتقدة أن نسبة التكلفة إلى الربح لا تستحق العناء أبدًا، لينتهي الأمر بشراء الخطوط الجوية الفرنسية والخطوط الجوية البريطانية 14 طائرة كونكورد فقط، 7 لكل منهما.

كان السفر بغرض العمل من أبقى كونكورد محلقة على الرغم من الخسائر خلال السنوات الست الأولى، ففي كثير من الأحيان كان المسافرون من فئات الدخل المرتفع وشركات الشحن على استعداد لدفع أموال باهظة ثمنًا للتذاكر، ووصلت أحيانًا تكلفة تذكرة ذهاب وإياب إلى أكثر من 5000 دولار في الثمانينيات، بزيادة 1200 دولار عن تكلفة رحلة بسرعة أقل من سرعة الصوت، طمعًا منهم في إنقاص مدة تنقلهم إلى النصف أو أكثر، إذ كان بالإمكان تحديد موعد اجتماع في طوكيو للمغادرين من سان فرانسيسكو San Francisco بعد ست ساعات فقط من الإقلاع، واستغرق الوصول إلى أستراليا Australia من لوس أنجلوس Los Angeles سبع ساعات فقط.

وفي الوقت الذي كانت طائرة 737 تسافر فيه بسرعة 485 ميلًا في الساعة، طارت الكونكورد بسرعة وصلت إلى 1495 ميلًا في الساعة، مقتربة بذلك من سرعة الرصاصة.

الغريب في الأمر أن طائرات كونكورد لم توفر لعملائها الفخامة المرجوة مقارنة بالتكلفة، فقد قيل إن الكبائن كانت ضيقة، مع نوافذ بحجم الكف، ومقاعد غير مريحة، كما لو أن المهندسين بنوا هذه الطائرة لتطير بسرعة لا تصدق وتركوا التفكير بكيفية استيعاب الركاب والقلق بشأن راحتهم إلى وقت لاحق، وليس العكس. كانت كونكورد تُقلع من منحدر حاد، فيشعر المسافرون وكأنهم على كرسي عيادة الأسنان ينطلق كالصاروخ.

بحلول الثمانينيات، أصبح من الواضح أن فكرة السفر بسرعة أعلى من سرعة الصوت لن تعود بما يضمن الإنفاق الهائل للحكومتين، وبينما بدأت كونكورد بتحقيق شيء من الأرباح، تبين أن أسباب ذلك كانت سياسية في جزء منها، إذ طُلب من موظفي الحكومة البريطانية السفر عن طريق رحلات كونكورد.

على الرغم من نعته بالفشل في وقت مبكر من عام 1986، بقي أسطول كونكورد المكون من 14 طائرة في الخدمة حتى عام 2000. فقد أدى تحطم طائرة كونكورد الذي أودى بحياة 113 راكبًا في ذلك العام إلى إيقاف جميع الطائرات لمدة عام حتى تحديد السبب. تقرر في النهاية أن قطعة معدنية ضالّة اخترقت خزان الوقود، وأشعلت حريقًا.

لاحقًا عند استئناف رحلات كونكورد، ألقت أحداث 11 أيلول/سبتمبر بظلالها على صناعة الطيران بأكملها، وكانت بمثابة الضربة المدمرة للطيران الأسرع من الصوت. أُحيلت كونكورد للتقاعد بشكل دائم في عام 2003، وانتهى المطاف بالعديد من طائراتها في المتاحف.

بالنسبة للجزء الأكبر من المستهلكين الذين يدعمون التقدم التكنولوجي، كان فشل صناعة الطيران في الاستفادة من طائرة يمكنها أن تقلل أوقات السفر إلى النصف فكرة غريبة، لكن شعور المستهلك بفائدة محسوسة يبقى الأساس، ولا يبدو أن هناك عددًا كافيًا من المسافرين ممن اعتبروا أن التكلفة الكبيرة لرحلة الكونكورد تكافئ الوقت الذي يوفره السفر الأسرع من الصوت.

تقوم حاليًا شركات مثل Boom، ومقرها دنفر Denver، بتجربة الطائرات الأسرع من الصوت التي يمكن بناؤها بتكلفة معقولة، مع تقليل مستويات الضوضاء. تتوقع Boom افتتاح الخدمة التجارية بحلول عام 2023، ويبقى أن نرى ما إذا كان بإمكانها التغلب على أرقام طائرة كونكورد، فبوجود الابتكارات والتحولات الجذرية في قطاع التكنولوجيا، لا بد لرحلة تطور الطيران الأسرع من الصوت أن تسير بخطى أسرع.

المصادر: 1