بعض أنواع معقمات الأيدي تسبب غثيانًا وتلفًا في الأعصاب والعمى وحتى الموت! كيف تفرق بينهم؟

تحتوي الكثير من معقمات الأيدي على مادة سامة. كيف تعرف إن كان النوع الذي تستخدمه آمنًا؟

حددت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA ما لا يقل عن 77 نوع من معقمات الأيدي التي تحتوي على مستويات خطرة من عنصر الميثانول، والذي هو مادة سامة تسبب الغثيان وتلف الأعصاب والعمى عندما يمتصّها الجلد، كما تسبب الموت في حال أخذت عن طريق الفم.

أطلقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في شهر حزيران/يونيو الفائت تحذيرًا عن تسعة أصناف من معقمات الأيدي الملوثة، والتي تنتجها شركة تُدعى إسكبيوكيم Escbiochem، لكن منذ ذلك الحين، أضافت الوكالة كثيرًا من المنتجات التي تحتوي على مستويات خطرة من الميثانول، حيث يعرف هذا الأخير أيضا بكحول الخشب، وفق ما نشرته دورية واشنطن بوست The Washington Post.

ثبتّت الوكالة قائمة بهذه المعقمات على موقعها الإلكتروني، كما تنوه أن هذه المنتجات تشكل خطرًا خاصًا على الأطفال الصغار الذين لربما يشربونها بغير قصد، وكذلك على البالغين الذين يتقصدون تعاطيها كبديل عن الكحول.

لكن، كيف يحدث تلوث العديد من المنتجات بالميثانول للمرة الأولى؟

الاحتمال الأقوى هو التدفق المحتكّ بمسارات الإنتاج الملوثة بالسوائل، بمعنى أن المنتجين ربما لم يزيلوا بشكل صحيح الميثانول الناتج بشكل طبيعي خلال عملية تقطير الكحول، أو ربما تجاوزوا تعليمات إدارة الغذاء والدواء الأمريكية عبر البدء مسبقًا بمذيب مقطَّر عالي الميثانول كأساس لعملية الإنتاج، (قُطَارات الميثانول هي مركبات شائعة الاستخدام في صنع مضادات التجمد ووقود آليات السباق).

لسوء الحظ، بينما يستطيع الخبراء تمييز الميثانول عن الإيثانول من رائحة كل منهما، فإن معظم المستهلكين لن يتمكنوا من ملاحظة الفرق، كما أن قائمة المكونات التي تُلصق على العبوة لن يذكر فيها صراحةً أنها تحتوي على الميثانول.

في حين صرح خبراء لموقع Live Science:

«ينبغي على الناس بالمقابل تفقد قائمة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لمنتجات المعقمات المستبعدة تلك ليضمنوا أن النوع الذي يستخدمونه ليس من ضمن القائمة، وليتجنبوا العلامات التجارية ذات المصادر المجهولة».

إن جرعتين صغيرتين من الميثانول كفيلتان بقتل الإنسان تمامًا: شُرب ملعقتين كبيرتين من الميثانول (30 ميلّي ليتر) قد يشكّل خطرًا مميتًا للأطفال، كما أن شرب 2 إلى 8 أونصات (60 إلى 240 ميلّي ليتر) قد يشكل خطرًا مميتًا للبالغين، وفق تقرير مسبق أعده موقع Live Science.

خلال تصريح لموقع Live Science، قال الدكتور ويليام بانر Dr.William Banner المدير الطبي في مركز أوكلاهوما لمعلومات الدواء والسم والرئيس السابق للجمعية الأمريكية المعنية بمراكز مراقبة المواد السامة: «حتى ولو استُخدم الميثانول عن طريق الجلد، فإنه قد يُمتصُّ محدثًا ألمًا حادًا وتلفًا في الأعصاب».

كما أضاف: «من الممكن أن يشكل الميثانول الموضعي خطرًا أكبرَ على الأطفال، إذ أن لديهم معدلًا أعلى لنسبة مساحة سطح الجلد مقسومةً على وزن الجسم، مقارنةً بالبالغين».

