Credit: Jennifer Cook-Chrysos

تمكن العلماء من برمجة خلايا الخميرة لتصبح مصانع دوائية

منذ العصور القديمة اكتشفت الثقافات المختلفة أن أوراق نباتية معينة عند مضغها أو تخميرها أو فركها على الجسم يمكن أن تخفف من الأمراض المتنوعة أو تسبب الهلوسة أو أنها قد تكون قاتلة إذا أخذت بجرعات عالية. حاليًا، تستورد شركات الأدوية هذه النباتات التي كانت نادرة في السابق من مزارع متخصصة وتستخرج مركباتها الكيميائية النشطة لصنع عقاقير مثل سكوبولامين لتخفيف دوار الحركة وغثيان ما بعد الجراحة، والأتروبين للحد من سيلان اللعاب المرتبط بمرض باركنسون أو للمساعدة في الحفاظ على وظائف القلب سليمة عند وضع مرضى الجائحة على أجهزة التنفس الصناعي.

‎الآن، يعيد مهندسو ستانفورد تطوير هذه العلاجات القديمة عن طريق إعادة البرمجة الوراثية للآلة الخلوية لسلالة معينة من الخميرة ، وتحويلها بشكل فعال إلى مصانع مجهرية تقوم بتحويل السكريات والأحماض الأمينية إلى هذه الأدوية الفولكلورية، بنفس الطريقة التي يمكن لخميرة مصانع البيرة تحويل السكريات بشكلٍ طبيعي إلى كحول.

يعد نقص الأدوية الذي نشهده حول أزمة الجائحة سبب حاجتنا إلى طرق جديدة وأكثر موثوقية لاستخلاص هذه الأدوية النباتية، والتي تستغرق شهورًا إلى سنوات لتنمو وتأتي من عدد قليل من البلدان بسبب تغير المناخ، قالت كريستينا سمولك أستاذة الهندسة الحيوية وكبيرة مؤلفة كتاب نُشر اليوم في مجلة نيتشر: «إن الكوارث الطبيعية والقضايا الجيوسياسية يمكن أن تعطل الامدادات لهذة النباتات».

‎قام براشانث سرينيفاسان، طالب الدراسات العليا في مختبر سمولك والمؤلف الأول للورقة بإعادة برمجة الخميرة في المصنع، بعقلية المهندس نظر إلى كل من عضيات الخميرة ووحدات التمثيل الغذائي الأساسية، كمحطات عمل على خط التجميع فتخيل أن النواة هي مركز التحكم في المصنع الذي ينظم العملية الكيميائية اللازمة لتجميع المركبات الطبية خطوة بخطوة.

‎ تتطلب الميتوكوندريا وهي العضيات المنتجة للطاقة، اهتمامًا خاصًا كما تستخدم الخلايا الإلكترونات لربط أو فك الجزيئات على خط التجميع، وكان سرينيفاسان بحاجة إلى الكثير منها لصنع المنتجات التي يريدها – وهي عائلة من المركبات الكيميائية المعقدة تسمى قلويدات تروبان- حيث استخدم البشر هذه المركبات لآلاف السنين في كل شيء بدءًا من تخفيف آلام الأسنان وآلام البطن إلى ممارسة الطقوس الدينية وتسميم المنافسين.

‎تنتج بعض النباتات في عائلات الباذنجانيات والكوكا مركبات تسمى قلويدات تروبان التي يمكن أن تتفاعل مع الجهاز العصبي للإنسان لإحداث تأثيرات طبية. قام علماء جامعة ستانفورد ببرمجة الآلية الخلوية للخميرة وراثيًا لإنشاء مصانع كيميائية مجهرية لإنتاج عقاقير قلويد التروبان هيوسيامين وسكوبولامين، تمامًا مثل الخميرة العادية المستخدمة في صنع البيرة.