كما أبدى هذا الرأي: «من المحتمل أن يحتاج المستهلكون إلى استعمال أكثر من جرعة واحدة من المنتج (كحالة ضغطة واحدة فقط من علبة لمعقمات الأيدي) لامتصاص جرعة كافية ووافية لتصبح سامة».

دروس من مصانع التقطير

التلوث بالميثانول هو مشكلة مأخوذة بالحسبان إلى حد كبير في جميع أجهزة التقطير، ذلك ما يجعل استهلاك الويسكي المحضّر بطريقة مخالفة للقانون، وكذلك معظم المشروبات الكحولية المحضرة يدويًا في المنزل، أخطر من استهلاك المشروبات الروحية المُحضّرة عبر أجهزة تقطير قانونية.

يبدأ إنتاج الكحول بعملية تخمير السكر بغية إنتاج كل من الميثانول والإيثانول، حيث يُعتبر الأخير نوعًا من الكحول الآمنة تمامًا للشرب، ويعد كذلك واحدًا من أفضل المكونات الأساسية لصنع معقمات الأيدي، وفق تقرير سابق ل Live Science.

بعد عملية التخمير يقوم المصنعون بغلي الكحول وجمع البخار الناتج، متيحين له المجال للتكاثُف داخل قطّارَةٍ مركّزة، لكن الميثانول يغلي عند درجة حرارة أقل من الإيثانول، لذلك فهو يتلاشى أولًا في عملية التقطير تلك.

في تصريح ل Live Science، قال السيد مايك بلاوم Mike Blaum، المالك الشريك ورئيس عمال التقطير في شركة بلاوم بروس Blaum Bros للتقطير في غالينا، ولاية إلينوس: «عندما يبدأ الإيثانول فعليًا بالغليان، عند درجة حرارة 173.1 درجة فهرِنهايت (أي 78.37 درجة مؤية)، عندها يتوجب على المصنعين قطع تيار تدفق الكحول وتبديل حاويات الجمع، فذلك يضمن أن الناتج النهائي للجمع يحتوي على الإيثانول بشكل رئيس، وأن الميثانول الفائض قد تم إقصاؤه».

كما يضيف: «بعد استبعاد الميثانول فالقُطَارَة المتبقية هي غالبًا الإيثانول، حيث أن الأخير هو المكون الرئيس للمشروبات الروحية، جنبًا إلى جنب مع مركبات أخرى لإضفاء المذاق على المشروب».

تتبقى كمية ضئيلة من الميثانول بعد إنتاج المشروب، لكن كميته يجب ألا تتخطى جرعة معينة كيلا تُفضي لمخاطر صحية كبيرة، وذلك وفق تقرير عام 2002 لدورية Human and Experimental Toxicology.

على سبيل المثال، تحدد إدارة الغذاء والدواء الأمريكية القيمة العظمى المسموحة للكحول الميثيلي في مشروب البراندي مثلًا ب 0.35%.

بينما يخضع منتجو الكحول التجارية لاختبارات صارمة ليثبتوا أنهم يلتزمون بتلك التعليمات، فإن منتجي المشروبات غير الشرعية لا يخضعون لذلك.

صرح بلاوم بالتالي: «بالنسبة لنا، نحن نعلم حقًا كيف نضمن عدم وجود خطر من الميثانول أو أي مادة سامة أخرى، وكعامل تقطيرٍ مدربٍ جيدًا فبمقدورك أن تشتمّ وتتذوق الفرق عندما تصبح نسبة الميثانول إلى الإيثانول مرتفعة للغاية، وبالإضافة لتلك الدلائل الحسية، يتحكم عمال التقطير بكثافة القُطارة ودرجة حرارة المكونات المتنوعة ضمن الجهاز الذي يتدفّق الكحول عبره».

كما أضاف: «تُرسِل الشركات دوريًا نماذجَ قُطارة إلى مختبرات مزودة بأداة لقياس الطيف الكتلي لاستِشْراب الغاز، والتي هي تقنية تُستخدم لتحليل معدل المواد الكيميائية الموجودة خلال دفعة واحدة».

تقرير سابق ل live Science جاء فيه: «يحرص المصنعون أيضًا على ألا تصبح براميل التقطير مغمورة بالبكتيريا التي تنتج كمية إضافية من الميثانول».

ضوابط الجودة ذاتها يجب أن تطبق عند إنتاج كحول لتحضير معقمات الأيدي، كتلك الضوابط التي بدأت شركة بلاوم بروس ومعامل التقطير الأمريكية الأخرى بتطبيقها أواخر شهر آذار الفائت بتوجيه من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية ودائرة ضرائب وتجارة التبغ والكحول.

وُجِّهت معامل التقطير لاتباع طرائق تحضيرٍ لمعقمات الأيدي مقدّمةٍ من منظمة الصحة العالمية World Health Organisation وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية. هذه الوصفات تنادي بنسبة عظمى لكحول الإيثانول مقدارها 96% من الحجم (ABV)، وأن يُخفّف الماء الأوكسجيني إلى 3% من تركيزه الأكبر، وبالمثل يُخفّف الغليسيرول إلى 98%. (علمًا أن وصفات تحضير أي معقم يعتمد على أنواع أخرى من الكحول في تركيبته الأساسية، ككحول إيزوبوبانول مثلًا، تستخدم نسبًا لا تختلف كثيرًا عن النسب السابقة).

يقول بلاوم: «إن كنت تقدم العناية الوافية، فلابد أن تحصد نتائجَ صحيحة».

كما يضيف: «رغم أن القُطارة قد خمّرت مسبقًا الإيثانول الذي ستستخدمه في تحضير المعقم، فإن شركة بلاوم بروس تشتري الإيثانول المقطّر بالجملة بداية كل عملية إنتاج، لأن مبيعات معقمات الأيدي ارتفت بسرعة مذهلة في بداية الجائحة، كما أن قُطارات الإيثانول الخام كانت مدعومة لفترة وجيزة».

ويخمّن بلاوم: «المصنعون الذين أنتجوا معقمات ملوثة مُشار إليها في قائمة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية؛ لربما استخدموا كميات كبيرة من قُطارات الميثانول في البداية، معللين ذلك بصعوبة الحصول على الإيثانول، لكن ذلك مجرد تخمين».

شراء المعقم الصحيح

نوهت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية عبر التحذير الذي أطلقته بخصوص المعقمات الملوثة بأن بعض المنتجات ملصوق عليها زورًا أنها تحوي إيثانول، لكن تبيّن بالتحليل أنها تحوي تلوثًا بالميثانول.

يصرح بلاوس بهذا الشأن: «لسوء الحظ ليس هناك طريقة مؤكدة بالمطلق بين يدي المستهلكين ليتبينوا بها مدى تلوث معقماتهم في حال ابتاعوا منتجات مدون عليها مكونات غير صحيحة».

كما ينوه: «لا أتوقع من المستهلكين تمييز الميثانول من رائحته، فبينما تمتاز المواد السامة الأخرى والمزالة بالتقطير بصفة مميزة، مثلاً رائحة خلات الإيثيل مشابهة لرائحة مزيل طلاء الأظافر، فإن رائحة الميثانول مشابهة لرائحة الإيثانول، باستثناء مقدار طفيف من رائحة عطر صناعي في الميثانول؛ فالناس العاديون من خارج مجتمع صناعة التقطير ربما لن تستطيع أنوفهم تمييز الفرق؛ وعلاوة على ذلك، من الوارد جدًا أن يقوم مصنعو المعقمات مجهولة الهوية بإضافة رائحة على معقمات الأيدي لإخفاء أي روائح فاضحة».

كما يبدي هذه النصيحة: «سأتبع تعليمات إدارة الغذاء والدواء الأمريكية فقط لأبقى على إطلاع بنوع المعقمات الآمنة، وسأتواصل مع مركز ضبط المواد السامة للاستفسار عن أي معقم مجهول المصدر؛ كن حذرًا، فأحيانًا اختيار المنتج الرخيص ليس أمرًا جيدًا على الدوام، ناهيك عن أن المنتجات مجهولة المصدر التي تنتجها الشركات الناشئة وطُرحت مؤخرًا في السوق ربما لا تكون موثوقةً مقارنة بالعلامات التجارية المعروفة. في جميع الأحوال، يُفضّل الاطلاع على قائمة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية قبل استخدام أي منتج جديد».