Credit: Prashanth Srinivasan and Farrin Abbott

استخدامات قلويدات التروبان عبر التاريخ:

تعد قلويدات التروبان مادة كيميائية طورتها عائلتان نباتيتان – الكوكا (نبتة يستخلص منها الكوكايين)، والباذنجانيات(والتي تشمل الهينبان والتبغ بالإضافة إلى الطماطم والفلفل) – وهي ذات فائدة طبية واسعة النطاق والاستخدامات للدفاع ضد الحشرات والحيوانات، وهذا ما يجعلها تتناسب تمامًا مع مستقبل الخلايا الحرجة في النظام العصبي للثدييات، تساعد مستقبلات الأسيتايل كولين في تحويل النبضات العصبية إلى أفعال بواسطة العضلات والغدد والأنسجة البشرية الأخرى. عندما يدخل قلويد التروبان إلى مجرى الدم فإنه يرتبط بمستقبلات (ACh) ويحفز أو يثبط العضلات أو الغدة أو الأنسجة المجاورة مما يؤدي إلى تأثيرات متنوعة وواسعة الانتشار.

لم تفهم المجتمعات التقليدية الكيمياء الحيوية لهذه المركبات لكنهم لاحظوا استخداماتها طبيًا فسكان الأنديز الأصليون يخمرون الشاي المصنوع من أوراق نبات الكوكا أو يَمضغونها لقمع الجوع وعلاج أمراض الجهاز الهضمي وللترويح عن النفس. فضلت العديد من الشعوب من أوروبا إلى شمال إفريقيا وإلى غرب آسيا قلويدات التروبان المشتقة من الباذنجان القاتل( (Atropa belladonna والذي سمي بهذا الاسم لاستخدامه من قبل النساء كعامل تجميلي لتوسيع بؤبؤ العين ولا يزال أطباء العيون الحديثون يستخدمونه للحصول على نفس التأثير أثناء فحوصات العين.

أما في جنوب شرق آسيا، تم أخذ قلويدات التروبان من نباتات الداتورة عن طريق الفم لعلاج التهابات الجيوب الأنفية، واعتمد السكان الأصليون في أستراليا في طقوسهم على التأثيرات المهلوسة لشجيرة دوبويزيا وهي المصدر الرئيسي للقلويد التروباني للأدوية اليوم.

‎هندسة التمثيل الغذائي

أمضت سمولك وفريقها ثلاث سنوات في إجراء ما مجموعه 34 تعديلاً جينيًا على الحمض النووي للخميرة للتحكم في كل خطوة في عملية التجميع الكيميائي غير المرئية لقلويدات التروبان.

نهجهم – يسمى الهندسة الأيضية – هو شكل أكثر دقة من التقانة الحيوية تستخدم فيه إعادة البرمجة الجينية أو تعدل العمليات الخلوية التي تحدث بشكل طبيعي لتصنيع المنتجات لتلبية احتياجات الإنسان فعلى سبيل المثال عندما تنتج خميرة مصانع البيرة الكحول تقوم الخلايا بطرد المادة الكيميائية بشكل طبيعي حتى نتمكن من جمعها وشربها.

وهنا صمم فريق ستانفورد بعناية عضيات وأغشية الخميرة المهندسة للتأكد من أن جزيئات قلويد التروبان المعقدة ظهرت سليمة من خط التجميع الكيميائي بحيث تكون صالحة لاستخدام الدوائي.

سمولك والذي سبق له الهندسة الحيوية في إنتاج الخميرة وبإنتاج عائلة مختلفة من الأدوية المسكنة النباتية، شارك في تأسيس شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية و ستقوم جامعة ستانفورد بترخيص والانتقال من الكميات الدوائية التجريبية التي تنتجها مصانع الخلايا هذه إلى إنتاج واسع النطاق الذي تتوقع أن يستغرق حوالي عامين.

قال سمولك: «النباتات هي أفضل الكيميائيين في العالم، نريد إعادة تلخيص موادها الكيميائية الفريدة والمفيدة في الميكروبات المستأنسة لبناء جزيئات معقدة مستوحاة من العالم الطبيعي ولكنها مصممة لتلبية احتياجات الإنسان بشكلٍ أفضل».

المصادر: 1