علاوة على ذلك، تحذر إدارة الغذاء والدواء الأمريكية المستهلكين للانتباه من المنتجات المسوّقة تحت ادعاءات مضلِّلة، كتلك التي تدعي تأمين حماية مديدة من فيروس كورونا، كما لا تُوجد معقمات أيدي تصدَّق من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية قبل دخولها للسوق، وعليه فإن المنتجات التي تحمل عنوان (مصدّقة من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية) يجب أن تثير الريبة.

المنتجات المعبّأة لتبدو مثل المشروبات أو الحلوى أو المشروبات الروحية، ومثلها تلك المسوّقة بطريقة توحي أنها مشروبات أو عصير، هي أكثر خطرًا على الأطفال، لأن شكلها الخارجي يشجع الأطفال على شربها.

علامات التعرض للميثانول

ربما تظهر فجأةً مزيد من معقمات الأيدي المجهولة طالما تستمر الجائحة، هذا ما عليك معرفته عن التعرض للميثانول وآثاره على الجسم:

ينوه بلاوم: «الميثانول أخطر من الإيثانول، على الأقل بعد ابتلاعه، حيث تتجلى المشكلة في الكبد، إذ يقوم إنزيمٌ يدعى نازِعَةُ هيدروجين الكحول بعملية استقلاب لكل من الكحولَين، وعلى خلاف الإيثانول، يتحول الميثانول إلى غاز الفورمالديهايد عديم اللون بعد أن يتحلّل، وكالمُستقلَبات الأخرى، يمرّ الفورمالديهايد على إنزيم آخر ليحول المركب إلى حمض الفورميك، وتراكمُ حمض الفورميك يخفّض درجة حموضة الدم، جاعلًا وسطه حامضيًا إلى حد خطير. هذا الأمر يعطل عمليات الاستقلاب اللازمة للخلايا لإنتاج الطاقة، كما يؤدي لتعزيز الناتج المهدور، كأملاح حمض اللبن (لاكتات)، وفق تقرير في عام 2011 للصحيفة الهندية لطب العيون The Endian Journal of Ophthalmology.

كما صرح بلاوم بالتالي: «هذا الاجتماع المؤذي للحموضة وتعطيل الاستقلاب يضرب الخلايا العصبية بضراوة، خاصةً خلايا شبكية العين والعصب البصري، حيث تبدأ بالتضخم، وربما تُدمّر بشكل دائم، كنتيجة لتعرضها لحمض الفورميك، ولأن الجسم يستغرق وقتًا في عملية استقلاب الميثانول، فمن الممكن أن تحتاج الأعراض من 4 إلى 6 ساعات كي تظهر».

وأضاف: «الأشخاص الذين يواجهون فقدانًا في البصر بُعيد التعرض للميثانول يصفون تجربتهم، حيث أصبح بصرهم بدايةً ضبابيًا ثم بدا كل شيء كما لو أنهم يمشون في عاصفة ثلجية، إن لم يتلقّ هؤلاء الأشخاص غسيلًا سريعًا للكلى فسيصابون بالعمى الدائم. إضافة إلى ذلك، يُداوى هؤلاء الأشخاص بعقار يسمى فومبيزول، والذي بدوره يصد إنزيم نازعة هيدروجين الكحول، وهذا يقود لإيقاف إنتاج الكبد لحمض الفورميك. وفي حالات نادرة جدًا، يعالج المصابون بجرعات من الإيثانول، لأن كلًا من الميثانول والإيثانول يتنافسان في الحصول على إنزيم نازعة هيدروجين الكحول وحضور أحدهما يبطء استقلاب الآخر».

وإضافة لفقدان البصر، يعاني الأشخاص المتعرضون للميثانول من الغثيان والقيء والصداع والنوبات أو الغيبوبة، تبعًا لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية.

ويختم بلاوم: «تتضمن العلامات المبكرة للتعرض للميثانول شعورًا طفيفًا بالتسمم، والبدء بالتنفس بسرعة وعمق كرد فعل للجسم على ارتفاع نسبة الحمض في الدم».

المصادر: 1